مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 شاهيناز العقباوي خلال موسم الحج وفي صبيحة يوم عرفة، وتحديدًا في التاسع من ذي ال …

كسوة الكعبة المشرفة تاريخ من القدسية والتعظيم

منذ 12 شهر

397

0

 شاهيناز العقباوي

خلال موسم الحج وفي صبيحة يوم عرفة، وتحديدًا في التاسع من ذي الحجة من كل عام، تكتسي الكعبة الشريفة مرة في السنة حلتها الجديدة، بداية القصة كانت مع سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، فهما أول من كسا الكعبة بعد عودتهما إلى أرض الحجاز، مع مرور الزمن لم يعرف في التاريخ غير تبع الحميري الملك اليمني الذي يُعد خليفة الخليل عليه السلام في التزامه بكسوة الكعبة قبل الإسلام، وذلك بعد أن زار مكة المكرمة ودخلها دخول الطائفين، وصنع لها بابًا ومفتاحًا، واستمر في هذا العمل سنوات طوال حيث بدأها بالخصف، وهي ثياب غلاظ، ثم المعافى، ثم الملاء والوصائل، وحرص خلفاؤه من بعده على السير على نهجه، فكسوها بالجلد والقباطي، وعلى الصعيد الآخر اهتم الكثيرون في الجاهلية بكسوة الكعبة وأعدوا ذلك واجباً من الواجبات الدينية تجاهها، وكانت الكسوة توضع بعضها فوق بعض، فإذا ما ثقلت أو بليت؛ أزيلت عنها وقسمت أو دفنت، وفي عهد قصي بن كلاب الجد الرابع للرسول عليه الصلاة والسلام، جمع قبائل قومه تحت لواء واحد وعرض عليهم أن يتعاونوا فيما بينهم كل حسب قدرته في كسوة الكعبة الشريفة، واستمر هذا الحال سنوات طوال حتى ظهر أبو ربيعة عبد الله بن عمرو المخزومي، وكان تاجراً واسع الثراءٍ، فأشار على أهل مكة أن يتكفل هو بكسوتها سنة، وقريش تقوم بالأخرى، فوافقت القبائل على ذلك، وأطلقت عليه لقب العدل؛ لأنه عدل بفعله قريشاً كلها. وظل على هذا العهد حتى مات.

وتوارثت قريش هذا العمل وبُعث النبي صلّ الله عليه وسلم والكعبة المشرفة مَكْسُوَّةٌ، وظل الأمر حتى صدر الإسلام إلى أن مكن الله الرسول صلى الله عليه وسلم وأتم له فتح مكة، فأبقى سيدنا محمد على كسوتها القديمة، ولم يستبدلها حتى احترقت على يد امرأة تريد تبخيرها فكساها بالثياب اليمانية، لأنه كان من الطبيعي ألا يشارك في كسوتها قبل الفتح، وذلك لأن قريشًا لم يسمحوا له بهذا الأمر. (1)

وتبعه الخلفاء الراشدون من بعده، فكساها سيدنا أبو بكر بثياب القباطي، وأمر سيدنا عمر بأن تكون الكسوة من بيت مال المسلمين، وتحاك في مصر، ومنذ ذلك الحين صارت نفقات الكسوة، تأخذ من مال الدولة إلا في سنوات معدودات، حيث كان يكسوها أفراد من الموسرين، أو من ذوي المناصب الرفيعة، أو حكام بعض الدول الإسلامية، وتفرد سيدنا عثمان بن عفان بكسوتها مرتين في العام واحدة بالقباطي يوم السابع والعشرين من رمضان، والأخرى بالبرود اليمانية يوم التروية حيث أمر عامله على اليمن يعلى بن منبه بصنعها، فكان أول رجل في الإسلام يضع على الكعبة كسوتين، إحداهما فوق الأخرى. (1)

كساء الكعبة يوم عاشوراء

ولم يكن للكسوة ترتيب خاص من قبل الدولة وبيت مال المسلمين، فقد كان الناس يكسونها بما تيسر لهم قطعًا متفرقة من الثياب وبدون التقيد بلون خاص، بل حسب ما تيسر لأحدهم ولو بجزء وناحية من البيت، وكان الناس في الجاهلية قبل ذلك يتحرون كسوتها يوم عاشوراء، حتى كان بنو هاشم، فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج، لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء وجمالاً، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار..

في عصر الدولة الأموية حظيت كسوة الكعبة باهتمام كبير من قبل الخلفاء الأمويين، وفي عهد معاوية بن أبي سفيان كسيت الكعبة كسوتين في العام، كسوة في يوم عاشوراء، والأخرى في آخر شهر رمضان استعدادًا لعيد الفطر، وكانت ترسل من دمشق، حيث تصنع من أحسن الأقمشة وأفضلها، وترسل إلى مكة المكرمة من منطقة على أطراف دمشق سميت الكسوة نسبة لها، حيث اشتهر محمل الحج الشامي الذي ينطلق من دمشق بجموع الحجيج المجتمعين من كافة البقاع ومن دول كثيرة في الشرق ووسط آسيا، واهتم الخلفاء العباسيون بكسوة الكعبة المشرفة اهتماماً بالغاً لم يسبقهم إليه أحد، نظراً لتطور النسيج والحياكة والصبغ والتلوين والتطريز في عهدهم، لذا بحثوا عن خير بلد تصنع أجود أنواع الحرير، فوجدوا غايتهم في مدينة (تنيس) المصرية، التي اشتهرت بالمنتجات الثمينة الرائعة، فصنعوا بها الكسوة الفاخرة من الحرير الأسود على أيدي أمهر النساجين من قرية تونة وشطا اللتين اشتهرتا بحرفة التطريز، وعندما حج المهدي العباسي عام 160هـ ذكر له سدنة الكعبة أن الكساء قد تضاعف عليها والبناء ضعيف ويخشى أن يتهدم من كثرة ما عليه، فأمر بتجريدها مما عليها وألا يسدل إلا كسوة واحدة، وهو المتبع إلى الآن، ثم أمر فطلى البيت كله بالخلوق الغالية والمسك والعنبر، وبعد عامين صنع كسوة أخرى للكعبة المشرفة. أما هارون الرشيد فأمر بصنع الكسوة من طراز قرية تونة سنة (190هـ) وكانت الكعبة في عهده تكسى مرتين. وكساها الخليفة المأمون ثلاث مرات في السنة الأولى من الديباج الأحمر يوم التروية، والثانية من القباطي غرة رجب، والثالثة من الديباج الأبيض يوم السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك. (2)

ولما رفع للخليفة العباسي جعفر المتوكل بأن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل حلول شهر رجب من مس الناس وتمسحهم بالكعبة أمر بإزارين آخرين يضافان إلى الأول، ثم جعل في كل شهرين إزاراً. ثم كساها الناصر العباسي ثوباً أخضر ثم ثوباً أسود. ومن ذلك التاريخ احتفظ باللون الأسود للكسوة، وظهرت الكتابة على كسوة الكعبة المشرفة في العصر العباسي، فكان الخلفاء من الأمراء يكتبون أسماءهم على الكسوة ويقرنون بها اسم الجهة التي صنعت بها وتاريخ صنعها.

ومع بداية الدولة الفاطمية اهتم الحكام الفاطميون بإرسال كسوة الكعبة كل عام من مصر، وكانت بيضاء اللون، وفي الدولة المملوكية وعهد السلطان الظاهر بيبرس أصبحت ترسل من القاهرة، حيث كان المماليك يرون أن هذا شرف يجب ألا ينازعهم فيه أحد حتى ولو وصل الأمر إلى القتال، فقد أراد ملك اليمن “المجاهد” في عام 751هـ أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ليكسوها كسوة من اليمن، فلما علم بذلك أمير مكة أخبر المصريين فقبضوا عليه، وأرسل مصفداً في الأغلال إلى القاهرة.

وكانت هناك محاولات أخرى من قبل بلاد الفرس والعراق ولكن سلاطين المماليك لم يسمحوا بذلك. وللمحافظة على هذا الشرف أوقف الملك الصالح إسماعيل بن عبد الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر في عام 751هـ وقفًا خاصًا لكسوة الكعبة الخارجية السوداء مرة كل سنة، وهذا الوقف عبارة عن قريتين من قرى القليوبية هما بيسوس وأبو الغيث، وكان يتحصل منه على 8900 درهم سنويًا، وظل هو النظام القائم إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني. (3)

مصر وصناعة الكسوة

واستمرت مصر في نيل شرف كسوة الكعبة بعد سقوط دولة المماليك وخضوعها للدولة العثمانية، فقد اهتم السلطان سليم الأول بتصنيعها وزركشتها وكذلك الحجرة النبوية ومقام إبراهيم الخليل عليه السلام. وفي عهد السلطان سليمان القانوني، أضاف إلى الوقف المخصص لكسوة الكعبة سبعًا أخرى لتصبح عدد القرى الموقوفة لكسوة الكعبة تسعة قرى وذلك للوفاء بالتزاماتها المادية، وظلت ترسل بانتظام بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه في قافلة الحج المصري.

وفي عهد محمد علي باشا استمرت مصر في إرسال الكسوة والمحمل إلى مكة المكرمة حتى عام 1221هـ، إلا أنه في العام الثاني، كان المد السعودي على مكة المكرمة في عهد الإمام سعود الكبير، فتقابل مع أمير المحمل المصري وأنكر عليه البدع، التي تصحب المحمل من طبل وزمر، وحذره من معاودة المجيء إلى الحج بهذه الصورة، فتوقفت مصر عن إرسال الكسوة الخارجية، فكساها الأمير سعود الكبير كسوةً من القز الأحمر، ثم بالديباج والقيلان الأسود من غير كتابة، وجعل إزارها وكسوة بابها (البرقع) من الحرير الأحمر المطرز بالذهب والفضة. (4)

وبعد سقوط الدرعية على يد جنود محمد علي باشا، وعودة السيادة العثمانية على الحجاز، استأنفت مصر إرسال الكسوة في عام 1228هـ في إطار جديد، وهو الصرف على شئون الكسوة من الخزانة المصرية مباشرة، بعد أن كان ينفق عليها من أوقاف الحرمين الشريفين، ولكن محمد علي باشا حلّ ذلك الوقف، وأدخل إيراداته من الخزانة المصرية، وبعد أن بسط السلطان سليم الأول سيطرته على بلاد الشام، ودخل القاهرة في شهر محرم 923هـ، وأصبحت الحجاز سلمياً في حوزة الدولة العثمانية، اهتم أثناء إقامته في مصر بإعداد كسوة الكعبة المشرفة وحجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومقام إبراهيم عليه السلام، كما صنع كسوة جديدة للمَحمل، وكتب اسمه على هذا الكساء الذي كان غاية في الإتقان والزخرفة، ومنذ تلك الآونة ظلت كسوة الكعبة المشرفة تُرسل سنوياً من مصر من ريع الوقف الذي وقفه الملك الصالح إسماعيل، إلى أن جاء السلطان سليمان القانوني، فوجد أن ريع هذا الوقف قد ضعف وعجز عن الوفاء، فأمر بشراء سبع قرى إضافة إلى الثلاث السابقة عام 947هـ لتصبح عشر قرى، ينفق من ريعها على الكسوة الشريفة، فأصبح وقفاً عامراً فائقاً مستمراً.

 شرفت مصر بصناعة كسوة بيت الله الحرام، على مدار سبعة قرون، إذ كانت تقوم بحياكتها من قماش محلي أثناء ولاية عمرو بن العاص لها، وتوقفت القاهرة عن إرسال الكسوة مرتين، الأولى في عهد الإمام والثانية خلال الحرب العالمية الأولى، وكانت الكسوة الشريفة  تخرج إلى مكة المكرمة بمرافقة حجاج بيت الله الحرام في أجواء احتفالية عظيمة يحضرها كبار رجال الدولة.(5)

بدأت فكرة المحمل الذي ينتقل فيه الكسوة الشريفة إلى مكة المكرمة في حكم شجرة الدر، حيث خرج أول محمل في عهد المماليك، وكان عبارة عن هودج فارغ أطلق عليه هودج شجرة الدر، أما الكسوة فكانت توضع في صناديق مغلقة تحملها الجمال، ويتجه نحو أرض الحجاز، إلا أن الاحتفال بشكله المميز كان في عهد الظاهر بيبرس، حيث كان سلاطين مصر المملوكية يلقبون بخدام الحرمين الشريفين، بعدها أصبح المحمل والاحتفال به تقليداً يحرص عليه ملوك مصر وشعبها كل سنة من وقت خروجه لمكة المكرمة، وكذلك الاحتفال بعودته منها، وهي الاحتفالات التي كان يشارك فيها الجيش قبل الثورة، وحراس المحمل والمرافقون له، وكان يطلق على قائد مسيرة المحمل أمير الحج وكان غالبًا من الباشوات والأمراء.

وكان المحمل يطوف القاهرة يصاحبه الطبل والزمر، والعديد من مظاهر الاحتفالات كتزيين المحلات التجارية والرقص بالخيول، وكان الوالي أو نائب عنه يحضر خروجه بنفسه، حيث يظل يطوف في أرجاء القاهرة ثلاثة أيام، وموكبه عبارة عن جمل يحمل كسوة الكعبة وخلفه الجمال التي تحمل المياه وأمتعة الحجاج والجند الذين يحرسون الموكب حتى أرض الحجاز، ومن ورائهم رجال الطرق الصوفية الذين يدقون الطبل ويرفعون الرايات، وبصحبتهم مهرجون يسمون “عفاريت المحمل”. (6)

وكانت نظارة (وزارة) الداخلية ترسل إلى نظارة المالية إشعاراً بتعيين أمير الحج وأمين الصرة، ثم ترسل المالية إلى كليهما خطاباً محددة فيه واجباتهما، وكشفا بعدد الموظفين والأطباء والعكامة والمشاعلية وغيرهم من الضباط والجنود والخدم وعدد الخيام والجمال وسائر المستلزمات.

وكونه تقليدًا متبعًا في كل عام، وبالتحديد في شهر ذي القعدة، كانت نظارة الداخلية ونظارة المالية تتفقان على اليوم المحدد لنقل الكسوة من دار الكسوة الشريفة (مصلحة الكسوة/ ورشة الخرنفش) التي أمر ببنائها محمد علي باشا عام 1232 هـ، إلى مسجد الإمام الحسين، ويصدق الخديوي على تعيين ذلك اليوم، ويصدر الأمر من رئيس مجلس النظار بتعطيل الدواوين والمصالح الحكومية، وينشر في الجريدة الرسمية، وتخطر نظارة الداخلية نظارة الحربية ومحافظة العاصمة، ليكون الجميع من الضباط والجنود على أهبة الاستعداد، كما تقوم المحافظة بإرسال الدعوات إلى العلماء وكبار رجال الدولة لحضور الاحتفال.(7)

الذي يبدأ غالبا في التاسعة صباحًا قبل أن يحين الموعد بنحو الساعة، وفي ميدان القلعة تجاه (مصطبة المحمل) يصطف الجنود حاملين أسلحتهم، ويبدأ توافد المدعوين،  فيستقبلهم وكيل المحافظة ومندوبوها، ويجلس العلماء في الميمنة، خلفهم المندوب العثماني والنظار والأمراء والأميرات وكبار الأعيان والتجار، وفي الميسرة يجلس كبار موظفي الديوان الخديوي، خلفهم قادة الجيش والجميع بملابس التشريفات في انتظار (الجناب العالي) الذي يحضر في عربة تجرها أربعة جياد، وبجواره رئيس النظار، ثم عربات كبار رجال الياوران والمعية، يحيط بالجميع 148 من فرسان الحرس الخديوي، وتؤدى للخديوي مراسم الاستقبال الرسمي بإطلاق 21 طلقة مدفعية ثم السلام الخديوي، وبعد أن يحيي الجميع يجلس في مكانه المخصص وبعدها يأخذ (مأمور تشغيل الكسوة) بزمام جمل المحمل ويدور به ثلاث مرات ثم يتوجه نحو الخديوي الذي ينزل إلى أول درجة من المصطبة، فيتقدم إليه مأمور الكسوة بكيس (مفتاح الكعبة) مبسوطًا على كفيه، فيتناوله ويقبله ثم ينقله إلى قاضي القضاة، ثم يتلو (دعاء المحمل) وتقدم الهدايا إلى أربابها.(8)

وبعد ذلك يعتلي أمير الحج جواده وخلفه المحمل وتعرض قطع الكسوة على المشاهدين في حراسة أورطة من الجنود، ويستعرض الخديوي قوات رمزية من الجيش ومن سلاح الفرسان وحامية ركب الحج المصري، وعقب انتهاء الحفل، يدور ركب المحمل في شارع محمد علي ثم سوق السلاح في الدرب الأحمر إلى باب زويلة والغورية فالسكة الجديدة حتى يتخذ طريقه إلى المشهد الحسيني، حيث أمير الحج وأمين الصرة في استقبال الكسوة وعقب دخولها يزوران مع السدنة ضريح الحسين، وفي موعد محدد في المسجد الحسيني وبحضور ناظر المالية وقاضي القضاة وأمير الحج وأمين الصرة، يحرر إشهاد شرعي بتسليم الكسوة، ثم توضع في صناديق مخصصة لذلك، ويسلم الحاكم أمير الحج وقواته صرة الأموال المليئة بالجنيهات الذهبية المصرية، ويعطي إشارة ببدء الحركة والتوجه إلى مكة (أم القرى)، وعقب إذن الحاكم بالتوجه إلى مكة، يتوجه المحمل إلى العباسية، وهناك يبات ليلته بالجمال، ثم يتحرك تجاه القلزم بالسويس، ويستقل البواخر، ويظل محفوفًا بالاحتفالات حتى يصل إلى مكة في آخر شهر ذي القعدة. وبعد الحج يعود المحمل حاملًا الكسوة القديمة للكعبة بعد إبدالها بالجديدة، وتقطع إلى قطع وتوزع على النبلاء والأمراء، وما زالت هذه القطع موجودة في متحف كسوة الكعبة، وبعضها في قبور العائلة الملكية في مصر حيث زينوا بها أضرحتهم كنوع من التبرك، ولم يكن المحمل المصري الوحيد الذي يخرج للحج في العالم الإسلامي، بل كان هناك المحمل الشامي، والعراقي واليمني، وما كان يميز المصري هو خروج الكسوة معه. (9)

والمحمل عبارة عن إطار مربع من الخشب هرمي القمة مغطى بستار من الديباج الأحمر أو الأخضر، وغالباً ما يزدان بزخارف نباتية وأشرطة كتابية مطرزة بخيوط من الذهب، وينتهي من الأسفل بشراشيب وله أربع قمم من الفضة المطلية بالذهب في الزوايا الأربع، ويوضع بداخله مصحفان صغيران داخل صندوقين من الفضة المذهبة معلقين في القمة إضافة إلى الكسوة الشريفة، ويوضع على جمل ضخم يسمى (جمل المحامل) ويتمتع هذا الجمل بإعفائه من العمل بقية أيام السنة.

في عهد محمد علي، أمر أن تخرج نفقة تصنيع كسوة الكعبة من خزينة الدولة التي آلت إليها كل الأوقاف، وتأسست لهذا الشأن (دار الكسوة) في عام 1233هـ، بحي (الخرنفش) في القاهرة، وهو حي يقع عند التقاء شارع بين السورين وميدان باب الشعرية، وما زالت هذه الدار قائمة حتى الآن، وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة داخلها، وظلت تعمل حتى عام 1962م.

الكسوة يبلغ ارتفاعها 14 مترًا، ويحليها في الثلث الأعلى منها حزام يعرف بحزام الكعبة المطرز بالأسلاك المصنوعة من الفضة المحلاة بالذهب ونقش عليها، «لا إله إلا الله محمد رسول الله» و«الله جل جلاله» و«سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» و«يا حنان يا منان» وتحتها مباشرة سورة الإخلاص داخل مربعات مطرزة بالطريقة نفسها، كما كانت تشمل العتبة والطراز والقائم الصغير والقائم الكبير والوصلة، ثم كسوة مقام إبراهيم عليه السلام، وستارة باب مقصورة إبراهيم عليه السلام، وستارة باب التوبة، وستارة باب منبر الحرم المكي، ثم كيس مفتاح الكعبة المشرفة، بالإضافة إلى كسوة الحجرة النبوية الشريفة وستارة المنبر النبوي. (10)

وظلت كسوة الكعبة ترسل بانتظام من مصر بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه في قافلة الحج، إلى أن كان آخر “محمل” خرج في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعاد قبل أن يصل إلى الأراضي السعودية، بسبب خلافات سياسية آنذاك، لتبدأ المملكة صناعة كسوة الكعبة في منطقة أجياد، ثم نقلت الصناعة إلى منطقة أم الجود.

مصنع الكسوة المشرفة بمكة المكرمة

يرجع اهتمام المملكة العربية السعودية بصناعة الكسوة إلى ما قبل عام 1381هـ أي منذ عام 1345هـ، وذلك حين توقفت مصر عن إرسالها بعد حادثة المحمل الشهيرة في العام السابق 1344هـ. فلما كان عام 1345هـ، وحان وقت مجيء الكسوة الشريفة، منعت الحكومة إرسالها كما هو متبع مع عموم العوائد مثل الحنطة والصرور وغير ذلك، ولم تخبر الحكومة المصرية الحكومة السعودية بذلك إلا في غرة ذي الحجة من نفس العام، وعندما علم الملك عبد العزيز آل سعود أمر بحياكة كسوة للكعبة المشرفة، بأقصى سرعة صنعت من الجوخ الأسود الفاخر مبطنة بالقلع القوي (11).

وفي بداية شهر محرم 1346هـ، أصدر الملك أوامره بإنشاء دار خاصة بصناعة الكسوة، بمحلة أجياد أمام دار وزارة المالية العمومية بمكة المكرمة، تمت عمارتها في نحو الستة الأشهر الأولى من عام 1346هـ، فكانت أول مؤسسة خصصت لحياكة كسوة الكعبة المشرفة بالحجاز منذ كسيت الكعبة في العصر الجاهلي إلى العصر الحالي، وأثناء سير العمل في بناء الدار كانت الحكومة السعودية تقوم من جانب آخر، ببذل الجهود لتوفير الإمكانيات اللازمة للبدء في وضع الكسوة والتي تتألف من المواد الخام اللازمة لمصنع الكسوة من حرير ومواد الصباغة، ومن الأنوال التي ينسج عليها القماش اللازم لصنع الكسوة، والفنيين اللازمين للعمل في شتى المراحل إذ لم يكن أي منها متوفراً لدى المملكة حين ذاك.

وكسيت الكعبة المشرفة بأول كسوة تصنع في مكة المكرمة، وظلت “دار الكسوة بأجياد” تقوم بصناعتها منذ تشغيلها عام 1346هـ، واستمرت حتى عام 1358هـ. ثم أغلقت، وعادت مصر بعد الاتفاق مع الحكومة السعودية إلى فتح أبواب صناعة الكسوة بالقاهرة سنة 1358هـ، وأخذت ترسل الكسوة إلى مكة المكرمة سنوياً حتى عام 1381هـ. ولاختلاف وجهات النظر السياسية بين مصر والدولة السعودية، توقفت عن إرسال الكسوة الشريفة منذ ذلك التاريخ، وقامت الرياض بإعادة فتح وتشغيل مبنى تابع لوزارة المالية بحي جرول، يقع أمام وزارة الحج والأوقاف سابقًا، وأسندت إليه إدارة المصنع، ولم يكن وقتها لديهم الوقت الكافي لبناء مصنع حديث، وظل القديم يقوم بصناعة الكسوة الشريفة إلى عام 1397هـ. حيث نقل العمل إلى مصنع كسوة الكعبة المشرفة، الذي تم بناؤه في أم الجود بمكة المكرمة، وافتتح يوم السبت السابع من ربيع الآخر تحت رعاية الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية آنذاك. (12)

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود