قراءة كتاب: الحجاج والمغالطة، لرشيد الراضي

بقلم/ إيمان سالم البلوي*

 

 معلومات الكتاب:

المؤلف: رشيد الراضي.

دار النشر: دار الكتاب الجديد المتحدة.

تاريخ النشر: 2010

عدد الصفحات: 136

الكتاب في مجمله مجموعة من المقالات العلمية التي تجتمع في إطار مرجعي واحد وهو “منطق الحوار”، وهي ست مقالات بالإضافة إلى حوار سابق حول قضايا الحوار أدرجه المؤلف ضمن هذ المقالات لتضامه مع فحوى الكتاب.

“العقل في الحوار قبل الحوار في العقل” هذه الجملة هي أول ما يطالعنا في بادئة الكتاب، حيث يصادر المؤلف على دور هذا المبدأ إذا ما أردنا تغيير واقعنا الحواري المعاصر، مفرقًا بين التحاور والتواصل الذي لا ينطوي بالضرورة على حوار، فكوننا نعيش عصر التواصل لا يعني بشكل من الأشكال أننا نعيش عصر التحاور، فهو يؤكد على أن “التحاور فعل قاصد يستند في انبثاقه وارتقائه إلى قاعدة من الوعي النظري والاقتناع العلمي اللذين يسندانه ويوجهانه”[1].

يبحث المقال الأول في “الحوار والسفسطة” ويتناول السفسطة بوصفها ممارسة حوارية غير صحية، يعتمد عليها المحاور فاقد الحجة، ويقدم تعريفًا لها ويبين كيفية الانزياح الدلالي الذي طال مفهوم “السفسطة” أثناء الحركة الفكرية في اليونان القديمة، ثم يعرض أشهر السفسطات التي عرفها التاريخ، ويشرحها، ويقدم أمثلة حوارية عليها.

ويتوسع البحث حول السفسطة في المقال الثاني حيث يركز على “سفسطات الأكثرية” التي تمثل أكثر الأشكال الحوارية سلبية، وإضرارًا بالممارسة الفكرية والسلوك اليومي على حد سواء[2]، وينصب البحث على ثلاث سفسطات تنسحب عليها حجة الأكثرية الباطلة، وهي:

  • سفسطة “ما يراه الناس” Appeal to belief:

إن الحجة الرئيسة في هذه السفسطة هي “إن كثرة المعتقدين لفكرة ما يدمغ معارضتها” فقوة الحجة تأتي من قدرتها على إقناع أكبر عدد ممكن، لأن ذلك لا يتأتى إلا نتيجة صدقها -بحسب هذه الحجة-، وهذا النوع من السفسطات هو ما يبرر اعتقاد صحة الآراء الأكثر شيوعا دون إعارة الاهتمام لمدى صدقها.

  • سفسطة “ما جرى العمل به” Appeal to common practice:

تتكئ هذه السفسطة على حجة الأغلبية أو الأكثرية، ولكن الأكثرية هنا تختلف عن سابقتها بأن الأولى تعتمد على أكثرية المعتقدين، وهذه تعتمد على أكثرية العاملين، فالحجة هنا تحكم على صحة عمل ما لكثرة عامليه دون الاكتراث لمشروعيته، فكون الكثير من الناس يعمل هذه العمل يجعله عملا صائًبا -بحسب هذه الحجة-.

  • سفسطة “ما يهوى الجمهور” to popularity: Appeal

إن المستدل بهذه الحجة يستغل استحسان الأغلبية لأمر ما لإثبات صحة دعوى ما؛ بحيث يعتمد على هوى الأغلبية في استدلاله على صحة دعواه، فالحجة هي “الأغلبية تفضله إذن هو صحيح”.

ثم يتناول المؤلف في المقال الثالث الذي عنونه بـ “الأوجه الثلاثة عشر للسفسطة من المنظور الأرسطي” مساهمة أرسطو حيث يُرجع لأرسطو أهم مساهمة على الإطلاق في معالجة السفسطة، ويعتبرها مساهمة متكاملة لازالت منطلقا للأبحاث التي تتناول المخاطبات السفسطائية، ويُسوغ أهمية المساهمة الأرسطية بكونها تُعد “أول عمل نسقي في دراسة هذا النوع من المخاطبة”[3]، حيث يعرض المؤلف في هذا المقال تتبع أرسطو للمواضع التي يحصل بها “التبكيت السفسطائي” وهي إما سفسطات من جهة الألفاظ، وإما سفسطات من جهة المعاني.

وينعطف الكتاب نحو الحوار في المقال الرابع وهو بعنوان “من المناطحة إلى المطارحة في نُصرة الحوار العاقل” وهو مقال يروم الافادة من النتاج النظري في تقويم الممارسة المعاصرة للنشاط الحواري بهدف رفع إنتاجيته وتزكية أثره في نشر الوفاق ودحر منابع الفرقة بين المفكرين والعاملين من الأمة الواحدة[4]، ويقف المؤلف أمام آفات الحوار غير العاقل، وهو ما يمكن تسميته بـ “المقارعة الشخصية” أو “المناطحة” كما يسميه المؤلف قاصدا بذلك المصطلح الإيحاء بالجو غير الإنساني (الحيواني) الذي تحمله كلمة مطارحة لما يشوب هذا الحوار من عنف ومشاحنات وتبادل للتهم مع غياب للتعقل والاتزان، وذلك عائد إلى كون الهدف المنشود هو الرغبة في إفحام الخصم وقهره فقط، ثم يعرض المؤلف صورا من الأنماط الحوارية العاقلة، وأول هذه النماذج هو المباحثة، وهي نمط من الحوار غايته تحصيل المعرفة، والبحث عن الحقيقة، والتحرر من الجهل، والمباحثة شراكة في البحث بين الأطراف، وثانيها هو المحاورة النقدية أو الحوار الإقناعي وغايتها حل النزاع بين الأطراف المشاركة في الحوار حول القضايا المتنازع فيها.

ولا يغيب النموذج الحواري الإسلامي عن هذا الكتاب ففي المقال الخامس “عقلانية المناظرة في التراث العربي” يقدم بحثًا حول المناظرة بصفتها أداة حجاجية لها عظيم الأثر في الفكر الإسلامي، وتحدث عن ركني المناظرة الأخلاقي والمنطقي، ثم عرض وظيفة السائل (المعترض)، ووظيفة المعلل (العارض) وهي وظائف يتأكد الالتزام بها خلال المناظرة، ويترتب عليها أحكام تطبق على السائل والمعلل لاشتراكهما في طلب الحق.

أما عن المقال السادس والأخير “في أنماط الحوار وأفضلية المحاورة النقدية” يخلص المؤلف إلى أن الحوار في الأدبيات الحجاجية المعاصرة ما هو إلا “فعالية لغوية واجتماعية وعقلانية”[5]، يمر بأطوار أربعة (الطور التنازعي، والطور الانفتاحي، والطور الحجاجي، والطور الختامي)، ثم يعرض أهم الأنماط الحوارية وهي: المقارعة الشخصية، والمنازعة الجدلية، والحوار التفاوضي، والمباحثة، ويختم المقال بالمحاورة النقدية التي يرى أفضليتها ونجاعتها.

إن هذا الكتاب الذي يتخذ من منطق الحوار موضوعا له؛ هو مادة فكرية مكتنزة لاسيما وهو حصاد لمقالات مركزة تستقصي الممارسة الحوارية بجميع أنماطها، وهو يقدم مادته بلغة بينة تخاطب القارئ المختص وغير المختص، كما هي الحال في فضاء الأدبيات الحوارية الذي تجتمع فيه حقول علمية مختلفة، فدراسة الحوار ليست حصرًا لعلم دون غيره، فهو مادة بالغة الأهمية لكل طالب معرفة.

 

[1] رشيد الراضي، الحجاج والمغالطة: من الحوار في العقل إلى العقل في الحوار، (بيروت: دار الكتاب الجديد، 2010م)،6.

[2] المرجع السابق، 47.

[3] المرجع السابق، 63.

[4] المرجع السابق، 74.

[5] المرجع السابق، 111.

 

*باحثة سعودية، ماجستير في اللسانيات الحديثة.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *