ابن الصياد

قرية جميلة هادئة تتربع كالعروس بين أحضان البحر، يقف علي الشاب القوي ذو الخلق الكريم، ووالده الشيخ محمد ذو اللحية البيضاء، وهو يحدق في البحر قائلا له:

يا بُني …. البحر وما فيه لا يملكه شخص بعينه ، ومن حق كل من أراد أن يصطاد السمك أن يصطاد، إلا أن الحسد داء ليس له دواء إلا أن تتحول عن المكان الذي فيه حسد إن استطعت.

الشيخ محمد ضاق ذرعًا بحسد أهل قريته، لقد أدرك علي أن والده يعتزم الرحيل

من هذه القرية الحاسد أهلها، وحاول علي منع والده، لكن الوالد أصر على التحول من قريته إلى قرية قريبة، سكانها أكثرهم رعاة ماشية، ولا يوجد فيها إلا أشخاص قلائل يمتهنون حرفة صيد السمك، لم يستطع علي أمام إصرار والده إلا التسليم والطاعة، ولأول مرة، فارق مسقط رأسه، ورحل عن رفاق الدرب وصحبة  الصغر.

وفي القرية الجديدة، وجد الشيخ محمد وأسرته الترحيب والحفاوة من الجميع، مارس علي عمله ومصدر رزقه الوحيد صيد السمك مع والده، لقد تعود علي  وأسرته على العيش في القرية الجديدة، وزادت معرفتهم بأهل القرية، وكثر الخير، ووسع علي داره، وأحبه كل من عرفه، لكن الحسد دبَّ في قلب أحد الصيادين يدعى ناصر، فناصب عليا العداء، حيث أشاع ذلك الحاسد بين أهل القرية أن عليا قد جاء إلى قريتهم وهو فقير، وأنه اليوم قد أصبح غنيا، وأن صيد السمك لا يأتي بهذا المال الوفير، فمن أين أتى علي بأمواله ؟!

انتشرت تلك الشائعة بين أهل القرية انتشار النار في الهشيم، وأصبحت حديث المجالس، تضايق علي من تلك الإشاعة المغرضة، وهم بترك القرية ، لولا أنه خاف أن يظن به السوء إن هو فعل ذلك فتثبت التهمة عليه، فما ما كان من علي غير الصبر والتوكل على الله وهو نعم الوكيل.

مرت الأيام والليالي ثقيلة على علي وهو ينتظر أن يظهر الله براءته ويكفيه شر ألسنة الناس.

وفي يوم من الأيام، جاء رجل إلى شيخ القرية يشكي ناصرا ويطلبه بمبلغ خمسة آلاف ريال، أخذها منه قبل عام، ولم يردها، أقر ناصر أن للرجل في ذمته خمسة آلاف ريال، لكنه لا يملك هذا المبلغ، هدد الرجل ناصرا بالسجن، فوقع ناصر في مصيبة عظيمة، ولم يجد من يقرضه حتى يفي بما عليه.

سمع علي بقضية ناصر، التقى الرجل الدائن وهو خارج من القرية يريد رفع أمر ناصر إلى الشرطة، وسلمه علي المبلغ، وطلب منه أن يظل ما حدث بينهما سرا.

ناصر ينتظر السجن في أي لحظة، خاف كثيرا، وأخيرا ذهب للرجل الدائن في بيته يطلب منه مهلة، أخبره أن أحد رجال القرية أعطاه المبلغ وسدد دينه، لكنه  لم يخبره من هو.

عاد ناصر إلى القرية فرحا بنجاته من السجن، لكنه يتمنى أن يعرف ذلك الرجل الكريم الذي حماه من السجن، فكر كثيرا لكنه لم يتوصل لشيء، إذا فمن هو يا ترى ؟!

شاع في القرية أن رجلا من أهل القرية دفع عن ناصر للرجل الدائن الذي يطلبه مبلغ خمسة آلاف ريال، وأنقذه من السجن . سأل ناصر الناس كثيرا عله يصل إلى ذلك الرجل الكريم، وفي نهاية المطاف عاد للرجل الدائن وألح عليه مقسما أن يخبره، وبعد إلحاح شديد وطول توسل أخبره أن من سدد عنه دينه هو علي الصياد صاحب القلب الطيب.

نزل الخبر على ناصر كالصاعقة، بكى كثيرا، ورفع رأسه للسماء نادما مستغفرا عما بدر منه نحو علي، وأقسم ألا يعود للظلم.

إبراهيم شيخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *