مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

جمعان الكرت* موعدنا مع هلال أول الشهر، في شِعْب الفاجع، نعقد أمرنا على مقربة من …

شرارة

منذ شهرين

39

0

جمعان الكرت*

موعدنا مع هلال أول الشهر، في شِعْب الفاجع، نعقد أمرنا على مقربة من شجرة هرمة، كنا أربعة لا نستطيع تبيان ملامح وجوهنا، يقول كبيرنا بكثير من الحزم كلامنا السابق يتسرب كماء الفلج، وغدونا أضحوكة سكان القرى، يفتضح أمرنا وينكشف سرنا، وأنتم يا قليلي الحكمة ونسوانكم السبب، “المرأة” لا تعطيها علم إلا إذا كُنت  “مرة المرة ” بعد أن أفضى بهواء انتزعه من صدره واصل ليقول: جيت بكم هنا لنتشاور ونتقاسم اليمين بألا نفشي سرنا، ولا نذعن لهن بالخبر، وضعنا أيدينا فوق بعض وشددناها بحزم، وحلفنا بأغلظ الإيمان بأن سرّنا في بير مظلمة  حتى طيور الجن لا تطّلع عليه، ضحك أحدنا عند سماعه الجن ولم نتبين أسنانه بفجواتها التي نعرفها كروبة متهدمة، الظلام حال دون ذلك، الهلال الرقيق يضيء لنفسه، رائحة كريهة انتشرت في دائرة الالتفاف، من صاحب الأسنان المتثلمة، وأردف وهو يمضغ الكلمات كأن دغبوسًا في فمه، وبنخة كمن سد على فتحتي أنفه، ايوه النسوان كاشفات سر، فاضحات خبر، لذا تعاهدنا لنحفظ السر يا النشامى، تفرقنا في خلسة الظلام وكل واحد سلك دربًا مختلفاً، إذ أن للقرى عيوناً حادة تكشف الخبايا، غير آذان النساء!

لشهر كامل ونحن نجمع الحطب اليابس الأكثر اشتعالاً، سألتني زوجتي أكثر من مرة قلت: هذا لبرد الشتاء والآخر لخبزة الحنطة المقنّاة، وتصرف سؤالها، بان الهلال بخيط أبيض مقوس من فوق هامة الجبل، كنا قد التقينا للمرة الثانية بكثير من الحماس وشرر يقدح من عيوننا بل الكلمات تتشظى حاقدة من أفواهنا، كان البادئ وهو  المخطط الأكبر سنًا يقول: يا الربع خير الانتقام عاجله، تدافعنا كالذئاب المسعورة نهمهم أثناء جرينا في انحدار ليكون يباس الحطب محفوفا بالقرية الموعودة من كل أرجائها والتي وقتها كانت في هدوء مريب عدا أصوات حادة لصراصير وجدول مائي قريب يحتك بأحجار ملساء، وليس من حس سوى نجوم تلتمع في برج السماء وهلال كخيط رفيع يرقب حدثاً ما، وأنفاس تترقب موتاً دون أن تدري، وحقد دفين ملأ أجسادنا، من يقدح شرارة الانتقام أحدنا انتزع عود ثقاب من علبة الكبريت وخدش برأسه جانب العلبة، وبسرعة خاطفة يفك الآخر غطاء جالون الجاز، ويد صلبة تدفع بالحطب قريبا من باب خشبي موصد، امتد لسان النار الحمراء ولهيبها المتوهج ودخانها المسعور نحو جذوع العرعر المسترخية الآمنة فوق أسقف المنازل، اشتعلت بيوت القرية وكنا ننظر بكثير من الامتنان حيث الانتقام حصل، كانت عجوز قد خرجت نحو الوادي لتقضي حاجتها،  وديك هرم نفض جناحيه الملونين  بعد أن شعر بخطر النار ليسقط في تينة شوكية استمر صياحه يشق سكون المكان، بقيت حكاية يلوكها أهالي القرى في الليالي الشتوية الباردة عن بطولة مزعومة وجريمة سوداء حبكت ذات ليل مظلم، بعيداً عن آذان النساء اللواتي لو عرفن ما وقعت، إلا أن كامل بيوت القرية انحرقت واسودت جدرانها ماتت العجوز بعد أن ورثت لأيام قرية محروقة، وبقي الجرم شاهداً مؤلمًا، ومساحة صغيرة قُرب شجرة هرمة، لم ينبت فيه نبات.

*كاتب من السعودية

@jomanalkarat

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود