حين يصبح الموت حياة ق.ق. مترجمة

 

حين يصبح الموتُ حياة!

بقلم شيرود أندرسون
ترجمة: محمد عبد الرؤف وفا
aboukhadijah@gmail.com

الفلاحون الذين يأتون لمدينتنا للتجارة هم جزءٌ لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ويوم السبت هو يوم مشهود لدينا. وغالبًا ما يأتي الفتية إلى المدرسة الثانوية في مدينتنا، وكذلك الأمر بالنسبة لهاتش هاتشنسون.
وبالرغم من أنَّ مزرعته التي تبعد ثلاثة أميال عن المدينة تُعدُّ مزرعة صغيرة, إلا أنها من أفضل الأماكن التي تلقى عناية واهتمامًا ملحوظًا كما يقر الجميع بذلك. كان هاتش رجلًا صغير الحجم، عابسَ الوجه دائمًا، يقيم على طريق سكراتشجرافيل الذي ينتشر على جانبه العديدُ من الأماكن الفقيرة. وهو يحرص دائمًا على طلاء منزل المزرعة. كما يطلي النصف السفلي من الأشجار في بستانه بالجير حتى جذوعها، كما يقوم بتصليح الحظائر، وتبدو حقوله دائمًا نظيفة.
عُمر هاتش يناهز السبعين عامًا. وقد بدأ حياته متأخرًا. كان أبوه الذي ورث عنه هذه المزرعة محاربًا مدنيًا، عاد لوطنه مثخنًا بجراح خطيرة. وبالرغم من أنه عاش عمرًا طويلًا بعد عودته من الحرب, لم يستطع أنْ يعمل كثيرًا. كان هاتش هو الولد الوحيد، وكان يعيش في المنزل وبدأ يعمل في المكان حتى مات أبوه. وبعد أنْ أصبح عمره خمسين عامًا تزوَّج من مُعلّمة نحيفة صغيرة الحجم في الأربعين من عمرها، وأنجب منها ولدًا… وبعد أنْ تزوَّجا ارتبطا بالأرض ارتباطًا شديدًا، حتى بدا كل منهما وكأنه جزء من الأرض، كما تكون الملابس جزءًا من بعض الأفراد أحيانًا.
كان الزوجان يكبران معًا، وبديا متشابهيْن حتى في كبرهما. كان ولدهما ويل هاتشنسان صغيرًا ولكنه كان قويًا كما يراه الجميع. جاء ليلتحق بمدرستنا الثانوية في مدينتنا، واشترك في فريق البيسبول. كان دائمًا مبتهجًا ولامعًا ويقظًا، وكنا جميعًا نحبه؛ فقد كان منذ صغره يرسم رسومًا صغيرة ولكنها جميلة. كان موهوبًا بالفعل!. رسم صورًا للأسماك والخنازير والأبقار والتي عندما كنتَ تراها تعتقد وكأنها أشخاصٌ أنت تعرفها. لم أكن أعرف من قبل أنَّ هناك أناسًا تشبه الأبقار والأحصنة والخنازير والأسماك.
عندما انتهى من الدراسة في المدرسة الثانوية, ذهب ويل إلى شيكاغو، حيث كان ابنُ خالته يعيش هناك، وأصبح طالبًا في معهد الفنون. كان هناك أيضًا زميل شابّ من مديتنا يعيش أيضًا في شيكاغو ويدرس في جامعتها. ذهب إلى هناك قبل ويل بعاميْن. كان اسمه هال وايمان. وبعد أنْ تخرَّج في الجامعة, عاد لمدينتنا وعمل وكيلًا للمدرسة الثانوية. لم يكن لهال وويل هاتشنسان أصدقاء مقربون من قبل، حيث كان هال يكبر ويل بعدة سنوات إلا أنهما اقتربا من بعضهما البعض في شيكاغو حيث كانا يشاهدان المسرحيات معًا، وكما أخبرني هال لاحقًا أنهما كانا ينخرطان في محادثات طويلة.
وأخبرني هال أنه في شيكاغو, سرعان ما أصبح ويل محبوبًا أيضًا، هناك كما كان محبوبًا وهو صغير في مدينته. كان مظهره حسنًا؛ لذا أحبَّته البنات في المدرسة، وجعلتْه استقامته محبوبًا بين أقرانه كذلك.

أخبرني هال أنَّ ويل كان يذهب كل ليلة تقريبًا إلى إحدى الحفلات، وبدأ هناك يبيع عددًا من رسوماته الرائعة ليجني منها المال. تمَّ استخدام هذه الرسوماتِ في الإعلاناتِ وحصل منها على مال وفير. حتى إنه بدأ في إرسال بعض هذه الأموال إلى أهله. عاد هال إلى القرية وبدأ يتردد إلى بيت هاتشنسان ليرى والد ويل ووالدته. كان يذهب بسيارته إليهما في الظهيرة، أو في ليالي الصيف ليتحدث معهما، وكان حديثهم يدور حول ويل باستمرار.
قال هال إنه تأثر كثيرًا عندما كان يرى الوالديْن يعقدان آمالًا عريضة على ابنيْهما، وعندما كان يتحدثان عنه كثيرًا وعن أحلامهما التي علَّقاها عليه. لم يكونا يتحدثان كثيرًا مع أهالي المدينة أو الجيران. كانا يعملان طيلة اليوم, يبدآن مع الصباح الباكر وينتهيان مع آخر المساء، وفي الليالي القمرية ليلًا. وبعد أنْ تجلب الزوجة العجوز وجبة العشاء, كانا غالبًا ما يذهبان إلى الحقول، ويعملان مرة ثانية.
في ذلك الوقت، كان هاتش العجوز يقارب السبعين عامًا، وكانت زوجته تصغُره بعشر سنواتٍ. قال هال إنه عندما كان يذهب إليهما في المزرعة يجدهما يعملان بجد وكانا يأتيان ليجلسا معه. وعندما يكونان في أحد الحقول يعملان معًا ويريانه في الطريق, يهرولان إليه.
كانت الأم العجوز صغيرة الحجم تهرول تابعة الأب الذي كان يصيح قائلًا: “وصل إلينا خطابٌ آخر، يا سيد وايمان”. وكانت الزوجة بعد ذلك تصيح مثله وأنفاسها تتقطع: “سيد وايمان, وصل إلينا خطاب آخر!”، حيث كان ويل يرسل إليهما خطابات يكتبها لهما بانتظام كلّ أسبوع.
كانا يُحضِران الخطابات ويقرآنها بصوت عالٍ. كانت الخطابات دائمًا رائعة. اعتاد ويل أنْ يرسم في خلفية الخطابات صورًا صغيرة. كانت هناك دائمًا رسوم مضحكة لأناس رآهم أو كان يجلس معهم، والعديد من السيارات المتكدسة في طريق ميتشجان في شيكاغو. كان يرسم شرطيًا يعبر الطريق، وبعض الشباب الذين كانوا يعملون في مجال اختزال الكلمات مُسرعين إلى مكاتبهم. لم يذهب أيٌّ من الوالديْن المُسنّيْن إلى المدينة أبدًا، وكانت هذه الخطابات تثير فضولهما. كانا يريدان شرحًا للصور، ووقد وصفهما هال بطفليْن يريدان معرفة أدق التفاصيل التي يستطيع هال أنْ يتذكرها عن حياة ابنهما في المدينة الكبيرة. عند زيارته لهما كان يقضيان معه الساعات يتجاذبان أطرافَ الحديث معه عن ابنهما.
كان هاتش يعيش في هذه المزرعة الصغيرة منذ أنْ كان طفلًا صغيرًا وعندما كان شابًّا. كان والده لا يستطيع العمل؛ ولذلك كان على هاتش أنْ يعمل ليدبر الأمور. إنَّ إدارة العمل في المزرعة أمرٌ يحتاج إلى جهد جهيد؛ فعليك أنْ تحارب الحشائش دائمًا، والاعتناء بحيوانات المزرعة. مَن يحلب لك الأبقار؟ استطرد هاتش قائلًا: “إنَّ فكرة أنْ يلمس أيُّ شخص غيره وغير زوجته إحدى أبقار هاتشنسان كانت تزعجه جدًا، ومادام هناك نفَس يتردد في صدره, لم يكن ليقبل أبدًا أنْ يساعده أحد في حرْث حقوله، أو جني قمحه، أو رعاية ماشيته”. كان دائمًا يفكر بهذه الطريقة حول مزرعته.
جاء هال إليّ في ليلة من ليالي الربيع بعد منتصف الليل، وأخبرني بخبر كالصاعقة. لدينا في مدينتنا عامل تشغيل التلغراف في محطة السكة الحديد، حمل إلى هال رسالة برقية. كانت الرسالة موجَّهة إلى هاتش هاتشينسان، ولكن عامل التلغراف أتى بها إلى هال. لقد مات ويل هاتشمان، بل قُتل!. اكتشفنا بعد ذلك أنه كان في إحدى الحفلات مع بعض أقرانه من الشباب وربما كانوا يحتسون الخمر. تحطَّمت السيارة وهم عائدون ولقي ويل هاتشينسون حتفه. كان العامل يريد من هال أنْ يذهب بالرسالة إلى هاتش وزوجته، وطلب هال مني أنْ أذهب برفقته إلى هناك.
عرضتُ أنْ أُحضر سياراتي، ولكن هال رفض وقال: بل دعنا نسير على الأقدام. فهمتُ أنه يريد أنْ يُطيل الوقت. ولذلك ذهبنا سيًرا على الأقدام. كان ذلك في أوائل الربيع، ولا أزال أتذكر كل لحظة من اللحظات التي سرنا فيها صامتين. أتذكر أوراق الشجر الصغيرة، والينابيع الصغيرة التي عبرناها. نظرتُ فرأيتُ وكأنَّ ضوء القمر يسري في الماء فيجعلها تنبض بالحياة. أخذنا نسير بتثاقل وكأنَّ أفواهنا قد كُمِّمت، بل إننا كرهنا المسير.
أخيرًا، وصلنا إلى هناك، وتوجه هال إلى الباب الأمامي لبيت المزرعة، في حين ظللتُ أنا على الطريق. سمعتُ كلبًا ينبح في مكان ما، وسمعتُ طفلًا يبكي في بيت ما بعيد، تخيَّلت هال بعدما وصل إلى الباب الأمامي واقفًا أمامه لمدة عشر دقائق على الأقل وهو يكره أنْ يقرع الباب.
ثم قرع الباب بالفعل، وبدت لي طرقتُه على الباب وكأنها أصدرَت صوتا مُدويًا. بدت وكأنها طلقة نارية من العيار الثقيل. جاء هاتش العجوز إلى الباب وسمعتُ هال وهو يخبره. أعرف بالطبع ما حدث. كان هال يفكر طيلة الطريق كيف يُلقي بهذه الصاعقة على كاهل الأب والأم العجوزين، ويحاول أنْ يجد طريقة تخفف عليهما هولَ الأمر، ولكن بمجرد أنْ وقف أمامهما خانته شفتاه. وجد هال نفسه بلا وعي يُخبر هاتش العجوز بما حدث، وألقى عليه الخبر كالصاعقة.
كان هذا ما حدث. لم بنبس هاتش بكلمة واحدة. فُتح الباب ووجدته واقفًا هناك تحت ضوء القمر مرتديًا ثياب النوم, كانت ثيابًا طويلة وبيضاء تبعث على الضحك. أخبره هال وسمعتُ الباب يُغلق مرة أخرى بفرقعة عالية، ووجدتُ هال يقف وحيدًا هناك.
ظل هال واقفًا هناك، ثم جاء إلى الطريق ووقف بجواري. قال: حسنًا! فرددتُ عليه بنفس الكلمة: حسنًا!. وقفنا على الطريق ننظر ونسمع. لم نسمع صوتًا من داخل البيت.
ربما نكون قد وقفنا عشر دقائق أو نصف ساعة نستمع ونشاهد ولم ندرِ ماذا نفعل – لم نستطع أنْ نبتعد عن البيت. “اعتقدت أنهما يحاولان استعادة جأشهما، فهما لا يصدقان ما قيل”, همس لي هال بذلك. وافقتُه الرأي. كان الوالدان العجوزان دائمًا يفكران في ابنهما ويل وهو يعيش ولم يتخيلاه أبدًا ميتًا. وقفنا نسمع ونشاهد… وبعد وقت طويل فجأة لمس هال ذراعي وهمس لي: “انظُر!”. رأينا شخصيْن يرتديان ثيابًا بيضاء متجهيْن من المنزل إلى الحظيرة. رأينا هاتش العجوز يحرث أرضه في هذا اليوم. انتهى من الحرث وتمشيط حقل بجوار الحظيرة.
ذهب الشخصان إلى الحظيرة ثم خرجنا منها سريعًا. ذهبا إلى الحقل. زحفتُ أنا وهال إلى ساحة المزرعة، وذهبنا نختلس النظر؛ لنرى ماذا كان يحدث ولا نراه.
رأينا شيئًا لا يصدقه عقل! رأينا الرجل العجوز يحمل في يده إصيصًا به قمح خارجًا من الحظيرة، ومع زوجته كيس من بذور القمح. رأيناهما في ضوء القمر في هذه الليلة، وبعد أنْ تلقيا الخبر وهما يزرعان القمح. كان شيئًا يقف له شَعر الرأس؛ بل بدا الأمر وكأننا كنا نحلم. كانا يرتديان ملابس النوم. أخذا يصنعان صفوفًا في الحقل تقترب منا ونحن نقف في ظلِّ الحظيرة، وفي نهاية كل صفٍّ كانا يجثيان على ركبتيْهما جنبًا إلى جنب بجوار السياج ويقفان صامتيْن لبرهة. مرَّ المشهد كله في صمت. في هذه اللحظة أدركتُ أنني لم أفهم معنى الحياة مثلما فهمتُها هذه المرة.

أيقنتُ الآن أنني فهمتُ الأمر تمامًا، بدا ذلك وكأنه صرخة انطلقتْ في صمت لتشق صدرَي العجوزين وهما يغرسان بذور القمح في الأرض، وكأنهما يدفنان الموت نفسه في باطن الأرض؛ لتنبعث منها الحياةُ مرةً أخرى!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *