مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالكريم بن محمد النملة*   وحين يشع القمر بنور الطفولة على الكون، تتعاضد غ …

همـوم

منذ شهر واحد

39

0

عبدالكريم بن محمد النملة*

 

وحين يشع القمر بنور الطفولة على الكون، تتعاضد غيوم دكناء. تتكاثف، وتتكاثف لتحجب ضوءه اللذيذ، فتظل عيون شاهقة ترقب النور الموعود.. كي تخطو على الأرض بعيون غارقة في البياض.
وكأن الضوء الرابض عند حد النافذة يأبى دخول الغرفة، حتى عصافير الصباح لم تشدو غناءها الصباحي كعادتها، فأقفرت الغرفة من ضوء لذيذ وغناء شجي كانا يمتعانه في غرفته المعتمة.
في كل مرة يستيقظ من نومه يجد الطفل الصغير ذا الشعر الأشقر الناعم والعيون الصافية بجانب مخدته، يمد له الطعام الذي أصبح به، وبعد لحظات يذهب إلى عمله وشأنه اليومي، وحين يعود مرهقاً في المساء مكللاً بشقاء ما ينوء به جسده الضئيل، فيرمي جسده على فراشه ويغط في نوم قلق متقطع. في الصباح يفتح عينيه مستذكراً ما نام به، فيجد الطفل في مكانه المعتاد بجانب مخدته، ويعمد إلى طعام أصبح به يطعم به الطفل الصغير، وكلما أسدل الليل أستاره وأسراره عادت إليه أغوال تُنشب أظفارها بين عينيه، فيجاهد نفسه للخلاص منها كي ينام ساعتين أو ثلاث ساعات قبل أن تشرق الشمس، وأحياناً يلوي أعناق الأغوال السوداء في داخله، ويرجئها إلى حين، فيسحب لحافه ويغط في نوم قلق متقطع.
أشد ما يفزعه هو سرعة نمو الطفل الأشقر القابع بجانب مخدته، وذاك التغير التدريجي في لونه؛ إذ يذهب صفاء عينيه وتخالطهما شدة قاسية مُنكرة، ثم تغير لون شعر الطفل الأشقر وبدأ يتحول نحو اللون الأسود الفاحم، أما لون وجهه الأبيض الصغير فبدأ يغمق يوماً بعد يوم، ثم بدأ شَبَه الطفل ينحو إلى ملامحه هو، فما يكاد يراه حتى كأنه يرى نفسه في المرآة.
كبر الطفل وتمددت أعضاؤه وصار بطول الرجل تقريباً، فمشى بجانبه في الطريق وفي الأسواق وفي كل مكان يطرقه الرجل، يجوع الطفل الكبير، فيلقمه الرجل بعض فتات طعام يستلها من أقصى قلبه أحياناً. كبر الطفل واسودَّ لونه ولم يعد قادراً على المشي بجانب الرجل إلا أن يتكئ على كتفه الأيسر. وهكذا سارا زمناً حتى شعر الرجل بالإنهاك والشقاء، فحمله على ظهره طوال يومه وليله، لكنه تعب وازداد شقاؤه فغارت عيناه وتخبط في مشيته من هول ما يحمل من ثقل، فلم يجد بدّاً من الجلوس في البيت مع الجسد الأسود الثقيل، فأغلق الأبواب عليهما وغابا.

 

*كاتب من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود