الأصمعي وعصر الملكية الفكرية الرقمية

د. جهاد فيصل العمري*

أَنا الأَدِيبُ الأَلمَعِي       مِن حَيِّ أَرضِ المُوصِلِ
نَظِمتُ قِطعاً زُخرِفَت    يَعجزُ عَنها الأَدبُ لِي
أَقولُ فَي مَطلَعِها          صَوتُ صَفيرِ البُلبُلِ

*قصيدة صوت صفير البلبل للأصمعي*

 تُعرَّف حقوق الملكية الفكرية بأنها: “الحقوق في نتاج النشاط الفكري في المجالات الصناعية أو العلمية أوالأدبية أوالفنية والحماية القانونية لها”، حيث تأخذ شكل منتج فكري، مثل القصائد والروايات والاختراعات وصيغ المنتجات.

الإشكالية الأخلاقية والقانونية في الحفاظ على حقوق المنتجات الفكرية، على عكس المنتجات الحسية، تكمن في أنها ليست حصرية ويمكن لعدد لا محدود استخدامها في نفس الوقت وبنفس الكفاءة دون أن يفقد مالكها الأصلي القدرة على استخدامها، على سبيل المثال إذا أخذ أحدهم سيارتك أو كتابك أو قلمك فلن يصبح تحت تصرفك طالما أنها معه بينما لو حفظ أحدهم قصيدتك أو استخدم فكرتك فلن يمنعك ذلك أن تظل قادراً على ترديد القصيدة أو تنفيذ الفكرة، وهذا ما يستخدمه منتهك الملكية الفكرية كحجة لعمله. كما إن التكلفة والجهد المرتبطين بإعادة إنتاج تلك المنتجات الفكرية يعتبران هامشيان جداً، وبمتناول يد الجميع، مما يشجع انتهاك الملكية الفكرية كبديل أسهل و أرخص ثمناً للحصول على المنتج الفكري دون دفع ثمن لصاحب الفكرة وبالثمن الذي يقرره.
هاتان الصفتان “غير الحصرية وسهولة التكرار” للمنتجات الفكرية جعلت مسألة الحفاظ على حقوق الملكية صعبة منذ الأزل، وقصة الخليفة أبي جعفر المنصور والأصمعي خير شاهد على تلك الصعوبة، وذلك عندما قيد أبو جعفر المنصور مكافأة الشاعر بشرط أن تكون القصيدة من نظمه لا من منقوله، ولأن أبا جعفر المنصور كان يحفظ القصيدة عند سماعه لها لمرة واحدة فقط وكان غلامه يحفظها عند سماعه لها لمرتين بينما كانت جاريته تحفظ القصيدة عند سماعها لثلاث مرات، فكان أبو جعر المنصور يدعي أنه يعرف قصيدة الشاعر المسكين والتي وضع فيها عصارة جهده الفكري وإمكانياته اللغوية عندما يلقيها عليه، فيكررها الخليفة للشاعر ثم يجلب الغلام الذي كان سمعها مرتين أحدهما من الشاعر والثانية من أبي جعفر المنصور ليلقيها عليهم مرة ثالثة تليه الجارية والتي حفظتها للتو عند سماعها القصيدة للمرة الثالثة، وعليه لم تكن هناك فرصة لأي شاعر أن يثبت أن القصيدة من نظمه، وضاعت حقوقهم في الملكية الفكرية لقصائدهم. حتى أتى الأصمعي بما لم يأتِ به الأولون ونظم قصيدته المشهورة، غريبة الكلمات صعبة الحفظ “صوتُ صفير البلبل”، والمنشور جزء منها أعلاه، ووضع بسببها أبا جعفر المنصور وغلامه وجاريته في حيرة من أمرهم غير قادرين على تكرار أبياتها، وانتزع بتلك القصيدة اعترافا منهم بعدم سماعهم القصيدة من قبل، مما اضطر أبا جعفر المنصور أن يجيزها كقصيدة من نظم الأصمعي وأعطاه المكافأة المخصصة للقصائد الجديدة. إن ما فعله الأصمعي، من استخدام الكلمات صعبة الحفظ داخل القصيدة، يصنف كطريقة لتشفير الإنتاج الفكري بغرض إعاقة نسخه مره أخرى على الأقل لمدة محدودة وبالتالي ضمان الحفاظ على الملكية الفكرية لقصيدته.
في عصرنا الحالي جعلت تقنيات الكمبيوتر من النسخ عالي الجودة والتوزيع الكثيف لنسخ الملكية الفكرية هذا التعدي أمرًا سهلاً ورخيصًا للغاية.

هذه التقنيات تشمل تخزين جميع أنواع المعلومات (النص والصوت والرسومات) في تنسيقات رقمية، وعلى وسائط تخزين رقمية كبيرة الحجم وغير مكلفة كما تشمل الماسحات الضوئية والتي تعمل على تبسيط وتحويل النصوص المطبوعة والصور والأعمال الفنية إلى أشكال إلكترونية رقمية، إضافة إلى تنسيقات ضغط الملفات التي تجعل ملفات الموسيقى والأفلام صغيرة بدرجة كافية للتنزيل والنسخ والتداول عبر وسائل الاتصال الإلكترونية. وتقنيات تبادل الملفات بين الافراد عبر المواقع الإلكترونية دون الحاجة لوسيط او نظام مركزي. مقابل التقدم في تقنيات النسخ والتوزيع الرقمي تطورت أيضاً وسائل تقنية لحفظ حقوق الملكية الفكرية عبر وسائل التشفير والعلامات المائية والتي تمنع الى حد ما من نسخ وتوزيع المنتجات الفكرية المحمية، لكن رغم هذا التقدم في الحماية التقنية فقد كان يقابل كل محاولة حماية محاولات عديدة لفك شفرة تلك الحماية بنفس التقنية، والتي لا تلبث أن تنجح في كسر التأمين على النسخ الأصلية للمنتج الفكري، ليعاود صناع التقنية محاولة تطوير تقنيات جديدة لحماية المنتجات الفكرية من التداول غير المصرح وهكذا دواليك.
بجانب الصراع بين تقنيات حماية الملكية الفكرية وتقنيات تجاوز هذه الحماية تم إيجاد وسائل، غير تقنية، عبر تشريع قوانين لحماية الملكية الفكرية مثل قانون حقوق الطبع والنشر. قانون حقوق الطبع والنشر يعني الحق الحصري لمنُتج العمل الفكري في نسخ وعرض وتوزيع وإعادة إنتاج وبيع عمله الفكري. يشترط في المنتج الفكري ليكون مؤهلاً لحق حماية حقوق النشر أن يكون عملاً أصلياً (جديداً) وتم إنشاؤه بواسطة مؤلفه بشكل مستقل، كما يجب أن يتجسد العمل في بعض وسائل التعبير الملموسة، على سبيل المثال ، الكتب أو اللوحات أو وسائط التخزين الرقمية.
رغم أن أشكال انتهاك الملكية الفكرية متعددة وتشمل كل صور الإنتاج الفكري إلا ان قرصنة برامج الحاسب يشكل السواد الأعظم لعمليات انتهاك الملكية الفكرية، حيث إن نسخ وتوزيع وبيع برامج الحاسب دون إذن منتجها منتشر على نطاق واسع ومنظم رغم عدم مشروعيته ومحاربته تقنياً وقانونياً، حيث قدرت قيمة البرمجيات المقرصنة بأكثر من 46 مليار دولار لعام 2019 ميلادي، يشكل ثلثها قيمة البرامج المقرصنة بدول أمريكا الشمالية وغرب أوروبا تتقدمها الولايات المتحدة الامريكية والثلثان الآخران باقي دول العالم تتقدمها الصين وروسيا والهند وأوكرانيا. يرجع سبب القرصنة بشكل أساسي للقناعات، غير الصحيحة، لمنتهكي حقوق الملكية الفكرية للبرامج الحاسب، حول سعر بيع هذه البرامج، على سبيل المثال العديد من المستهلكين لا يزال ينظر إلى أسعار البرامج على أنها “مبالغ فيها” إلى حد كبير، و أن سعر بيع البرامج لا يتناسب برأيهم مع تكاليف تطويره. وساعد على ذلك ما ذكرته سابقاً حول سهولة النسخ والتوزيع مقابل سعر الشراء النظامي.
تعتبر قضايا حقوق الملكية الفكرية في عصر الحوسبة أحد أهم المواضيع التي يوليها علم أخلاقيات الحوسبة اهتماما خاصاً حيث يعمل على ثلاثة محاور تربوية وقانونية وعملية. يعني المحور الأول بتربية وتوعية مستخدمي الحوسبة على أهمية حماية الملكية الفكرية بمكافأة المبدع صاحب الفكرة وحفظ حقوقه وتشجيعه مادياً ومعنوياً على الاستمرار في الإبداع وتشجيع الآخرين على الإبداع كوسيلة لتقدير الذات من جهة وتنمية المجتمع من جهة أخرى، تبدأ التربية من الصفوف الدراسية الأولى بتعريف الطلاب بأهمية الإبداع و ضرورة حماية المبدعين وتستمر التوعية حتى يتخرج الطالب وينظم إلى بيئة العمل فينعكس ذلك على سلوكه. بينما يهتم المحور الثاني على دعم المشرعين بتجديد فلسفة مفهوم حماية الملكية الفكرية ودور التقنية في تغيير هذه المفهوم، على سبيل المثال دور صفتي “الغير الحصرية وسهولة التكرار” للمنتجات الفكرية الرقمية والذي يستوجب تعديل قوانين الملكية الفكرية لتشمل تجريم استخدام تقنيات الحاسب في النسخ والتوزيع كوسيلة لأي قرصنة برمجيات ومنتجات فكرية أو حيازة هذه البرمجيات المقرصنة. و اخيرًا اهتم المحور الثالث بالحلول العملية لتقليل القرصنة وانتهاك الملكية الفكرية وذلك بتشجيع إنتاج “البرامج مفتوحة المصدر” والتي يسمح بل يشجع منتجوها الأخرين بنسخ هذه البرامج وتعديلها دون مقابل مادي، مع ضمان التقدير المعنوي لمنُتج البرنامج والذي يخوله تقديم استشارات مدفوعة لدي المؤسسات المستفيدة من برامجه مفتوحة المصدر. كما أن إتاحة لوغاريتمات “البرامج مفتوحة المصدر” لمستخدمي الكمبيوتر يتيح لهم إصلاح الخلل أو تطوير تحسينات تدريجية مما يوفرعملاً جماعياً لتطوير تلك البرامج.

كاتب سعودي*

حساب تويتر: GH574_1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *