من محراب الحب

عبير نادر*

ألم يخلّد الحبّ عنترة؟ ألم يجعل فارس بني عبس الأسود فارساً في عقول النساء وقلوبهن. ذلك الشاعر الفارس الذي قاتل الكماة وطاعن الشجعان لكنه استسلم في محراب قلبه باسطاً مشاعره ومعاناته في حبّه لعبلة، متشبّثاّ في حبل هذا الحبّ، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من ذكر عبلة، حتى وهو يطاعن في ساحة المعركة يرى في لمعان السيوف ابتسامة عبلة، ولربما قاتل بشراسة ليبقى الفارس الذي لا يضاهيه فارس في عين عبلة، وربما تمسك بالحياة ليبقى بقرب عبلة رغم بعده عنها.
تعد قصّة عنترة وعبلة قصة الحب الأقدم تاريخيا بين الأدباء والتي شاع صيتها كثيرًا، وبالغ بها الرواة ولا سيما حين كانت تروى في المقاهي الشعبية في القرون الماضية. فمن هو عنترة؟
عنترة بن شداد العبسي (525-608م) هو أحد شعراء العرب في فترة ما قبل الإسلام، اشتهر بشعر الفروسية وله معلقة مشهورة، وهو أشهر فرسان العرب وأشعرهم وشاعر المعلقات والمعروف بشعره الجميل وغزله العفيف بعبلة.
اختلف الأقدمون بأيهما كان يدعى بعنتر أم بعنترة، واختلفوا أيضا في كونه اسما أو لقبا. وكان عنترة يلقب بالفلحاء -من الفلح- أي شق في شفته السفلى، وكان يكنى بأبي الفوارس لفروسيته، ويكنى بأبي المعايش وأبي أوفى وأبي المغلس لجرأته في الغلس أو لسواده الذي هو كالغلس، وقد ورث ذاك السواد من أمه زبيبة، إذ كانت أمه حبشية وبسبب هذا السواد الكثيف عدّه القدماء من أغرب العرب.
أحب عنترة ابنة عمه عبلة بنت مالك أعظم حب، وقد كانت من أجمل نساء قومها وأبعدهم صيتا في اكتمال العقل ونضرة الصبا، وتشهد رمال الصحراء وصخورها قصة هذين العاشقين اللذين تعلقا ببعضهما البعض منذ الطفولة، وفي السعودية في منطقة الجواء صورة لصخرة يقال بأن عنترة كان يقابل محبوبته عبلة عندها.
ولطالما وقف الناس في وجه الحب ولا سيما الأهل، ويقال إنه كان من أقسى ما يعيق هذا الحب تكبر أبيها مالك وأنفة أخيها عمرو.
وكحلم أي عاشقين بالارتباط المقدّس تقدم عنترة إلى عمه مالك يخطب ابنته عبلة، ولكن عمّه رفض أن يزوج ابنته من رجل أسود رغم أنه ابن أخيه، فقد وقف لون عنترة عائقا أمام تحقيق أمله، وكأن العشق يميز بين الألوان والأقوام والقوميات.
ويقال أنه طلب منه تعجيزًا له، وسدًا للسبل في وجهه ألف ناقة من نوق النعمان المعروفة بالعصافير مهرًا لابنته، لكن كما قال أبو فراس الحمداني: (من يطلب الحسناء لم يغلها المهر) فلم يقف طلب عمه عائقا في تحقيق حلمه، بل استل سيفه البتار، وراح يسعى جاهداً من أجل أن يحضر مهر معشوقته عبلة، ويظفر بها ويتزوجها فهي مصدر سعادته وكل أمله في الحياة.
ويقال إن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان حتى يظفر بعبلة، وإنه لقي في سبيلها أهوالا جساما، ووقع في الأسر، ثم تحقق حلمه في النهاية وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة ألفا من عصافير الملك النعمان؛ لكن عمه الذي لا يريد لهذا الحب أن يبصر النور، والذي لم يكن يصدق بأن عنترة قادر على إحضار المهر الكبير الذي طلبه، عاد يماطله بكل السبل ليبعده عن ابنته وكأنه يستمتع بتعذيب هذين العاشقين، ثم فكر في أن يتخلص منه، فعرض ابنته على فرسان القبائل على أن يكون المهر رأس عنترة.
لكن عنترة ذلك الفارس الشجاع لم يتوان في الدفاع عن حبه، وهو الذي لا يجرؤ فارس على منازلته، فكان من المستحيل على أي فارس أن يأتي برأس عنترة، فظل عنترة يقاسي الحب حتى صرعه رغم قدرته على صرع أقوى الرجال، وكأنه من الغريب أن يحمل ذلك الفارس المغوار كل هذا الحب والرقة في قلبه، والذي كان دافعا في كتابة أروع الأشعار. فهو لا ينسى عبلة ولو كان في قلب المعركة يقاتل بسيفه، بل إن لمعان السيوف تذكره بابتسامات عبلة، وفي ذلك يقول:

ولقد ذكرتك والرّماح نواهل منّي          وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السّيوف لأنّها                 لمعت كبارق ثغرك المتبسّم
أما نهاية هذا الحب العظيم فلم تستقر عليه المصادر القديمة وتركت الباحثين يختلفون حولها، فمنهم من يرى أن عنترة فاز بعبلة وتزوجها، ومنهم من يرى أنه لم يتزوجها، وإنما ظفر بها فارس آخر من فرسان العرب.
وقد سكتت المصادر عن ذكر عبلة إلا في مجال تشبيب عنترة بها وحبه لها، فلم تنوّه إذا كان قد تزوّج بها أم بقي حبّه معلقّاَ.
ذهب البعض إلى القول بأن عنترة لم يتزوّج عبلة، بل تبتّل في حبّها، وإنّ أباها وأخاها منعاه زواجها، وإنّها زوّجت أحد أشراف قومها على رغم عنترة، وقد قاس أصحاب هذا الرأي قولهم هذا قياسا على عادة العرب من منعها بناتها أن يتزوجن ممن يشبب بهنّ قبل الزواج.
ويميل البعض الآخر إلى الرأي القائل إن عنترة تزوج عبلة لعوامل وأسباب، منها أنه التحق بنسب أبيه فزالت عنه هجنة النسب وأصبح ابن عم لعبلة، وإنه كان من أشهر فرسان قبيلة بني عبس بل فرسان العرب.

ونلاحظ أن الغزل احتل مكانة مرموقة في شعر عنترة وهو يكاد يمزج كل أغراضه بالغزل كالفخر مثلا، فقد كانت عبلة ملهمته دائما فها هو يقول في معلقته الشهيرة:

هل غادر الشّعراء من متردّم         أم هل عرفت الدّار بعد توهّم
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي            وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
وتحلّ عبلة بالجواء وأهلنا             بالحَزن فالصّمّانِ فالمتثلّم
حُيّيتِ من عهدٍ تقادم عهده            أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
هلّا سألت الخيل يابنة مالك          إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني        أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم

وطال عمر عنترة حتى ضعف جسمه وعجز عن شن الغارات، ومات جسد عنترة قبيل البعثة لكنّ روحه لم تمت، فخلّدها بأعماله وأشعاره التي مازالت تروي بطولاته وهيامه بعبلة، ولاشكّ بأنّ عنترة قد لبس فيما بعد شخصية البطل الأسطوري بسبب ما يروى عن شجاعته وبطولاته فأصبح من أهم أبطال السير الشعبية عبر التاريخ.

كاتبة من سوريا*

حساب الفيس بوك: rohana.nader

One thought on “من محراب الحب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *