مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. عصام عسيري خطت السريالية مراحل بعيدة، وتوسّعت في قرن من الزمان لتمتد إلى وطنن …

ثورة مؤيد محسن

منذ 9 أشهر

98

0

د. عصام عسيري

خطت السريالية مراحل بعيدة، وتوسّعت في قرن من الزمان لتمتد إلى وطننا العربي، فأصبح لهذا الاتجاه الفني والحراك الإبداعي الجمالي روّادا للفكر فوق الواقعي. في العراق برز الفنان التشكيلي الأستاذ مؤيد محسن كونه أحد أهم رموز الفن السريالي المعاصرين من خلال إنتاجه الإبداعي الذي أضاف لتاريخ السريالية تجارب إبداعية مبهرة بصريًا، يستمد مواضيعها وأشكالها ورموزها وجميع مفرداتها من واقعه العراقي، فلقد عاش آخر أربعة عقود من عمره منذ الطفولة والمراهقة والشباب وحتى أثناء دراسته للفن على يد أهم فناني العراق، مر خلالها بأحداث أقرب للجنون والفنتازيّة أكثر من المنطق والعقل والطبيعي والواقع، عاصر الحروب والحصار وشاهد الدمار الذي ضرب أبعادًا كثيرة وشمل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وامتد حتى ضرب الحالات الفكرية والحركات الفنية، هلاوس وتخاريف لا منطقيات آذته نفسيًا وجسديًا، أخذ تلك التناقضات مفرداتٍ موضوعية وصاغها في قوالب بصرية، أبدع لحد البراعة في معالجتها تشكيليًا في أعمال تفوّق فيها على هلاوس سلفادور دالي، ولوحات رينيه ماغريتي، وأشعار أندريه بريتون في تركيزه على سلبيات الأحوال التي لاحظها تجمع الجهل بالمعرفة والفقر بالثراء والبؤس مع الفُحش وكل ما هو غير عادي ومتناقض في الحياة، المشاهد والمناظر والتفاعلات والأحداث لكسر هذا الملل وقتل النمطية وضرب الروتينية.

يرفض مؤيد محسن بعقلانيته هذه التناقضات اللامنطقية في الوعي، فرجع إلى خياله ليبحث داخل مخزونه اللاواعي أو عقله الباطن ما يستوعب ويعالج هذه الحالات الهستيرية في الواقع السياسي داخل العراق والوطن العربي والعالم كلًا، ما جعله يبدع أعمالًا كأنها أسحار ثوريّة وأفكار تمردية وممارسات تدميرية، معتمدًا فيها على ذاته فقط بلا جماعات أو مؤيدين لهذا الرفض وحالة التمرد على الأوضاع المتضاربة والأحوال المتناقضةً رغم كل أشكال الحصار الذي مر به العراق وفتك بالعراقيين وبقية شعوب العالم، تُحرّر لوحات مؤيد محسن هذه القيود بكسر كل ما هو منطقي وضرب القواعد ورفض كل ما يتصل بالعقل والذهاب لما هو غير متوقع.

تشير أعماله إلى عمليات تفكير حرّة بمعنى الكلمة لا تتسلسل فيها للأفكار النمطية، حتى لا يعرف المشاهد والمتابع لأعماله ما ستؤول إليه هذه الخبرة، أفكارٌ غرائبية لا منطقيّة يتشعب في غوصه داخل عوالم عقله الباطن مع الأحداث الجسام التي مر بها العراق، يترك لكل التصوّرات الحرة السابحة في بحور الخيال وعوالم الأحلام، فيحوّل تلك الأفكار والتصورات والمفاهيم فوق الواقعية إلى واقع ملموس محسوس مُبصر بالعين، حيث لا منطق ولا آيدولوجيا ولا سلطويّة هي التي تجمع وتناقش وتعالج تلك التناقضات في منظومة بصرية، حتى لو كانت بأساليب سخرية واستهزاء تدهش الحس وتبهر الشعور بطرق كوميدية، كما نرى في لوحة لاعب السلة الذي يرمي كرته داخل هدفه في منحوتات عراقية تاريخية على أرضية ملعب أثري مدمّر كليًا، جمع فيها المألوف وغير المألوف الحاضر بالماضي ليهجو به الأوضاع المزرية التي يعاني منها ويثور عليها لأنها عبثت بتراثه وتاريخه العريق ليؤثر بلوحاته على الجماهير.

أخرج مؤيد محسن أفكار السريالية من مكاتب الفلاسفة وقاعات الأكاديميين وأستوديوهات الفنانين لغةً يخاطب بها عامة المشاهدين، هذا الرفض والتمرّد الممنهج مدّده ووسّعه ووصّل العقول الواعية بالعقول اللاواعية عبر الرؤى والتجارب والممارسات الفعلية حتى وضعها على جدران الصالات الفنية لتواجه عيون وعقول ونفوس وأرواح المتلقين فتحاورهم بصريًا وتتثاقف معهم إنسانيًاً، تجاربه الفنية عملية اختراق ثقافي للحياة العامة بلا سلطويّة، حتى ترك للحضارة الإنسانية إرثًا فنيًا حرّر فيه القيود وكسر فيه الحصار، ورفض وتمرّد وثار على كل سلطة تحدّه في التفكير وتسيّره في العمل وتلزمه بأخلاق ملعوب فيها، بسبب تلك الهلاوس والهستيريا السياسية التي عاشها يومًا بيوم، وآذته وجدانيًا وفكريًا أكثر مما آذت الحربين العالميتين الأولى والثانية فناني أوروبا بما فيهم السرياليين على مستوى العالم.

أثبت مؤيد محسن أن تأثير الفن ليس بالكم وإنما بالنوع، وليس بالمحلية وإنما بالعالمية، وليس بالمعاصرة فهي كل الجوانب التاريخية في اللوحة الواحدة التي يبدعها سردية أفكار عبثية ثوريّة، يُنظّم فيها الفوضى اللامنطقية بطرق غرائبية، مجمل أعماله لها وقعٌ وتأثير على عدة أبعاد عند الإنسان العقل والنفس والروح، وتناقش قضايا حضارية تلامس عقولنا الواعية واللاواعية في حياتنا اليومية.

الكلمات المفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود