عن كتابة القصَّة القصيرة جدًا (مترجم)

 

عن كتابة القصَّة القصيرة جدًا

مقال كتبته هيئة تحرير موقع / الكتابة الإبداعيَّة الآن

https://www.creative-writing-now.com/short-short-stories.html

ترجمه عن الإنجليزية / خلف سرحان القرشي
****************************************
أصبحت القصص القصيرة جدًا، التي تُسمى أيضًا بـــ “القصة الومضة” لونٌ أدبيٌّ شائعٌ جدًا.

وتأتي القصّة من هذا النوع في فقراتٍ قليلةٍ أو في بضعة أسطرٍ فقط.

إنَّها مثل خدعةٍ سحريَّةٍ، إلَّا فكيف يمكن ضغط قصَّةٍ كاملةٍ في حيِّزٍ صغيرٍ كهذا؟ كيف يُنْجَزُ الأمرُ؟
بادئ ذي بدءٍ، لنفكر فيما يجعل القصَّةَ قصةً. فالقصة _وإن كانت قصيرةً للغاية_، فلا بد أن تبدو كاملةً ومقنعةً.

لكي تظهر القصَّةُ قصَّةً، يجب تغيير شيءٍ ما بين البداية والنهاية.

فما الذي يمكن تغييره؟

• موقف الشخصية: على سبيل المثال، في بداية قصة ما، يحاول البطل الهروب من مبنى محترقٍ، وفي النهاية، يصل إلى برِّ الأمان.

• منظور الشخصية عن الوضع: ومثال ذلك أن يعتقد بطل قصَّةٍ في بدايتها أنَّ زوجته سعيدةٌ في حياته معه، غير أنَّه يكتشف في نهاية القصَّة أنَّ الأمر خلاف ذلك، وأنَّ زوجته تخفي مشاعر تجافٍ بينهما.

• فهم القارئ للوضع: كأن يظهر في بداية قصَّةٍ حدوثها في منتجعٍ مثاليِّ للعطلات، وفي النهاية يدرك القارئ أن ذلك المنتجع مسكونٌ، وأنَّ العاملين به ليسوا سوى أشباح.

تنقل القصة القصيرة جدًا القراء من النقطة “أ” (الشخصية في المبنى المحترق، الشخصية الآمنة كون زواجه سعيدًا، الشخصية المسترخية في منتجعٍ جميلٍ) إلى النقطة “ب” (الشخصية الآمنة من النار، الشخصية التي تعيد التفكير في الزواج، الشخصيَّة التي تكتشف أنَّ المنتجع مسكونٌ).

لنتحدث الآن عن كيفية إنجاز كلِّ هذا بسرعة فائقةٍ، مع الإبقاء عليه مقنعًا. إنَّ ثمّة بعض
الاستراتيجيات التي يمكنك _باعتبارك كاتبًا لهذا اللون من القصص_ تجربتها ومنها:

1) ابدأ متأخرا في القصة:
في القصة القصيرة جدًا، لا يوجد وقتٌ للكثير من التمهيد والتقديم. لذا عليك أن تقفز مباشرةً إلى الحدث.

وعليه ففي قصَّة (المنتجع المسكون)، ليس عليك إظهار الشخص الذي يقوم بحجز الرحلة للبطل، ولا حزمه لحقائبه، وللغفوة التي راح فيها على متن الطائرة. عليك أن تبدأ عند قيامه بتسجيل وصوله إلى الفندق، والاستمتاع ببهوِّه الجميل، وفي نفس الوقت ملاحظته لأمرٍ غريبٍ بعض الشيء عن سلوك موظف الاستقبال.

أمَّا في القصَّة المتعلقة بالشخصيَّة التي تفر من المبنى المحترق، فيمكنك أن تبدأها في الزحف مع بطلها إلى أحد الممرات بينما اللهب يملأ المكان في كلِّ ما حوله.
وفي القصة الخاصة بالشخص الذي يدرك أنَّ زواجه مضطربًا، فبوسعك بدؤها في لحظةٍ ما قبيل ذلك الإدراك.

ابدأ قبل ذروة القصَّة مباشرةً – وأعني بذروة القصَّة هنا النقطة الأكثر إثارةً أو النقطة المحورية في القصَّة – بحيث يمكنك منحها الاهتمام الذي تستحقه.

2) اختر التفاصيل الصحيحة:
عندما ترغب في خلق تأثير لصورةٍ مفصَّلةٍ، وطبيعية هذا اللون من الأدب لا تسمح بكثيرٍ من التفاصيل، فيجدر بك والحالة هذه اختيار التفاصيل الضرورية بعنايةٍ فائقةٍ.

اختر التفاصيل التي تعطي صورةً أكبر: فعندما تقول مثلًا: “أذكر صفائح مغطاةً بالطعام مكدسةً على طاولة المطبخ، وشريحةً من البيتزا تغلغل على أرضية المطبخ منذ أسبوعٍ”، فسيتخيل القراء أنَّ بقيَّة المطبخ سيئةٌ جدًا.

اختر التفاصيل التي تخلق شعورًا معيَّنًا: إذا كنت ترغب في إعطاء القراء شعورًا زائفًا بالمنتجع المسكون، فيمكنك التركيز على التفاصيل التي تلمح إلى القلق، أو تشير إلى أنَّ شيئًا ما غير صحيح – ومثال ذلك أنَّ الموظفين لا يتواصلون فيما بينهم بصريًّا، وكلُّ الزهور التي في بهو الفندق ميتةُ، والثريا المعلَّقة تلقي بالكثير من الظلال.

3) ابقِ على تركيزك:

* ما الذي تحاول إنجازه في قصتك؟

* ما هو التغيير المركزي الذي يحدث بين بداية القصة ونهايتها؟

• ما هو الشعور الذي تريد خلقه في قرائك؟

واعلم أنَّه ليس ثمَّة مجالٌ في القصَّة القصيرة ينشد تحقيق مطالبٍ غير إجابات تلك الأسئلة الثلاثة الرئيسة.

4) لَمِّحْ أكثر مما تُصَرِّحْ:

عندما تريد منح قرائك إحساسًا بعالمٍ يستمر خارج إطار القصة، فبوسعك توظيف تلميحٍ أو لفتةٍ أو رمزٍ ليمثل ما يحدث خارج ذلك الإطار.

على سبيل المثال، بعد أن تخبره زوجة البطل بأنَّها غير سعيدةٍ في الزواج، فلربما يعد الزوج بالتغيير، ليكون أكثر حساسيةً وتفهمًا لاحتياجاتها. إنَّها مترددةٌ للحظةٍ، لكنَّها تلقي برأسها على كتفه.

لن يعرف القارئ الطريقة التي يصلحان بهما علاقتهما، _ لا يوجد مجالٌ لذلك في القصَّة_، غير أنَّ حركة الزوجة تلك تؤمي إلى أنَّها مستعدةٌ للمحاولة.

وفي نسخةٍ أخرى تعيسةٍ من هذه القصة، قد تتمثل استجابة الزوجة لوعود الشخصية / الزوج بترك الغرفة بهدوءٍ. هذه الحركة تشير إلى مسارٍ مختلفٍ للزوجين بعد نهاية القصة.

5) استبعد الكلمات غير الضرورية.

عند مراجعة قصتك، قلص من عدد كلماتها من خلال إزالة المفردات المكررة، وأيِّ نوعٍ من الحشو. لكن أجِّل هذا النوع من التحرير إلى ما بعد الانتهاء من كتابة مُسُّودِةِ القصَّة كاملةٍ. وذلك لأنك أثناء عملك تحرير مُسَوَّدةِ القصة تريد السماح لأفكارك وخيالك أن تتدفق بحريّةٍ دونما انقطاعٍ الأمر الذي يقتضي منك حينها ايقاف تشغيل “المحرر الداخلي” داخلك.
في الواقع، قد تجد أنَّه من المناسب تجاهل كثيرٍ من النصائح في هذا المقال إلى أن تصل إلى مرحلة المراجعة!

عليك أن تنهي القصةً أولًا، وتجعلها شبه جاهزة على الورقة، وفي وقتٍ تالٍ يمكنك أن تبدأ بعملية التحرير والمراجعة، والتدقيق ما يحتاج إلى ذلك.

ختامًا إنَّ أفضل طريقةٍ لكتابة “قصَّةٍ قصيرةٍ جدًا” هي كتابة الكثير من القصص منها. لأنَّك بهذا تستثمر نظرية الاحتمالات، فكلَّما كتبت قصصًا أكثر، كلَّما كانت فرصك أفضل في انتاج قصصٍ أجمل.

One thought on “عن كتابة القصَّة القصيرة جدًا (مترجم)

  1. دائمًا متألق أستاذ خلف شكرًا لك على هذا المقال الشيق
    عن القصة القصيرة جدًا وبالتوفيق لك في المقال القادم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *