تحدثتُ فاسمع

حبيبة سليمان*

(لا أسمع، ماذا تقول، إني استمع إليك، كلي آذانٌ صاغية) عباراتٌ كثيرة نسمعها حين نمرُّ بجمعٍ من الناس نجدهم يقولونها ونحن قد قلناها، نحزن ونبتئس حين نتكلم ولا يلتفت إلينا أحد، حين يقاطعوننا، ويريدون أن يأخذوا منا ساحة الكلام، تظهر على وجوهنا ملامح الاستغراب والعجب من هؤلاء الناس ويراودنا فجأةً هذا السؤال متى يتعلمون الاستماع؟ لا بد أن كل واحدٍ قرأً هذا السؤال الآن رجع بذهنه إلى الوراء فوجد نفسه قد قاله أو سمعه من أحد الناس، ينتابني شعور أعجز عن وصفه حتى الآن، عندما أذهب لحضور دورةٍ أو أمسية شعرٍ أو ندوةٍ ثقافية وأجد بعض الحضور يتكلمون كلاماً جانبياً يوشوشون به على غيرهم فلا أدري ماذا أقول لهم تشتهي نفسي ويعجز لساني أن أقول لهم طالما أنتم لا تريدون الاستماع لماذا أتيتم من حقكم أن تتكلموا ولكن ليس من حقكم أن تشوشوا على الآخرين.
الاستماع مرادف الإصغاء وكلاهما فن، كمثل بقية الفنون التي لا يتقنها إلا صفوة قليلة، كذلك فن الإصغاء كثيراً منا من يظن أنه يعلمه ويتقنه ولكن قليلاً من ينفذه، فهذا المذيع يقرأ نشرة الأخبار ولا يصغي له أحد وهذا المعلم يشرح الدرس والطلبة مشغولون عنه فلا يصغي له أحد إلا قلةُ قليلة، وهؤلاء الآباء الذين ينصحون دائماً ولكن نصائحهم تذهب سدى، للأسف الشديد غالبيتنا العظمى لا تجيد فن الإصغاء وأكبر دليل على هذا أن من يجيد فن الإصغاء يكون في حالٍ أفضل من الحال، فانظر إلى أحوالنا إلى أهدافنا التي تضيع، إلى أحلامنا التي نكتفي أن تكون في جنح الليل، وعندما نفكر بأن نخرجها للنور لا نستطيع؛ لأننا لا نعلم كيف نعلمها ونحن لم نتعلم فن الإصغاء، كل ما كانوا يعلمونه لنا في المدارس هو فقط أن نفهم وأن نأتي بدرجاتٍ عالية آخر العام حتى حين يقولوا لنا اصمتوا، فالغالبية تصمت خوفاً من تساقط الدرجات أو من وحشية المديرة وشدتها ليس احترامًا للمعلم أو العلم؛ فتجدهم أثناء الحصة الدراسية ملجمين ألسنتهم، ولكن أذهانهم شاردة، مسافرة لمكانٍ بعيد… بالله عليكم هذا هو الإصغاء؟! لا والله الإصغاء أن تكون مع المتحدث بكامل جوارحك تسمع له وكلك أذانٌ صاغية، حتى ولو كانت مشتت، والدنيا كلها حولك، ومن منطلق أننا نقضي في صروح العلم وقتاً أطول مما نقضيه في بيوتنا؛ فوجب عليهم أن يعلمونا أن من تعود على فن الإصغاء عرف ما تقتضيه العلاقات البشرية، من تجاوب وتواصل وازدهار وعلو، فبدون الإنصات لن نعلم ما وصل إليه الآخرون، فهو يساعد على نجاح الفرد والدولة والمجتمع، ولو للإنصات سلبيات لما أمرنا به رب العباد حين أمرنا بالاستماع إلى القرآن الكريم ولنصائح الوالدين والمعلمين، وللإنصات آداب، شأنه كشأن آداب الزيارات والتحيات، ومن آدابه : حفظ السر، الابتسامة، تجنب الاستماع للمحرم كالغيبة والنميمة، الإنصات باهتمام وتركيز، حسن الاستماع للمتحدث وتجنب مقاطعته، وإذا سمعت القرآن الكريم عليكَ أن تقطع الحديث أياً كان وتنصت للآيات امتثالاً لأمر الله وغيرها من الآداب.
وختاماً الكلام في فن الإنصات يطول وما قدمته هنا هوالمختصر المفيد، أرجو أن تعم فائدته على الجميع.

الإصغاء فن ممكن تعلمه بل هو أساس الفنون.

كاتبة من مصر*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *