الخط العربي فن وحضارة باقية

إعداد: محمد مهدلي – فرقد

الكتابة هي إحدى طرق التعبير التي عرفها الإنسان منذ القدم، وهي طريقة لتوثيق الأفكار والأحداث بتحويلها إلى رموز يمكن قراءتها وفكّها، ولكلّ لغة رموز وأحرف خاصة بها يستطيع الإنسان استخدامها لكتابة ما يُريد بطريقة مفهومة.

وقد بدأت الكتابة كفنّ بذاتها منذ القدم، أولًا عن طريق الرسم، وفيما بعد تطورت الرموز والرسومات وأصبحت على شكل أحرف اختصارًا للوقت والجهد. وتُعدّ الكتابة أهم خطوة خطاها الإنسان باتجاه الحضارة، ومارسها على جدران الكهوف والحجارة وقطع الخزف، وكان يكتب على شكل خطوط باستخدام بعض الأدوات مثل: الأظفار والريش والمسامير، ثم تطورت الكتابة حتى وصلت إلى اليوم، وتطورت معها الخطوط.

ويعدّ الخط العربي وأنواعه من الفنون التي نالت اهتمامًا كبيرًا من العرب، وقد أخذ الخط العربي وأنواعه أسماءه من الأشخاص الذين ابتكروها أو المدن التي وُجدت فيها أو الأقلام التي كُتبت بها، وقد تداخلت هذه الخطوط مع بعضها بعضًا، وأصبح لكل نوعٍ من الخط العربي طريقة رسمٍ خاصة، وأصبح الخط فنًا منفصلًا يتفنن به أشهر الخطاطين.

    الخط العربي استمد قدرته على البقاء من التعدد 

وفي هذا التّحقيق حول (الخطّ العربي .. تاريخه .. وأنواعه .. ومستقبله) يتحدث لنا الأستاذ الخطاط والباحث: أحمد الأمين الزائدي. جامعة السلطان محمد الفاتح ـ استانبول.

بقوله: الخط العربي عرف بتعدد أنواعه بين المشرقية والمغربية قديمها والذي مازال معروفاً ومستخدماً في أيامنا هذه، فمنها ما لم يصلنا عنه إلا اسمه ومنها ما استمر مع تقدم الزمن. وبالرغم من اختلاف المصادر حول أصل الكتابة العربية قبل الإسلام إلا أنها تُجمِع حول دور حركة تدوين المصاحف في تطوير الكتابة العربية ونقلها من مجرة التدوين إلى فن بصري جميل؛ فالمصاحف كتبت أولاً بالخط الحجازي (سمي لاحقاً بالكوفي) ثم  ظهرت خطوط مختلفة على عهد الأمويين والعباسيين ضبطها الوزير ابن مقلة وأخوه واختزلها في ستة أقلام (خطوط) فكانت خطوط المحقق والريحاني والثلث والنسخ والتواقيع والرقاع، ليأتي من بعده مجودون أسهموا بشكل يذكره التاريخ بإجلال كابن البواب علي بن هلال ومن بعده ياقوت المستعصمي الذي نقل عنه العثمانيون الخط ليقفز قفزة نوعية كبيرة، فاهتموا بالنسخ والثلث والتعليق وأوجدوا الرقعة والديواني وجليّ الديواني.

ويضيف الزائدي: من جهة أخرى نجد أن الخط تطور أيضاً على يد الفاطميين فظهر الكوفي الفاطمي مثلاً بشكل جميل على مساجد القاهرة، ومن قبلهم الأمويين في الأندلس مروراً بمدن المغرب العربي، فكما استخدم المشارقة خطوطاً بعينها استخدم المغاربة خطوطاً  ذات نمط مختلف فتجد القيرواني والمبسوط والزمامي والجوهر والثلث المغربي والكوفي المغربي وهما متشابهان مع المشرقي في مفهوم الحروف لكن تفاصيلها تغيرت بسِمةٍ مغربية.

ويضيف: والملاحظ لرحلة الخط العربي انطلاقاً من مرحلة الكتابة التدوينية، إلى ظهور قواعد جمالية له حفظت له بعده الجمالي الذي لم يؤثر على بعده الوظيفي، فالكتابات على جدران المساجد وفي اللوحات والمصاحف بالرغم من وجود هذا التقدم التقني الكبير الذي نشهده هذه الأيام  وكانت قد شهدته أيام انطلاق عصر الطباعة وتقلص صلاحية الكُتّاب والنُّسّاخ وغيرها يرى أن الخط  العربي تفرّد ببعده الجمالي الذي لم تستطع آلات الطباعة ولا تقنيات الحاسوب مجاراته فيه.

ويرى أن: الخط العربي استمد قدرته على البقاء من حالات تعدد أشكال الحروف عند اتصالها ببعضها، فالحروف في العربية تتحد فيما بينها وتتغير أشكالها لتكون كلمة متصلة مع بعضها بينما نراها في الحروف اللاتينية مثلاً منفصلة الحروف أو متصلة اتصالاً لا يغير شكل الحرف.. وهذا برأيي يدل على عدم انقراض الخط العربي ببعده الجمالي مع تقدم التقنية.

لكن بقاءه منوط ببقاء اللغة العربية وتمسك أهلها واعتزازهم بها، كذلك بتعليم الخط العربي على أوسع نطاق تعليمي صحيح بالطرق التي حفظت له خصوصيته عزيزاً ومكرماً، والرفع من شأن الخطاطين؛ فقد كان ابن مقلة الخطاط وزيراً عباسياً وتاريخ الخطاطين العثمانيين مليء بارتباط الخط بالمراتب العليا فتجد حوالي ثمانية  سلاطين كانوا خطاطين أيضاً ودرسوا على يد خطاطين،وأنفقوا على الخط إنفاقاً رغّب الناس في حفظ تراث الأمة الإسلامية.

وهنا أذكر قصة السلطان مصطفى الثاني بعد ما أمسك المحبرة بين يدي معلمه الخطاط الحافظ عثمان بن علي متسائلاً ” هل سيجود الزمان بمثل الحافظ عثمان في الخط؟“ معبراً عن تقديره له ولخطه الجميل، فأجاب الخطاط ” إذا كان السلاطين يمسكون الدواة للخطاطين هكذا فسيأتي خطاطون كثيرون بعدي دون شك أيها السلطان“ مبيناً مدى تأثير دعم السلاطين للخط وأهله، وهذا عامل  أساسي في تطور الخط وانتشاره.  

ويختم الزائدي بقوله: وإعلان عام ( 2020 ) عاماً للخط العربي في المملكة العربية السعودية يعلق عليه الآمال كثير من الخطاطين ومحبي الخط العربي في السعودية وخارجها، وأرجو أن يكون مفيداً للخط بالدرجة الأولى، وأن يكون كذلك نشاطاً مستمراً بشكل دوري، فالخط لا يؤتي ثماره على عجل وأن توضع خطة سنوية  تتوزع فيها المناشط والمعارض والمحاضرات وحلقات النقاش وورش العمل على مدار السنة، وقبل ذلك كله توزيع العمل على فرق عديدة فعمل الفريق أفضل من عمل الفرد لوحده، متمنياً للخط العربي وأهله في السعودية وكافة بلداننا العربية والإسلامية الازدهار والتقدم.

      جميع المؤشرات تبشّر بالخير لمستقبل الخط

وهنا يتحدث الأستاذ الخطاط: علي الغامدي من السعودية.

في ذات السياق ويقول: نبدأ حديثنا من كتابة المصحف في الرقاع وأشياء أخرى وثم جمعه في عهد الخلفاء الراشدين؛ وهذا ما أعطى أهمية للكتابة العربية بأحرفها وخطها الذي كان وما يزال متداولاً باسم الخط المصحفي أو الكوفي الغير منقط، ثم تطورت الخطوط في عهد الدولة الأموية والعباسية وكثرت أنواعها ولكن أشهرها: الخط الكوفي وهو أقدم الخطوط، وخط النسخ الذي استخدم في خط المصاحف، وخط الثلث وسُمي بذلك نسبة إلى سُمك القلم، وخط الرقعة وهو أكثر الخطوط العربية تداولًا واستعمالًا، وخط الديواني نسبة إلى دواوين السلاطين، والخط الفارسي نسبة إلى فارس وهو ما يسمى بالنّستعليق.

ويرى الغامدي: بخصوص المستقبل للخط : فالحمد لله جميع المؤشرات تبشر بالخير وتنبئ عن نهضة قوية للخط العربي، فما نراه الآن من اهتمام به من أفراد واقصد الموهوبين وتفضيل من المتذوقين للكتابة باليد عن الكتابة بالكمبيوتر وكما نلمس اهتمام ورعاية للخط العربي، ومعارضه وورشه وطباعة الأصول القديمة منه من المؤسسات والحكومات يجعلنا كمختصين ومهتمين بالخط نشعر بالفخر ونضاعف الجهود وإعداد التلاميذ الذين نعلمهم حتى نصل به للعالم  كفن وحضارة  كانت تعاني من الإهمال.

وينوّه الغامدي بأنّ: ما يثبت ما سبق هو جعل شعار هذا العام من وزارة الثقافة (2020 ) هو عام الخط العربي؛ وأهيب بالمهتمين والخطاطين والمتذوقين إجادة الاستفادة من هذه الفرصة الذهبية للتكاتف في جعل الخط العربي هويتنا كما كان سابقاً وانه حرف القران الكريم الذي نعتز به وبلغتنا العربية.

‏            نشأة الخط العربي وتطوره

ويضيف الأستاذ الخطاط: جوهر التّوني من مصر.

بقوله: لقد اختلف المؤرخون حول نشأة الخط العربي·· ففريق يرى أن نشأته كانت إلهية محضة، حيث إن الله عز وجل قد أوحى إلى آدم بطريقة الكتابات كلها ثم كتب بها آدم كل الكتب، {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }البقرة31.

ويضيف: وبعد زوال طوفان نوح عليه السلام أصاب كل قوم كتابهم فكان من نصيب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي، بينما يذهب فريق آخر إلى أن الخط العربي اشتق من الخط المسند الذي يعرف باسم (الخط الحميري أو الجنوبي)، وانتقل الخط المسند عن طريق القوافل إلى بلاد الشام، أما الفريق الثالث فيرجح أن الخط العربي ما هو إلا نتاج تطور عن الخط النبطي، وهذا ما تؤكده النقوش التي ترجع إلى ما قبل الإسلام والقرن الهجري الأول وهذه النقوش نجدها في منطقة (أم الجمال) شرق الأردن، ويعود تاريخها إلى (250م) ، وهناك نقش وجد في منطقة (حوران) إحدى ديار الأنباط يعود تاريخه إلى (328 م) وهو عبارة عن شاهدة قبر (امرؤ القيس) الملك والشاعر الشهير، ثم انتقل الخط من حوران إلى الأنبار والحيرة ومنها عن طريق (دومة الجندل) إلى الحجاز.

 تنمية الحس الجمالي لدى الشباب والأطفال

ويضيف الخطاط الأستاذ: بندر العمري.

المدينة المنورة السعودية.

بدأت رحلة الخط العربي متزامنة مع نزول الوحي على نبي الله محمد علي الصلاة والسلام في غار حراء، ومع نزول الوحي بدأ المسلمون الاهتمام بكتابة الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحثهم على تعلم الكتابة، ومنها بدأ تطور الخط العربي.. فخرج في ذلك الحين الخط المكي، ثمّ الخط المدني الذي كتب به مصحف سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، بعدها تطور الخط من خلال إضافة علامات الترقيم، والتنقيط.. وغيرها، ثمّ بعد ذلك ظهر الخط البيّن، والخط اليابس، ثم ظهرت الأقلام الستّة، وتزايدت أنواع الخطوط لتبلغ الثمانين أو التسعين خط في عهد الدولة العباسية.

اندثر من تلك الخطوط الكثير، وبقيت الكثير من الخطوط الأساسية مثل: النسخ الذي كانت تنسخ به الكتب ومنها القرآن الكريم – وخط الثلث والذي استخدم كثيرًا في العمارة الخطية – والخط الكوفي وخطّ النّستعليق (الفارسي) – وخط الرقعة – وخط الإجازة – وخط الديواني – والجلي ديواني … فهذه الأنواع هي الشائعة، وينبثق منها مجموعة كبيرة من الخطوط.

ويضيف العمري : مستقبل الخط العربي  وبالتحديد في المملكة العربية السعودية .. وهذا ما لاحظته خلال الفترة الماضية ( الأربع أو الخمس سنوات الأخيرة) … كان هناك حراكًا جميلًا وانتشارًا رائعًا، واهتمامًا من قبل المسئولين، في سبيل نشر هذا العلم.، ويرى العمري: أن هناك اهتمامًا .. وجهودًا ملموسة على المستوى الفردي، من أجل تعلّم ذاتي أكثر في هذا الحقل الفنّي والمعرفي .. كتأسيس بعض المراكز المهتمة بتعليم الخط.. الأمر الذي لم يكن له وجود في السابق، وهناك اهتمامًا أكبر على مستوى المؤسسة الثقافية المملكة مثل: جمعيات الثقافة والفنون – ومراكز ثقافية خاصة.

وبحكم أني من أبناء المدينة المنورة فإني ألمس زيادة الاهتمام بالخط العربي بشكل جميل.

وقال العمري : ستكون المدينة قبلة الخطّاطين في حال تكاتف أبنائها الخطّاطين والمتعلمين والمثقفين، ولا يجب أن نهدف لتعليم الخط فقط.. بل يجب أن نستهدف تنمية الحس الجمالي لدى الشباب والأطفال؛ ونحن قد بدأنا في الاجتماعات في جمعية الثقافة والفنون من أجل تكريس أهمية هذا الفن لدى الجميع.

                بنية الخط المفهومة لن تحذف

وهنا يتحدّث الكاتب والفنّان التشكيلي الأستاذ: علي ناجع الصّميلي. جازان السعودية.

أن: فنون الخط العربي لا تنفصل عن جماليات  الفن الإسلامي المرتبط بخاصية  الزخرفية وشغله للحيز، وهو أمر لا يمكن فصله عن مكوناته أو إخراج خاصية له أو مدرسة من مدارسه نزولا ًعند إشكاليات آنية فردية لا ينبغي أن تنعكس على هذا الفن، وإذا كان ثمة أمر فإن هذا يعود لمفهوم القيم على هذا الاختزال لهذه الخاصية أو تلك المدرسة ولا يعبر عن هذه المؤسسة أو عن مفهومها لهذا الفن العريق.

ويرى الصّميلي أنه: ليس بمقدور أحد حذف شي أو جزء من بنية الخط المفهومة  أو مدارسه ومزاياه، وعلى بعض السذج أو ذوي الخطاب الساذج  من أصحاب الورش المربوشة والمندفعة الذين تداخلت عندهم المفاهيم وتسطحت ليقوموا باختزال هذه المدرسة أو تلك وحذفها أن يراجعوا مفهومهم،  وإدراك ومعرفة أن ما يقدمون عليه يشكل سابقة  تاريخية مؤسفة وغير مبررة إطلاقاً ، ولم تحدث برغم  عبور هذا الفن تاريخياًومعاناته  ومده وجزره في الكثير من مراحل التاريخ التي تخللها حروب وخلافات، لكنها لم تنعكس بهذا السخف والخطاب البليد والغبي الذي أنتجه البعض بعلانية وقحة لتتخفى في نشاط فني صرف، لأنه قداختلطت عليها الأمور بشكل محبط وغير مقبول إطلاقا.

One thought on “الخط العربي فن وحضارة باقية

  1. المصري جوهر التوني ربنا يوفقك ويكرمك يارب لانك من الشخصيات المجتهدة وبصراحة من افضل الخطاطين في التعامل افضل المخطوطات ودقة وسرعه في التنفيذ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *