مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد جبران* كنت أرقب انتهاء النهار من خلف قضبان نافذتي حين عصفت رياح باردة بعثرت …

أكثر من حلم

منذ 10 أشهر

119

0

محمد جبران*

كنت أرقب انتهاء النهار من خلف قضبان نافذتي حين عصفت رياح باردة بعثرت شعري الخفيف وذهبت به في كل الاتجاهات.
ابتعدت قليلا عن الواجهة حتى تهدأ الرياح قليلا، لكنها اشتدت أكثر وأخذت تكنس ما تصادفه من طرائدها التي لا تنتهي؛ قصاصات الأوراق، أكياس البلاستك، علب الكولا وأكواب الشاي الورقية!
في السماء كانت السحب القادمة من البحر تندفع بسرعة جنونية جهة الشمال والشرق.
اقتربت مرة أخرى من قضبان النافذة أتأمل تسارع السحب وتكاثفها؛ سحابة تلد أخرى باستمرار.. راودني إحساس أنها جاءت من أجلي، منذ سنوات وأنا أرجو أن تأتي، شعوري بحاجتي للمطر هو ما بثه  في نفسي من أمل، حديث جارتنا، قارئة الكف، وهي تشير إلى خطوط يدي المتعرجة ونحن صغار، وتقول؛ إن مطر الليل ما هو إلا دموع التائبين، اغتسل من مياهه يابني وستعيش عمرا طويلا. أقبل الليل، ما زالت الأجواء متوترة، لكن لم يسقط سوى القليل من القطرات! رُفع صوت أذان المغرب، توجهت إلى زاويتي المعتادة وأديت صلاتي، وأنا عائد من الصلاة باتجاه النافذة، كان الفضاء مكتظًا بالغيوم وبدايات الظلام، لم أعُد أرى شيئًا. فجأة شق لمعان البرق عتمة الغيوم السوداء، أعقبه دوي رعد، أحدث صوته صخباً في المبنى، شعرت أثناءها بفرح اختلط بشيء من الخوف.
مرّت في تلك اللحظات أجواء فصول السنة. استمر الحال إلى منتصف الليل، لم استطع النوم، كنت قلقاً من أن يبدأ المطر في الهطول بغزارة وأنا أغط في النوم، اللحظة التي كنت انتظرها، دعوت الله أن ينزّل الغيث سريعا، لم أرغب في شيء أكثر من ذلك.
لقد ذعرت عندما لمعت بالأمس بقعة حمراء على الأرض خلف ذلك الرجل النحيل الذي تكاثرت سنواته في الزنزانة المجاورة، تأرجحت أفكاري حينها، توقعت أن يفعلها عندما الصقه الجندي بقوة إلى جدار الموت، وأنه سيبكي من أجل انقاذي، كونه أقدم التائبين في هذا السجن، لم أتمكن من رؤية وجهه بوضوح، لكن، يبدو أنه لم يهتم بما تقوله قارئات الكف عن أحوال البائسين بعد أن عرف أنني سأكون رفيقه قريبا.
في وقت متأخر من الليل انهمر بالفعل المطر، تسربت المياه من السقف، كنت أقف تحتها، وحينما تأكدت أنها أغرقتني، نظرت إلى جسمي المبتل متسائلا؛ إن كان سيتحول الأمر إلى واقع، وتظل أمامي فرصة للحياة عدة أعوام؟!
استمر هطول المطر إلى قبيل الفجر ثم توقف.
أشرقت شمس صباح اليوم التالي أثناء عبوري بخطوات متقاربة حدود الحياة.. ألقيت نظرة على الفضاء الفسيح وساحة السجن وأسواره. السماء زرقاء صافية إلا من ذيول سحب بيضاء خفيفة تسير ببطء هنا وهناك. أوراق الأشجار والحشائش وأحذية الجنود النظيفة تلمع تحت أشعة الشمس. لم أتأخر كثيرا في الوصول إلى الجدار، فقد اجتزت الممرات دون تعثر رغم بلل الطريق وثقل قدميّ. أوثق أحد الجنود قيد يديّ خلف ظهري ونسي أن يضع على عينيّ عصابة، وأطلق جندي آخر الرصاصة.. ورأسي يهوي إلى الأرض لاحظت أن الحصى الصغيرة المتناثرة على الأرض مغسولة جيدا بماء المطر، عدا واحدة عليها لطخة دم حمراء، كم كنت أخشى أن تكون موجودة!

*كاتب من السعودية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود