الفأس

الفأس

من قصص ثورة العشرين

تأليف – جاسم محمد صالح- العراق

رسم – عزيزة عبدالله برناوي – السعودية

أغلق النجار حميد رشيد الأخرس دكانه قبل أن يحل الظلام، وعاد إلى بيته مسرعاً، وفارق محله الضيق من تعاسة المدينة التي خيم الظلام عليها، فوجود الجنود المحتلين يزيد غضبه، فهم يوجهون بنادقهم نحو المارين، وأصابعهم على الزناد، ومع كل هذا فهم يتهكمون بالناس بلغة عربية ركيكة.
حولَ الإنكليز انتفاضة الشعب العراقي على التسلط العثماني لصالحهم، وحينما امتلأت شوارع بغداد بجنودهم، راحوا يفعلون مثلما فعل العثمانيون بالناس.
هز النجار الأخرس رأسه، صحيح أنه لا يستطيع الكلام، إلا أنه كان يريد أن يقول:
لن نستغفل هذه المرة، وسيدفع الإنكليز الثمن غاليا،
ثم ضرب الأرض برجله بقوة وراح يتمتم بكلمات يريد أن يقول بها:
الويل لمن يسرق الحرية من الناس، ويطفئ المصابيح في الشوارع، ويسرق البسمة من وجوه الأطفال.
تجمع الناس ذات يوم في جامع الحيدرخانة، وكان النجار الأخرس قد سبق الجميع في الحضور، فهو منذ طفولته يحب احتفالات المولد النبوي، ففيها كثير من الأمور التي تستهويه وتعجبه.
صعد أحد الناس على منبر الجامع، وبكل حماسة راح يلقي على الناس قصيدة شعرية ألهبت حماس الجماهير.
صفق الحاضرون له تأييدا، فقد دعا في قصيدته إلى طرد الإنكليز واستقلال العراق، انتبه النجار الأخرس إليه وهو يستمع بفرح إلى أبياته فصفق مع المصفقين، وقبل أن ينزل الشاعر من مكانه أسرع إليه متخطيا جموع الحاضرين وقبله قبلتين، واحدة على خده الأيمن، والثانية على الأيسر، وراح يتمتم علنا بكلمات غير معروفة كأنه يريد أن يقول بها:
هذا هو العراقي، فلنكن كلنا مثله، ونحقق ما نريد.
عرف الناس ماذا يريد النجار الأخرس، فاضطرب المكان، وارتفعت صيحات الناس مطالبةً بالحرية وبالاستقلال وبجلاء الإنكليز عن أرض الوطن.
جن جنون الإنكليز حينما وصلت إليهم أخبار جامع الحيدرخانة، وما جرى فيه، فأرسلوا جنودهم على أرض الوطن.
عدّ أهالي بغداد عمل الإنكليز هذا تحديا لهم وامتهانا لكرامتهم وحقوقهم، فتنادوا إلى حضور اجتماع جماهيري في الجامع نفسه، بعد أن أغلقوا حاناتهم ومتاجرهم.
ازداد غضب الناس شيئا فشيئا، وهم يتجمعون في جامع الحيدرخانة لانتخاب ممثليهم الذين سيفاوضون الإنكليز في كثير من المسائل ومنها حرية الناس في التعبير والتجمع، لكن المحتلين لم يرضوا أن يحدث مثل هذا التجمع، وخافوا من تحوله إلى ثورة عارمة ضدهم، فأرسلوا على الفور قواتهم محمولة في سيارتين مصفحتين اخترقتا شارع الرشيد الذي امتلأ بالآلاف من المواطنين المتجمهرين هنا وهناك، لكن أهالي بغداد بقوا في مكانهم لا يتراجعون ولم يخيفهم الرصاص الذي انهمر عليهم بدون رحمة من بنادق المحتلين، لهذا ازداد جنون الجنود الإنكليز وهم يرون صمود الناس بوجههم رغم الرصاص الكثير الذي يطلقونه عليهم والقسوة التي يعاملونهم بها.
اشتعلت ثورة الغضب في نفس النجار حميد رشيد الأخرس، وترك مكانه عند بوابة الجامع، وأمسك فأسا بيده بقوة، فالإنكليز المحتلون لا يعرفون الرحمة، ويجب أن يوقفهم عند حدهم. قفز من مكانه إليهم، ووقف وجها لوجه أمام مصفحتهم، وبفأسه فقط راح يقاتل عشرات الجنود المسلحين بالأسلحة، وظل يقاتل ويقاتل حتى سقط شهيدا بنيرانهم، وسحقته عجلاتهم. عرف الجنود الإنكليز قوة الفأس التي شجت رؤوسهم، فنزعوا خوذهم الحديدية، وراحوا يتحسسون جراحهم التي انهمرت منها الدماء. صار ذلك الحدث عندهم درسا بليغا وتجربة قاسية لا تُنسى أبدا، شيع سكان بغداد كلهم “شهيد الوطن الأول”، وكان هناك مشاركون من كل مدينة عراقية، فهذا الرجل الذي يشيعونه أول عراقي سقط شهيدا بنيران المحتلين الإنكليز، وعند قبره أقسم المشيعون جميعا على الأخذ بثأره وعلى مواصلة الجهاد من لطرد المحتلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *