رسالة البطران /2

بقلم الكتاب: عبدالمنعم جاسم 

ليسَ عن محبّة في النوم، عدتُ إليه، لكنني وجدت بعض الأحبّة توّاقين لمعرفة وجهة نظر أبي الطيّب فيما عرضت عليه من أسئلة، فخلدتُ للحلم حاملًا معي (علبة سجائر) حمراء طويلة، حسبَ رغبة صديقي، وما إن أغمضتُ عيني، حتّى وجدتني هناك، في ذات المكان، ورأيت ذات الرجل الأنيق يجرّ خلفه رجلين اثنين، لم أستطع أن أتبيّن ملامحهما من التراب الذي على وجهيهما، ما ينبئ أنّهما منشوران للتوّ من مرقدهما، ومع هذا فلقد استطعت تخمينهما من بعض المفردات التي كانوا يتمتون بها، إذ كانت بعض نظمٍ من غثيث (ما كسبت أيديهم ، وما كانوا يكتبون) على الفيس، فقلت لصاحبي: أينَ أنت ماضٍ بهما، وهل هذان من أهل هذه ؟
فقال: أما جاوبتك قبلًا. ثم أكملَ سيره، فعلمت أنّه يريد (الناس) في: وقودها الناس والحجارة ..
قلت: إنّ لي عندكَ حاجةً يا أخا العرب.
قال: أبشر بعزّك (طال عمرك) يظنني من أصحاب السمو ..
قلت: أريد أبا الطيّب، أحمد بن الحسين، طلب زيارة ..
قال: تم
ثمّ أحضره، وهمّ بالمضيّ، فاستوقفته سائلا: فيمَ هو مفروز عندكم؟
قال: أووووووووووووه ، ماذا أعدّد لك لأعدّد .
قلت: هات ، فإنّي أسمع .
قال: أسمعتَ بقصّة ادّعائه النبوة؟
قلت: بلى .
قال: فتلك أهون جرائره. قال ذلك، ومضى ..
فالتفتّ إلى أبي الطيّب، وقلت: ويحك يا بن الحسين، ما هذا الذي أسمع؟
قال: (أبوماهر) عليّ الحرام القصّة مو هيك، أنا لم أدّعِ النبوّة، إنّما هي أبيات معجزات في الشعر الذي وهبنيه الله جلّ جلاله، جعلت قوما معاتيهَ يجزمون بأنّ هذا الكلام ليس بكلام بشر، لحسن بيانه ومعانيه، فلمّا أكثروا في ذلك، راجعت مع نفسي ما أقول، فقلت عمّا قلت ما قالوا، يا أخي والله إنّها أبيات لا يحسنها إنس ولا جنّ، ومع هذا فأنا لم أدّع شيئا، وما هي إلا محض افتراءات ممن يحسدونني وهم ـ على علمك ـ كثر ..
ثمّ زفرَ زفرةً طويلة، وقال: وين الدخّانات؟ فلمّا رأى علبةَ الحمراء الطويلة تتراقص أمامه، تهللت أساريره، وأخذها وسحب من العلبة ثنتين، لي وله، فتنهدّتُ وقلت له: أرأيتَ إذ جئتك على عجل، فإني نسيت القدّاحةَ على الغاز، وما أنسانيها إلا الشيطان.
فضحكَ ضحكة طويلةً، وقال: يا رجل، سمعتُ أنّك كنت تقول لمن يطلبُ منك ولّاعة في سهرة ما: أبشر، اعتبر حالك بنار جهنّم، أليس صحيحا ؟
قلت: العمى، وكيف نسيت ؟
المهم مضى غير بعيد فأشعلَ سيجارته، فأشعلت سيجارتي من سيجارته، ثم أخذ (سحبةً) طويلةً، ولم ينفثها، بل تركها ترافق حروفه من مخارجها، وهو يقول لي: هات أخبرني عما يعتريك إزاء ما سألتنيه .
قلت: سألتك عن الشطر الثاني من قولك :
وضاقتِ الأرضُ، حتّى كان هاربُهم
إذا رأى غيرَ شيءٍ ظنّه رجلًا ..
حيث قال فيه بعضهم: إنّ المتنبّي هنا يصوّر الرعب على مرحلتين، الأولى غير الشيء، أي اللاشيء، ثم يتحوّل ذلك الشيء إلى شيء غير الرجل، فيتوهّمه الهارب رجلا ..
ففرط من الضحك، وقال: اتّقِ الله يا رجل، ذكّرتني بالمسؤول عن موضع أذنه، فأدار يده اليمنى وراء رأسه ليشير إلى أذنه اليسرى، ثمّ أردف :
أسمعتَ بقصّة أبي نوّاس الشاعر، حين مرّ بغلمان الحي، وسمع تفسيرهم لقوله :
ألا فاسقني خمرًا، وقل لي: هي الخمرُ
ولا تسقِني سرًّا، إذا أمكنَ الجهرُ
فذهبوا في تفسيره إلى أنّ النوّاس يعشق الخمر لدرجة أنّه يريد لكل حواسه أن تتشارك لذّتها، فما وجد بدّا من ذكر اسمها حتى تشاركه حاسة السمع تلك اللذة، والحقيقة أنّه يريد أنّ جوّ السكر، يبقى ناقصا ما لم يكن صاخبا، فإنّ أجمل الليالي عندهم ما كللت بكأس وغانية، ثمّ قال: فهذه بتلك .
فأنا إنّما أردتُ بقولي أنّه إنما يظن غير الرجل رجلا، فأبدلت بين موضعَيْ (غير، شيء) لضرورة المقام الموسيقي، وظننت بأن الإبدال والإيجاز سيفيدان في توضيح المعنى، ولكنّ أبناء جيلكم يحبّون التعقيد، قال شيء ولا شيء، شو مفكّرني محمود درويش؟
قلت له: إذن لِمَ لمْ تقل: إذا رأى أيّ شيء ظنّه رجلا ؟
ضحك، وقد نظر إليّ نظرة إشفاق، وقال: يا أبا ماهر، لو أنّ غيري جاء بذات المعنى، فلا إخاله سيختار غير ما أشرتَ به حضرتك، لكنني أبو الطيّب، يا رجل، لا (تخلّيني) أكفر، فأنا لو قلت (أيّ) فإنّها تحتمل رؤية رجل أيضا، فأنت ربما ترى على البعد شيئا ما، فتظنّه رجلا مثلًا، وقد لا يخيب ظنّك، أمّا أن ترى شيئا غير (رجل) فتحسبه رجلا، فذلك منتهى التوهّم، وهو ما أردت ..
قلت: يا رجل، عليّ الحرام أقنعتني ..
قال: ولو، عبّود. ثمّ استلّ سيجارة من العلبة، وأشعلها من التي بيده، وأنشَد:
أشعلْ واحدةً من أخرى .. أشعلها من جمر عيوني
واحرقني واحرق بي بيتي .. وتصرّف فيه كمجنونِ
ورمادك ضعه على كفّي .. نيرانك ليست تؤذيني
فأنا كامرأةٍ يكفيني .. أن أشعرَ أنّك تحميني
أن أشعرَ أنّ هناك يدًا .. تتسلل من خلف المقعد
كي تمسحَ رأسي وجبيني ..
تتسلل من خلف المقعد
لتداعبَ أذني بسكونِ ..
ولتترك في شعري الأسود
عقدا من زهر الليمونِ ..
دخّن ، لا أروعَ من رجلٍ
يفنى في الركن ، ويفنيني ..
قلت: ويحك ، إنها لنزار ؟
قال: ومن غيره يستطيع أن يأتي بمثل هذا ..
قلت: وأينَ سمعته، لله درّك ؟
قال: كان هنا ، ولكنّه لم يقم فينا طويلا، إنّها رحمة ربّك ..
قلت له: طوّل بالك، ستفرج عنك أنت أيضا، بإذن الله، فهاتِ حدّثني عن قصّة مقتلك، وكيف أنّك أردتَ الهروب، فردّك عن ذلك غلامك، حين قال لك: أتهربُ وأنت القائل:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيف والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ ..
فضحك ضحكة نبّهتْ إلينا نصف الشعراء الملتهبين داخلا ، حتى أنّ بعضهم قال : المتنبّي ضيّع عقله ..
ضحك مليّا، وقال: بشرفك، هيك عم يحكوا ؟؟
قلت: إي والله، بيني وبينك في مزح شي؟
قال: أنتم كل شيء عندكم عادي، فلقد وردني أنّكم تتناقلون بينكم أنّ وزيرا عربيّا وُجِدَ منتحرا، بتسع طلقات في الرأس ..
يا أخي أنتم بالفعل عجيبون ..
عموما، سأحدّثك عن القصة كاملة، ولكنّك الآن تأخّرتَ على أمّ ماهر، فاترك لي علبةَ السجائر هذه، ولكن لا تتأخّر عليّ، فلقد سرّني حديثك …
شكرته من كلّ قلبي، ووعدته بحلم قريب جدا، إن شاء الله ..
تقبّلوا كل الودّ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *