أخلاقيات الحوسبة، علم جديد أم مرحلة انتقالية؟

د. جهاد فيصل العمري*

صلاحُ أَمرِكَ لِلأَخلاقِ مَرجِعُهُ         فقَوِّمِ النَفسَ بِالأَخلاقِ تَستَقِمِ
والنفسُ مِن خَيرِها في خَيرِ عافِيَةٍ     وَالنَفسُ مِن شَرِّها في مَرتَعٍ وخِمِ

قصيدة ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ: أحمد شوقي*

في عام 2000 قبل الميلاد خطت البشرية أول خطوة – ساهمت لاحقاً – في نشأة الحاسبات والحوسبة وذلك عند بدء استخدام الأرقام الأولية (وهي الأرقام الطبيعية التي تبدأ من الرقم أعلى من 1 ولا تقبل القسمة إلا على نفسها أو على الرقم 1) حيث إن مفهوم الأرقام الأولية والحسابات الناتجة لعملياتها شكلت لاحقاً أساساً لتطوير لغات البرمجة من جهة وبرمجيات التشفير من جهة أخرى. انتظرت البشرية بعدها لألف وخمسمائة عام حتى تم اتخاذ خطوة إضافية نحو نشأة الحاسب وذلك في عام 500 قبل الميلاد عند اختراع إطار العد أو المِعْدَاد (الجمع: مَعْدَاد) والذي ساهم لاحقاً في تطوير نظام الأرقام الثنائية (الصفر والواحد) كأساس للغة الآلة التي مكنت أجهزة الحاسب من معالجة الأرقام والأحرف والرموز بلغة مفهومة لها. ثم بعد ألف عام أخرى، في عام 500 ميلادي، استخدمت البشرية الصفر والأرقام السالبة لأول مرة والذي ساهم في تطور الرياضيات في حينها وساهم لاحقاً في لغات البرمجة والمفاهيم المتعلقة بعملياتها. توالت بعدها الخطوات -رياضياً وهندسياً- نحو وضع وتطوير نظريات وتقنيات الحوسبة عبر اختراعات واكتشافات تمت على مدى القرون المتتالية يفصل عن كل خطوة بضعة عقود من الزمن. إلا أنه ومنذ السبعينات من القرن الماضي وتحديداً عام 1976 ميلادي، بدأت أهم خطوات تطوير الحوسبة في التاريخ الحديث وذلك عند اختراع شركة ” أي بي إم” جهاز “معالج الحاسب الدقيق”، وهي دائرة متكاملة دقيقة الحجم تحتوي على جميع وظائف وحدة المعالجة المركزية لجهاز الحاسب والمسؤولة عن جميع عملياته. ساهم هذا الاختراع في تصغير حجم أجهزة الحاسب من أحجام كبيرة جداً تفوق أحجام الغرف إلى أحجام صغيرة يمكن وضعها على طاولة المكتب، وبالتزامن مع هذا التطوير كان هناك تطوير لبرامج تشغيل تلك الأجهزة عبر شركات البرمجة مثل “مايكروسوفت” و “أبل”. أدى تطوير هذه المعالجات وبرمجيات التشغيل إلى وصول أجهزة الحاسب ولأول مرة إلى غير المختصين بالحوسبة وذلك بمطلع الثمانينات من القرن الماضي حيث وصلت إلى مكاتبهم وبيوتهم عبر ما سمي بأجهزة الحاسب الشخصية. تسارعت بعدها عجلة التطوير لتشمل ربط أجهزة الحاسب بشبكات سلكية وتمكن مستخدمو أجهزة الحاسب من نقل المعلومات بينهم بمسافات وسرعات متفاوتة وصلت بهم بنهاية القرن الماضي إلى ما يسمى الآن بشبكة الإنترنت. أخيرا وخلال العقدين الماضيين وباستمرار تطوير معالجات أجهزة الحاسب وتقليص حجمها وزيادة فعاليتها، وتطوير وتنوع برامج الحاسب لتشمل برامج لكافة أمور الحياة العملية والاجتماعية، وتطوير طرق نقل المعلومات عبر شبكات الحاسب لتشمل النقل اللاسلكي وبسرعات وأحجام نقل كبيرة جداً، أصبحت أجهزة الحواسب المحمولة والهواتف الذكية بجميع إمكانياتها متاحةً للبشر بمختلف أعمارهم وتعليمهم ومستوى معيشتهم المادية والاجتماعية.

هذا التطور المتسارع منذ سبعينات القرن الماضي وخلال خمسين عام أنشأ بحسب وصف الباحثين ما يسمى بالفراغ الإجرائي للتعامل مع طبيعة الحوسبة وفهم الآثار المترتبة على استخدامها في حياتنا العملية والاجتماعية، مما ولّد الحاجة لدراسة الآثار المترتبة لهذا التحول على موقفنا من المسلمات الأخلاقية مثل الصدق والأمانة والرحمة والمساواة والإيثار وكل ما يميز الأعمال الصحيحة أخلاقياً عن الأعمال غير الصحيحة تحت ما سمي بأخلاق الحوسبة. فما هي أخلاقيات الحوسبة؟
قبل أن نتحدث عن أخلاقيات الحوسبة لعلنا نبدأ أولاً بتعريف الأخلاق بشكل عام. يمكن تعريف الأخلاق على أنه دراسة الصواب والخطأ في السلوك البشري والذي يتشكل من مجموعة من النظريات التي توفر قواعد أو مبادئ عامة لاستخدامها في اتخاذ القرارات الأخلاقية والتي، وعلى عكس الحدس العادي، توفر مبررات فلسفية لتلك القواعد، كما يمكن أن تعرَف على أنها دراسة المبررات الفلسفية وراء تكوين مجموعة القيم الإنسانية وقواعد السلوك الإنساني والتي تحكمه في مسائل الصواب والخطأ. تتأثر القرارات الأخلاقية بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والدينية، من هذه العوامل الضمير والتفكير المنطقي والإيمان بالتعليمات الإلهية. يتشكل ضمير الإنسان نتيجة للحكم الذاتي ومحاسبة النفس عند عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية المحددة له أو للمجموعة المنتمي إليها، ويتم تحفيز الضمير عادة من خلال المشاعر الحسنة في داخلنا مثل الكبرياء والرحمة والتعاطف والحب والتي تدعو لفعل الصواب. بينما يوصف التفكير المنطقي بأنه عملية إدراكية بشرية تبحث عن طرق لتوليد وتأكيد موقف تجاه قضية ما، تعتمد نتيجة التفكير المنطقي على خبرة متخذ القرار وقدرته على فهم وتفسير القضية محل النقاش كما أنها تعتمد على قدرته على ترتيب الأحداث والتنبؤ بما ستؤول إليه الأمور وعلى مهارته في تحليل وتقييم تلك النتائج المتوقعة. بينما يستند الدين على المشيئة الإلهية في الحكم على الأمور، حيث إن معظم المعتقدات الدينية تشمل أو تُبنى حول فكرة المشيئة الإلهية أو الحكم الإلهي والتي تدعو للخير والرحمة والصدق والأمانة وغيرها من السلوك الأخلاقية، وتتوافق العديد من المعتقدات الدينية عادة مع قواعد السلوك الأخلاقية الحميدة بما يدعم الإيمان بأن الدين والأخلاق مرتبطان ارتباطًا وثيقًا.

بينما تعرف أخلاقيات الحوسبة على أنها عمليات تحليل طبيعة تكنولوجيا الحاسب وتأثيرها الاجتماعي وأسباب ومبررات سياسات الاستخدام الأخلاقي لهذه التكنولوجيا، والهادفة إلى فهم التصرفات البشرية المؤثرة على طريق استخدام الحاسب من جهة والمتأثرة به من جهة أخرى.
بدأ تدريس مبادئ أخلاقيات الحوسبة كجزء من مناهج تدريس الأخلاق بأقسام الفلسفة والعلوم الاجتماعية في ثمانينات القرن الماضي ولكن ظهرت بعدها وتحديدا في مطلع التسعينات عبر بعض الباحثين دعوات لتدريسه بشكل مستقل عن مناهج تدريس الأخلاق العامة بحجة خصوصية المواضيع المطروحة للنقاش في نطاق أخلاقيات الحوسبة والمتعلقة بدور تقنية الحوسبة في خلق القضايا الاجتماعية والأخلاقية والقانونية التي تواجه صناع و مدراء ومستخدمين الحوسبة كقضايا حقوق الملكية الفكرية وقضايا خصوصية وأمن الأفراد والمساواة والتمكين و مكافحة الجرائم الإلكترونية.
أوصى الباحثون بقضايا أخلاقيات الحوسبة أن يتم زرع مبادئها بشكل تدريجي تصاعدي بجميع مراحل الدراسة المدرسية والجامعية وببيئة العمل عبر محاضرات وورش عمل دورية لجميع موظفي الشركات والمؤسسات. في المدرسة الابتدائية على سبيل المثال و عند تعريف الطلاب بتكنولوجيا المعلومات، ينبغي إخبارهم
بوجوب احترام عمل الآخرين وممتلكاتهم وعدم استخدام التقنية لتدمير ممتلكاتهم أو إيذائهم. كما ينبغي تنبيه الأطفال بعدم زيارة بعض صفحات الانترنت لتجنب التورط في المشاكل. بينما نرفع درجة الوعي لطلاب الثانوية عبر الشرح لهم لماذا لا يستطيعون إنشاء وتوزيع الفيروسات، أو تنزيل المواد المحمية بحقوق الملكية الفكرية. أما في المرحلة الجامعية وببيئة العمل تصبح الرسالة مباشرة ويتم مناقشة قضايا محددة مثل اختراق الخصوصية وانتهاك الملكية الفكرية والتنمر والتفرقة العنصرية والتحرش وغيرها من القضايا بمنظور تقني ومنطق فلسفي. ويبقى السؤال هل أخلاقيات الحوسبة تأسيس لعلم جديد أم أنها مرحلة انتقالية تندمج بعدها أخلاقيات الحوسبة لتشكل جزءًا من علم الأخلاق؟ في المقالات القادمة، وللسعي للإجابة على هذا السؤال، سنستعرض بعض القضايا الأخلاقية الناتجة عن استخدام الحوسبة بمنظور تقني وبمنطق فلسفي فإلى لقاء آخر ودمتم بخير.

كاتب سعودي*
حساب تويتر: GH574_1

المراجع:
• Iqbal, Juneed & Beigh, Bilal. (2017). Computer Ethics from Obscure to Ubiquitous. International Journal of Advanced Research in Computer Science. 8.
• Parker, D.B., 1983. Fighting computer crime (pp. 108-188). New York, NY: Scribner.
• Kizza, Joseph Migga. “Ethical and social issues in the information age.” (2013). Springerf
• Duqueenoy, P, Jones, S, and Biundell, B (2008), Ethical, Legal and Professional Issues in Computing, earson
• Himma, Ken &Tavani, Herman (eds.) (2008): Handbook of Computer and Information Ethics. Wiley.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *