مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شاعرنا هو شرف الدين، أبو المحاسن محمد بن نصر، المشهور بابن عُنين الأنصاري الدمشق …

قصائد نادرة (8) ابن عُنين يمدح الأشرف

منذ 10 أشهر

491

0

شاعرنا هو شرف الدين، أبو المحاسن محمد بن نصر، المشهور بابن عُنين الأنصاري الدمشقي. ولد في دمشق في سنة 549هـ . ابتدأ قول الشعر وهو ابن ست عشرة سنة، وما إن اشتد عوده حتى بدأ يغمز الدولة والقائمين عليها من قواد وقضاة، كما يغمز علماء دمشق ورؤساءها وأعيانها، ولقد بلغت به الجرأة مبلغا بعيدا حتى تعرض لصلاح الدين الأيوبي، فكان جزاؤه النفي، فخسر من عمره عشرين عاما متنقلا بين الجزيرة وأذربيجان وخراسان وخوارزم وبخارى وغزنة، ثم الهند ومنها لليمن والحجاز ومصر، ولم يهدأ له بال حتى عاد إلى دمشق  بعد أن استرضى الملك العادل فسمح له بالعودة.

أخذ بعد استقراره في دمشق بمدح ملوك بني أيوب وأمراء الدولة تكسبا، ولم يتخلَّ عنهم حتى بعد أن طعن في السن، وترك خدمتهم. والقصيدة التي بين أيدينا يمدح فيها الملك الأشرف ملتمسا نواله.

استهل قصيدته الطويلة بأبيات غزلية بدأها بصدود محبوبه عنه، بسبب تصديق الوشاة، وكأنه بهذا يشير إلى ما بدا من ممدوحه. العتاب جميل بين المحبين فهو كما قيل صابون القلوب، لكن محبوب شاعرنا اتخذ العتاب حجة للصدود والبعاد. ولم يعد يملك شاعرنا أمام صدود حبيبه إلا التصبر، لكن الحبيب الذي يبحث عن سبب للنفور فسَّر هذا السلوك بأن محبه قد ملَّه، ولذلك يندفع الشاعر ليعرب عن استحالة أن ينساه مهما فعل به:

جعل العتاب إلى الصدود توصلا     ريمٌ رمى فأصاب مني المقتلا

أغــراه بــي واشٍ تقــوَّل كــاذبــاً     فأطاعه وعصــيت فيه العُــذَّلا

ورأى اصطباري عن هواه فظنَّهُ     مَلَــلاً .. وكان تقيَّــة وتجمُّـــلا

هيهات أن يمحـو هواه الدهر مِنْ      قلبي، ولو كانت قطيعتــه قِلى

ثم انتقل إلى وصف محبوبه مبتدئا بالوجه والثنايا والبنان، إلى الحواجب التي تشبه الأقواس القاتلة، فيقول:

ما أرسلت قوسُ الحواجب أسهماً     من لحظه إلا أصــابت مقتلا

فكــأن طُرَّتَــه وضــوءَ جبيــنــه      وضح الصباح يُقِلُّ ليلاً ألْيلا

ويتذكر إحدى جلسات الصفاء، حين تعاطيا كؤوس الصهباء، ويصف الكأس ذات الحبب الذي كأنه اللؤلؤ. ولا ينسى أنامل الساقي التي أحالها التصاقها بالكأس إلى أعواد صندل:

عاطيته صهباء كلَّلَ كأسَها     حُبَبُ المزاج بلؤلؤ ما فُصِّلا

تبدو بِكَفِّ مديرِها أنوارُها     فتعيــد كافورَ الأنامل صندلا

ثم يصف الروضة التي تم فيها اللقاء. روضة ارتوت بما جادت به السحب حتى أصبح الماء متدفقا في جوانبها، وصارت مرتعا للطيور التي يشبه شدوها عزف القيان. وتعطرت الأجواء بعبير الورود والزهور، فما إن يمر بها النسيم حتى يشعر المرء كأن عطارا يحرق بخورا. ولا ينسى ممدوحه؛ الملك الأشرف موسى، فيجعل ما أصاب الروضة العاطرة إنما كان نتيجة لنَداه:

في روضــة بالنيريـن أريضـة     رضعت أفاويق السحائب حُفَّلا

أنى اتجهتَ رأيتَ مــاءً سائحاً      متدفـقــاً .. أو يانعــا متــهــدلا

فكأنمــا أطيــارُها وغصــونها     نَغَمُ القيــان على عرائس تُجتلى

ويمرُّ معتل النســيم بروضـها      فتخــالُ عطــاراً يُحــرِّق مندلا

فكأنها استسقت على ظمأٍ ندى     موسـى فأرسـل عارضاً متهدلا

بعد هذه المقدمة الغزلية، ووصف مجلس اللهو في الروضة الندية، ينتقل بنا إلى ممدوحه، ويمهد لذلك بحوار جرى بينه وبين لائمة له على إسرافه، وهو أسلوب معروف لدى كثير من الشعراء العرب الذين يجعلون من زوجاتهم وسائل مثبطة عن الكرم الذي يصل إلى حد السرف، ويطمئنونهن إلى أنه لا خوف من الفقر ما دام الممدوح قريب المزار. ومما يؤكد تقليدية الأسلوب أن ابن عنين عاش عزبا، فأنى له بخليلة تعاتبه؟!:

ولــرُبَّ لائـمــة عــلــيَّ حريصــة     باتت وقد جمعت علي العُـذَّلا

قالت أما تخشـى الزمــان وصرفه    وتُقِلُّ من إتلاف مالك قلت: لا

أأخاف من فقرٍ وجُودُ الأشرفِ الســـــلطانِ في الآفاق قـد ملأ الملا

الواهـبِ الأمصــار محتقــراً لهــا     إنْ غيرُه وَهَبَ الهَجانَ البُزَّلا

مــا زار مَغــنــاه فقــیــرٌ ســائــل     فيعودُ حتــى يُستماح ويُسـألا

إنه يشير إلى أن كرم ممدوحه الذي لا حدود له، وهو أسلوب يستهدف إحراجه حتى لا يتوانى عن إجزال العطاء له. وبواصل العزف على هذه النغمة، ويضيف إليه صفات التقى والعدل ونصرة الدين وجهاد الفرنجة، فيقول:

يــا أيــهــا المــلــك الـذي إنعــامُــه       لم يُبقِ في الدنيا فقيــراً مرملا

لــقــد اتـقـيــتَ اللـــه حـقَّ تـقــاتِــه       وعدلت حتـى لم تجــد متظلماً

ورفــعــت للديــن الحنيــف منــارَهُ       ونهجت للناس الطريق الأمثلا

لولاك لانفصمت عرى الإسلام في        مصرٍ وأُخمــل ذكــره وتبــدلا

وتحكمــت فيــها الفرنج وغــادرت       أعلاجُها محرابَ عمرٍو هيكلا

 

* كاتب سعودي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود