حلم شاعر عربي، قراءة في قصيدة “مالم يقله محمد الدرة” للشاعر عبد الله الذهلي

بقلم: د. مصطفى الضبع*

عبد الله الذهلي شاعر عماني موهوب، في ركام القصائد قدمت قصيدته نفسها في هدوء يليق بها، وفي ثقة لا تفتقدها الكلمات والصور لتشكل نصًا يليق بنا أن نعايشه من داخله، من تفاصيله التي يصعب تجاوزها أو مخالفة طريقها وصولًا إلى حالة شعرية تقف بنا على أعتاب حلمه العربي الذي ما إن نكاشفه حتى نكتشف أنه حلمنا جميعا، وحلم كل عربي يطمح لمستقبل يليق بوطن عربي كبير قيمة ومعنى.

في قصيدته ” مالم يقله محمد الدرة” ([1]) يستعير الشاعر صوت العروبة أو صوت الشاعر العربي القادر على استثمار طاقة الحلم، ويستعير صوت التاريخ عبر صوت محمد الدرة الذي أصبح أيقونة للمقاومة، وعلامة من علامات القضية الفلسطينية ذات المرجعية التاريخية والعربية والإنسانية.

منذ العتبة الأولى للقصيدة يدرج الشاعر علامته النصية الأولى “محمد الدرة ” واضعًا متلقيه في واحد من موقفين:

  • موضع العارف للشخصية، شخصية الدرة في سياقها التاريخي المندرج بدوره في سياق التجربة العربية الحديثة.
  • موضع غير العارف للشخصية وسياقها وكينونتها.

في الموقف الأول يؤسس المتلقي تصوّره على معرفته السابقة، وهو ما يعني أن المعرفة تستقطب صاحبها لتوجهه إلى منطقة محددة، جغرافيًا (فلسطين)، تاريخيًا (العصر الحديث)، إنسانيًا (محمد الدرة)، سياسيًا (القضية الفلسطينية)، وهو ما يعني كون المعرفة تلعب دورها المؤثر في سياق النص بداية، كما تؤطر منطقة الانطلاق للتأويل النصي.

في الموقف الثاني يكون على المتلقي أن يبدأ من منطقة سابقة، منطقة عدم المعرفة وهو ما يستلزم العمل على المعرفة أولا انطلاقا إلى منطقة التأويل التي يصلها المتلقي العارف مبكرًا عبر معرفته السابقة.

يستهل الشاعر قصيدته بمشهد نصي طويل يؤسس فيه للعلامات الأولى لتشكيل نصه، ومنح متلقيه الفضاء الأول للحركة تجاه إنتاج الدلالة:

‏”مــن آخــر الـدمـع حـتـى أوّل الـسُحُبِ
وبُحّةُ الـــــ (وااا صلاح الدين) في الكتــبِ

‏مــــن نــغـمـةٍ فـي ســـلام الله ألّـفـهـا
نـــايُ الحمام الـمُوشِّي وجـنـةَ الـقُـبَبِ

‏مــن طـفـلةٍ تـقـضم الآمـال ذات خـوى
في لُـجّـة الـخـيمة الـظـلماء بـالـسَغَبِ

‏من زهـرةٍ جـفّ عـنها الـنيلُ فانكمشت
من كـوكبٍ لـيس يـحيى الـنور، للشُهُبِ

‏تـقول سـيناء (يــا أقـصاي) وانـتفضت
رمــالهـا فــارتــوى الــمـاضـون باللهبِ”

مبتدئًا من مجموعة علامات تؤدي وظائفها التاريخية (صلاح الدين) والجغرافية (النيل – سيناء – الأقصى) بما تحمله هذه العلامات من دلالات منتجًا صورة كلية قوامها: اللون (الخيمة – الزهرة – النور – الشهب – اللهب)، الحركة (الأفعال المتعددة منتجة الحركة في سياق المشهد)، الصوت (البحة – النغمة – القول وغيرها من الأفعال منتجة الحركة التي ينتج عنها صوت)، لتتحقق صورة كلية من شأنها إدخال المتلقي إلى سياق المشهد الكلي المرسوم بعناية عبر القصيدة، حيث الانطلاق من صلاح الدين بكل ما يعنيه من معان يتطلبها التشكيل الدلالي للقصيدة.

يضاف إلى ذلك تلك الحركة السردية المؤسسة لانطلاق سردية النص بكامله عبر طرح نظامها السردي في دلالته المؤسسة على عناصره الأساسية: الشخصية (صلاح الدين- طفلة بوصفهما ممثلين لنوعي البشرية: ذكر – أنثى)، المكان (سيناء – النيل) الحدث (مجموعة الأحداث المنقسمة إلى نوعين: حاضر جزئي (الأفعال الدالة على الأحداث)، مؤجل كلي (ما يمهد المشهد له ليتحقق لاحقا)، وهو ما يحقق السردية في دلالتها على الإحكام ويمهد للأحداث الكبرى في سياق التجربة العربية.

يوظف الشاعر مجموعة من العلامات المحددة بحرف الجر(من)+ العلامات الموصوفة غالبًا: آخــر الـدمـع – نــغـمـةٍ -طـفـلةٍ- زهـرةٍ – كـوكبٍ، لتكون بمثابة منصات انطلاق نحو هدف محددة يضمها جميعا أو يفضي بها إلى نقطة محددة:

‏تـقول سـيناء (يــا أقـصاي) وانـتفضت رمــالهـا فــارتــوى الــمـاضـون باللهبِ” لتبرز جملة القول بوصفها الصوت الصريح الرابط بين المخاطِب والخطاب والمخَاطَب ، تفجيرا لما يتحقق تأسيسا على فعل القول، وهو ما يتكشف عبر التوالي القائم بين الأفعال: تقول – انتفضت – ارتوى ، بوصفها متوالية تحقق نظرية الفعل ورد الفعل، كما يتكشف عبر المنتج النهائي (ارتواء الماضين باللهب) من حيث هو مجاز يعيد المتلقي إلى مساحة المجاز النصي وما يحققه من أبنية دالة، فانتفاض الرمال في مجازيته يفتح بابا للتأويل القائم على تأويلات ذات طبيعة احتمالية: ركود الذات العربية، انتفاض الرمال بديلا عنها، أو كون الرمال في انتفاضها رمزا لانتفاض العربي.

وربطا بين الصورة الكلية في المقطع الأول ينتقل النص إلى مشهد يكاد يمثل نتيجة لسابقه فاتحا صورة جديدة تقوم العامات فيها بالربط بين المشاهد، فتأتي مجموعة العلامات المؤسسة للمشهد قادرة على القيام بالربط، وفي مقدمتها “يعقوب” بوصفه علامة لها مرجعيتها الدينية تشكل واحدة من أسس تاريخ سيناء والصراع التاريخي الذي كانت سيناء والقدس مسرحا له:

‏”مــا زال يـعـقوبُ تـحت الـسور مـنتظرًا
يُـلـقَى عـلـى ظـلـمة الأشـياء نـــورُ نـبي

‏وفــي ظـــلام ظــلام الـبـحر يـونـــسُ لا
يـشكو عـلى الـحوت لكن حيلةُ الـتعــبِ

‏وفــي الـمـجاز جـدار الـقــدس دَروَشَــه
حُـلـمٌ يُـحـلّق فـي أرجــــاء قـلـب صـبي”

يجمع المشهد بين ثلاث علامات أساسية: يعقوب – يونس – القدس، يطرحها النص على متلقيه تحريكا لذاكرة خاصة بالثقافة العربية، وبوصفها علامات لها حضورها في الذاكرة العربية أولا والإسلامية ثانيا تفعيلا لدورها في استنهاض الوعي العربي عبر ذاكرته، تلك الذاكرة التي يعيد إنتاجها في حلم يحلق في قلب صبي، ذلك الحلم الذي يمثل علامة أصيلة في تشكيل الدال في القصيدة، فالحلم نوع من الوعي بما كان وما يجب أن يكون مستقبلا، والشاعر يفصل بين الحقيقة السابقة، والحلم المستقبل المحفور على جدار القدس، بوصفه مجازا يعمل على توسيع مساحة الحقيقة.

وفي تشكيله يقوم المشهد على ثلاثة مشاهد فرعية يحسن الشاعر تضفيرها تحقيقا أهدافها:

  • المشهد الأول يخص يعقوب تصويرا لفعله.
  • المشهد الثاني يخص يونس بوصفه يمثل وجها آخر للحقيقة.
  • المشهد الثالث يخص القدس بوصفها جامعا بين المشهدين أولا، ولكونها رمزا للقضية ثانيا، وعلامة على الحقيقة التاريخية ثالثا.

يراهن الشاعر على قدرة المتلقي على إدراك ما وراء العلامات ومرجعياتها مستعيدا تاريخا يقوم على العقيدة وليس على أفكار البشر، وصولا إلى العلامة الفاصلة في هذا السياق، المسيح الذي يشير إلى مكانه (هنا) جاعلا منه يقينا يستنكر جلده على صليب المنافي:

‏”هـنـا الـمـسـيح، يـقـيـنٌ كـيـف تـجـلـده
عـلـى صـلـيب الـمنافي أوهـنُ الـريــبِ؟!!

‏هــنـا جـنـيـنُ هــنـا حـيـفـا هـنـا وهـنــا
كــــل الـمـنـابر حــمـراءٌ لــمـن عـتـبـي!!

وكأن التاريخ السابق يمهد لظهور المسيح في دلالته، طارحه مقترنا بمجاله الحيوي، مجموعة العلامات المكانية المشكلة لهذا المجال (جنين – حيفا )، والشاعر يكتفي بالرمز لما يريد قوله عبر استثمار علامات الترقيم بما تحمله من طاقة الدال: الاستفهام والتعجب أولا، ثم التعجب ثانيا، بكل ماتتضمنه من معنى الاستنكار والرفض.

يعود الشاعر لحصر المشهد بين علامتين دالتين، أولاهما خارجية مزيفة (كذبة الصليبي ريتشارد)، وثانيتهما تبدو ناتجا لها (ريح عابثة)، يأتي المشهد الأخير صرخة طويلة تعبيرا عما آل إليه حال العروبة، وما صارت إليه الأمور التي لا سكوت عليها:

‏”مـــا بــيـن كــذبـة (رتــشـردٍ) أمـامـهــم
وبـيـن ريــح لـه في الـخلف تـعبث بـي

هـذي الـمنارات أوهـى الـقصف رفـعَتَها
حـتـى تـجـلّت عـلـى سـجـادتي نَـدَبـي

‏وفـي كـمان الـمآسي الـلحنُ أعـتق مـن
صــوت الـعصافير فـي بـاكورةِ الـحِقَبِ

‏تـمـضـي خــنـاسُ عـلـى آثـارهـا زُمَــــرٌ
كــلُّ الـحـكايات تـمـحو ســورة الـعجبِ

‏عــلـى صـعـيـد غــيـاب الـداخـلين أذىً
لـلانـهـايات أوحـــى الـبـيـت لـــم أَغِــبِ

‏تـصـيـح يــافـا وفـــي كـنـعـان ذاكــــرةٌ
تــــروي بــــأنّ بــنـات الــشـام لـلـعـربِ

‏وفــي نـخـيلي الـتي فـي ظِـلِّها اتـكئت
أُمُّ الـبـطـولات أوحــى الله مــن رُطـبـي”

يوظف الشاعر طاقة المجاز عبر الاستعارة في صياح يافا تشخيصا، وفي تضمينها معنى المجاز المرسل كونها ترتبط بالبشر في علاقة محلية (أطلق المحل وأراد الحال فيه) مستهدفا تحقيق قدر من الوعي لما سيأتي لاحقا، مكررا العلامة المكانية (هنا) واضعا متلقيه داخل حيز الوعي معتمدا للمرة الأولى سين الاستقبال في دلالتها على المستقبل، مطلقا صرخته الأخيرة في تعبيرها عن حلمه للمستقبل:

‏”هـــنــا ســيـكـبـر أبــنـائـي وتـخـبـرهـم
زيــتـونـة كــيــف ربّــتـهـا دمـــاءُ أبـــي

‏ويـعـصـر الـغـيـم بـعـد الـمـحل روضـتَـه
لـتـبصروا مــا أســر الله فــي الـحُــجُبِ”

جامعا بين المستقبل المعتمد على التاريخ موظفا الزيتونة بوصفها شاهدا على التاريخ وعلامة ثقافية على فلسطين، وفاتحا المعنى لإدراك ما سيأتي بوصفه حدثا يسره الله في الحجب.

يجمع الشاعر بين مجموعة من العلامات الشعرية أو تلك التي يوظفها شعريا لخدمة نصه منتجا مجموعة من الدلالات المؤسسة على هذه العلامات بوصفها منتجة سابقا على النص: صلاح الدينالـنيلُسـيناءأقـصاييـونـــسُالـحوتالـقــدسالـمـسـيحجـنـيـنُحـيـفـارتــشـردٍيــافـا  – كـنـعـان، مشكلا منها تفاصيل الخطاب المبثوث عبر شخصية أيقونية (محمد الدرة) مستثمرا طاقة الخيال لتحويل الخطاب من كونه مجرد حلم إلى كونه حقيقة ماثلة لم تنطلق من فراغ وإنما تنطلق من حدث تاريخي شاهد على ماكان، ويكون علينا قراءته لإدراك المستقبل، حيث الحجب المقترنة بالتبصر لا مجال للوقوف على متضمناتها إلى بالوعي بالتاريخ وأحداث العصر وفق رؤية عصرية تكشف عن حلم الشاعر بوصفه حلم العروبة عبر تطلعها لحياة أفضل، فإذا كان الدّرة رمزًا للمقاومة فالشاعر رمز للعروبة لا ينفصل حلمه عن حلم أبنائها جميعهم، والشاعر يستعيد الدرة ليقدم مالم يفهمه البعض، ويفسر ماكان يجب أن يفسره الذين لم يستوعبوا الخطاب عبر الحدث فيكون عليهم فهمه عبر القول.  

هوامش وإشارات

[1]https://fargad.sa/?p=25920

*أستاذ البلاغة والنقد – كلية الآداب، جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

@eldab32
https://www.facebook.com/profile.php?id=100002926924943

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *