الأكثر مشاهدة

فيتشر العدد 98 إعداد_ سلوى الأنصاري عندما ترتبط الروحانية مع المعرفة تتلألأ درر …

مكتبات مكة المكرمة… تاريخ ثقافي وترسيخ معرفي

منذ 9 أشهر

586

0

فيتشر العدد 98

إعداد_ سلوى الأنصاري

عندما ترتبط الروحانية مع المعرفة تتلألأ درر مضيئة من الثقافة في تفاصيل يرسمها “التاريخ” وتجسدها “الجغرافيا” حينها يكتمل “المشهد” بدراً في سماء المشارف..

في مكة المكرمة أطهر البقاع “شواهد” مكانية و”مشاهد” زمانية كانت فيها “المكتبات” صروحاً تعالت في آفاق الإرث المعرفي والتراث الثقافي بإنتاج قويم ظل “شاهداً” على العصور وصامداً أمام الزمن في اتجاهات تطورت وتجددت في ثنايا الكتب وفصول المجلدات.

ترسخت في جنبات مكتبات مكة المكرمة “العتيدة” و”العتيقة” معاني البلاغة وأبعاد الحضور والتي مثلت تاريخاً حافلاً رسم حدوده على الثرى الطاهر وتجلى إلى ثريا الاستدامة عبر أجيال نهلت من العلوم وتشربت من التخصصات.

ارتسمت معاني البلاغة على جدران تلك المكتبات، وفي أرحامها تشكلت الأفكار، وفي دهاليزها ولدت، وفي طرقاتها انتعشت عقول الأجيال، ومن أركانها تجلل الباحثون عن المعرفة برداء الأدباء و العظماء.

في مسارات تلك المكتبات سلكنا مسلك النبهاء، وبين رفوفها وممراتها سعى الكثير لامتلاك المعرفة، وتحيّنوا الفرص لارتشاف كوبٍ من النضوج ممزوجٍ بالاطلاع ليشبعوا  حاجاتهم من العلوم والثقافة.

تركت مكتبات مكة المكرمة أجمل أثر، وخلفت عظيم الإنجازات والمخطوطات عبر العصور، يسجل التاريخ وقائعه في عمر هذه المكتبات العتيدة المكتنزة بقصص الأثر والمقيمة على بوابة المعرفة، ففي سنة 594هـ أمر ملك اليمن نور الدين بن صلاح الدين الرسولي بإنشاء رباط في مكة وأوقف فيه نفائس من الكتب واصبح  هذا الرباط أكثر الأربطة كتبًا في مكة المكرمة وسمي برباط الحضارمة.

وفي سنة 641هـ  أوقف الأمير شرف الدين إقبال الشرابي كتبًا في مختلف المجالات لمدرسة مجاورة للحرم، وفي القرن الثامن أمر ملك بلاد فارس السلطان شاه شجاع بإنشاء رباط  وأوقف فيه في سنة 827هـ كتباً كثيرة.

في عام 882هـ أوقف الملك قايتباي مكتبة جعل مقرها مدرسته بجوار الحرم المكي، ولعل هذه المكتبة أول مكتبة عامة نظمت بمكة المكرمة، ومع مرور الزمن ازدهرت مكة المكرمة بالكثير من المكتبات منها ما اندثر من اثر السيول ومنها ما بقى الى يومنا الحالي ومنها:

المكتبة السليمانية:

أنشأها السلطان عبدالمجيد، جمع فيها كتباً أحضرت من الأستانة حتى صار ما بها (3653) كتاباً، وقد غرق كثير من الكتب بها في 8/5/1278هـ حيث دخل السيل من نوافذها القريبة من الأرض.

مكتبة الشرواني:

أسسها شرواني محمد رشدي باشا والي الحجاز سابقاً.

مكتبة المسجد الحرام:

تعد مكتبة الحرم المكي الشريف من المكتبات المهمة في تاريخ المكتبات الإسلامية تأسست عام ١٣٥٧ للهجرة ،يوجد بها ما يقارب ٣٥٠الف كتاب من الكتب النادرة والنفسية وكذلك المخطوطات ويعود إنشاؤها  إلى القرن الثاني الهجري في عهد الخليفة العباسي الخليفة المهدي عام ١٦٩ للهجرة ،ويرجع تسميتها بهذا الاسم إلى الملك عبد العزيز، كانت بدايتها في إحدى قباب الحرم التي خصصت لحفظ المصاحف التي ترد إلى الحرم المكي وبمرور الأيام نمت مجموعاتها حتى انتقلت إلى خارج الحرم.

ويعتبر مبناها الذي أنشئ في عام ١٣٩١ أول مبنى للمكتبة، وقد تمت إزالته في عام ١٤١٢ للهجرة  في التوسعة التاريخية للملك فهد بنعبد العزيز آل سعود وتوجد المكتبة اليوم في حي بطحاء قريش أحد احياء مكة المكرمة.

وتحتوى على عدة اقسام: قسم الخدمة المكتبية، قسم المخطوطات، قسم الدوريات، قسم المكتبة الصوتية، قسم الميكروفيلم، قسم التصوير الميكروفيلمي، جناح الحرمين الشريفين، قسم النساء، قسم التزويد، قسم الفهرسة والتصنيف، قسم الإهداء والتبادل، قسم التجليد، قسم العلاقات العامة، قسم التعقيم والترميم، المكتبة المرئية.

ارتدت مكتبة الحرم رداء التكنولوجيا وسابقت الزمن حتى غدت في متناول الجميع وبين أيدينا في أجهزتنا المحمولة وشرّعت أبوابها لتحقيق الثراء المعرفي فذللت الصعاب امام كل شخص باحث عن العلم والمعرفة؛ فأنشأت قسم المكتبة الالكترونية مع الحفاظ بحلتها التقليدية ورفوفها المتراصة التي حفظت لنا شتى العلوم، يقول الشاعر : سامي عبد الهادي

والمكتبات إذا علمت فإنها **** تاريـخ عمـر الكـون والانسان 

كما يخلد ذكر الكتب والمكتبات فقد تخلد بعض أسماء العاملين بها ومن بين العاملين المتميزين في مكتبة الحرم كمحمود شكري بن إسماعيل بن عمر بن أحمد النقشبندي، الشهير بحافظ كتب أو كتبخانة المتوفى سنة ١٣٠٤ للهجرة.

أولت حكومتنا الرشيدة اهتمامًا بالغًا بها حتى أصبحت مكتبة الحرم عنوانًا للثراء المعرفي  والغنى الوفير فقفزت الدولة بالمكتبة قفزات قدمت للكثير العلم والمعرفة على أطباق من ذهب منذ عهد الملك عبدالعزيز إلى وقتنا الحالي .

ولِدَ الهدى فالكائنات ضياء ..

وفم الزمانِ تبسمٌ وثناءُ.

تيه الزمانِ على الزمانِ سناء ..

وسناؤه بمحمدٍ وضَّاء

كان حدثًا عظيمًا مولد النبي عليه الصلاة والسلام وقد حظيت مكتبة مكة المكرمة بشرف عظيم أن أقيم صرحها على تلك البقعة التي ولد بها حبيبنا وسيد الخلق المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فكان انشاؤها في هذا المكان حدثًا تاريخيًا  فكريًا وثقافيًا غاية في الأهمية.

موقعها:

تقع المكتبة في وسط مدينة مكة المكرمة في الجهة الشرقية من وادي إبراهيم الخليل؛ حيث أجمع المؤرخون أن موقعها داخل شعب بني هاشم حيث كانت تحيط بها المنازل والأسواق قديماً، وبعد التطور العمراني الذي تم بمكة المكرمة اندثرت تلك البيوت والأسواق، هذا وبالإضافة إلى توسعة الحرم الشريف مع الإزالة الكاملة لحي شعب بني هاشم، وأصبح مبنى المكتبة حالياً هو المبنى الوحيد الذي مازال قائماً في المنطقة بين ساحات واسعة.”

و أقيم البناء الحالي للمكتبة على أساس البناء القديم وتنظيمه، الذي في الغالب يعود تاريخيًّا للقرن العاشر الهجري.

تتكون المكتبة من دورين صغيرين في شكل مستطيل بارتفاع عشرة أمتار، مساحتها من الشرق للغرب 24 متر، ومن الشمال للجنوب 13 متر، وللمبنى ثلاث واجهات حيث الواجهة الرئيسة من الناحية الغربية مواجهة للمسجد الحرام  والواجهتان الأخريان (الشمالية والجنوبية) تطلان على ما حولهما بنوافذ خشبية.

يحتوي المبنى على أربع غرف في الجوانب الأربعة على شكل مربع ويتوسطها قاعة كبيرة، أما الدور الثاني فهو على نفس تنسيق الدور الأول، وبه أربع ممرات تطل على القاعة الرئيسية، والمبنى الحالي مشيد بالإسمنت، وجداره مبني بالحجر والطوب الآجر.

اهتمت الحكومة الرشيدة بالمكتبة منذ أنشأها أمين مكة المكرمة الشيخ عباس يوسف قطان بأمر من الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه حيث أسند إلى الشيخ محمد الكردي مهمة تطوير المكتبة وذلك عام (1346هـ-1927م)، ومازالت العناية بها مستمرة إلى وقتنا الحاضر.

يقول الامام الشافعي:

واعلم بأنَّ العلم ليس ينالهُ

مَنْ هَمُّهُ في مَطْعَمٍ أَوْ مَلْبَسٍ

إلاَّ أَخُو العِلمِ الَّذِي يُعْنَى بِهِ

في حالتيه: عاريا أو مكتسي

فاجعل لنفسكَ منهُ حظاً وافراً

وَاهْجُرْ لَهُ طِيبَ الرُّقَادِ وَعَبسِ

احتوت مكتبة مكة المكرمة على الغزير من العلم والوفير من الأدب والكثير من المعرفة، جمعت بين اليقين والتحصيل والعلم والتعليم والدراسة والمهارة وقرنت الفقه مع النجابة.

جمعت كتب أعلام المكيين علماء وادباء في القرن الرابع عشر وخصص لكل منهم قاعة بمؤلفاته، وتم تصنيف الكتب من حيث المحتوى في الفقه والتفسير والحديث والادب.

“إلى جانب الكتب فالمكتبة تحوي أيضا العديد من الصحف والدوريات المحلية والعربية والإسلامية النادرة، والتي تستمر في صدورها إلى الآن، بالإضافة للتي توقف صدورها.

“ومن الدوريات الأدبية الشهيرة: الرسالة.

ومن المجلات المحلية: مجلة الحج والمنهل وغيرها.

وكما أردت مكتبة الحرم حله التكنولوجيا اردت مكتبة مكة المكرمة ذات الحلة حتى تتمكن من نشر العمل على نطاق اوسع وفي بقاع اكثر وتكون قريبة من القاصي والداني مع الحفاظ بذلك المبنى الذي يقف شامخًا على تلك البقعة التاريخية الخالدة.

ومن أهم العلماء الشيخ محمد ماجد الكردي، والشيخ عبد الحميد قدس، والشيخ علي بن حسين المالكي، والشيخ محمد بن سليمان حسب الله.

مكتبة جابها الفقراء والاغنياء وعامة الجماهير وجميع المثقفين كانت رمز من رموز الاستزادة والعلم والثقافة أصبح اسمها يتردد بين أوساط المتعلمين فقربت إليهم الكتب والدواوين فامتد منها الأثر و ترسخ من بين جدرانها العلم، اخذت على نفسها عهدًا أن تكون وفيه للكتاب والكتّاب  

“انها مكتبة الثقافة بمكة المكرمة تأسست عام 1364هـ , وهي إحدى الآثار الباقية لرائد الثقافة والمعرفة.. الشيخ صالح جمال رحمه الله.

موقعها :

الدكان الثالث على يمين الخارج من الحرم الشريف متجهاً إلى باب السلام الصغير ، تلي ترتيباً مكتبة الشيخ علي عبد الكريم باز وهي مكتبة حديثة التأسيس بالنسبة إلى المكتبات الأخرى ، تم عقد تأسيس المكتبة بتاريخ 14/4/1364هـ .

مؤسس مكتبة الثقافة:

الشيخ صالح محمد جمال – يرحمه الله – هو صاحب المبادرة لتأسيس مكتبة الثقافة

قدم للوطن وأبنائه العديد من المشاريع ، والإنجازات النافعة المفيدة، ورأس المجلس البلدي بمكة المكرمة، والغرفة التجارية لفترة من الزمن، وتقديراً لجهوده، وتخليداً لذكراه سمي المعرض الدائم بمكة المكرمة باسمه.

كان لمكتبة الثقافة اثر واضح في المجال  العلمي، والأدبي، والفكري في المجتمع المكي بخاصة

والمملكة العربية السعودية بعامة يمتد لعقود من الزمن، وعدد من أجيال الأمة، عبر عنه المثقفون، والأدباء بصدق وإخلاص في الباب الثاني من كتاب “مكتبة الثقافة تاريخ ورسالة” بعنوان: “مكتبة الثقافة بأقلام الأدباء والمثقفين” في عبارات كلها وفاء ، واعتراف بالإسهام الفكري والأدبي الذي اضطلع به مؤسس هذه المكتبة ،ورفاقه الكرام من أبناء مكة المكرمة .

من الوفاء لهذه المكتبة ان نذكر فضلها على الكثير من الادباء والعلماء والمفكرين في وقتنا الحالي، ومن أبرز العلماء والأدباء الذين ترددوا عليها:

العلامة الفقيه الأديب السيد علوي بن عباس المالكي يرحمه الله، الشيخ أحمد إبراهيم الغزاوي، الأستاذ أحمد السباعي، الأستاذ محمد سعيد العامودي، الشيخ رشدي ملحس، الشيخ عبد الوهاب الدهلوي والشيخ حسن عبد الحي قزاز، الأستاذ حسن جوهرجي، الشيخ عبد السلام كامل الصديق الحميم للشيخ صالح جمال، الأديب الشاعر حسين سرحان، الشيخ عبد القدوس الأنصاري، الشيخ أحمد عبدالغفور عطار، الشيخ حمد الجاسر، الأديب الشاعر الشيخ سراج خراز، وكثير غيرهم من الأدباء الذين لهم الأثر الكبير في نهضة هذه البلاد ، حفظ الله الأحياء، ورحم الله من انتقل منهم إلى دار البقاء.”

كان لمكتبة الثقافة جهود جبارة في مجال الطباعة والنشر وما زالت صامدة في موقعها الحالي في مكة المكرمة بحي العتيبية، ‏هناك أشخاص يضيفون لمكتباتهم حياة فوق الحيوات التي بها، ويضيئون  بها الوجود و ينشرون  بين دهاليزيها أريج الورود فيعيشون بين كتبهم في عالم بلا حدود أو قيود، تطير معهم الحروف وينضمون من جواهرها أجمل العقود ومن أولئك الأشخاص العلامة محمد نور فطاني و معالي الشيخ محمد سرور الصبان.

المكتبة  الفطانية:

“”أُسّست المكتبةُ الفطانية التجارية سنة 1328هـ , أسَّسها العلاّمة الشيخ محمد نور بن محمد بن إسماعيل فطاني المكي رحمه الله تعالى  (1290هـ _1363هـ ) وتقع المكتبة بمحلّة القشاشية في مكة المكرمة بزقاق الخردفوشي  في (دهليز) دار وقف والده رحمه الله تعالى، وقد ساهمت المكتبةُ في نشر الثقافة العلمية بمكة ، وجلْب الكتب النادرة من الخارج وبيعها، وترجمة بعض الكتب إلى اللغة الملايوية وطبعها في المطبعة الميرية بمكة، كما اعتادت المكتبةُ وضع ختمها البيضاوي على الكتب التي تبيعها ومكتوبٌ عليه ( المكتبة الفطانية بشارع القشاشية بمكة) وفي وسط الختم تأريخ إنشاء المكتبة سنة (1328) .”

المكتبة الحجازية التجارية بمكة المكرمة:

“أسّس  معالي الشيخ محمد سرور الصبان ( 1316 هـ _ 1392هـ ) رحمه الله تعالى المكتبة الحجازية التجارية في المسفلة بمكة المكرمة سنة 1344هـ، ثم انتقلت إلى آخر الشارع اليوسفي بالقشاشية، جاء في كتاب الموجز في الأدب العربي السعودي للساسي ص 82″  

وكان محمد سرور الصبان من أوائل المشتغلين بالأدب في هذه البلاد في عهدها الحديث، وهو أول من تولّى إصدار أول كتاب أدبي ، وهو أول من أسّس مكتبةً للطبع والنشر في البلاد “أي: بعد دخول المؤسس الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى  الحجاز سنة 1343هـ” كما جاء الإعلانُ عن المكتبة في جريدة أم القرى العدد (65) بتاريخ 1344/9/12هـ ص (4) “المكتبة الحجازية بمكة تبيع الكتب بكافة أنواعها، وتُقاول على الطلبات الخصوصية بشروطٍ ملائمة، وتقبل التوكيل

من أرباب المكاتِب وأدوات الصُّحف والمجلّات في العالم العربي، عنوانها: مكة، المكتبة الحجازية بالمسفلة”

مكتبات مكة المكرمة من المكتبات التي حفظت العلم والعلماء، وساهمت في إبراز النجباء كانت وماتزال صروح علم يلجأ إليها العلماء و الأدباء والفقهاء ويقف على رفوفها البلغاء والنجباء

والجهابذة فحق لها ان تقف بين المكتبات شامخة  وستبقى واجهة ومنارة ثقافية ترسم اضاءتها من أطهر بقاع الأرض إلى كل اتجاهات العالم تاريخياً وثقافياً ومعرفياً.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود