الحفل.. ق.ق. مترجمة

 

الحفــل
تأليف: كاثرين مانزيفيلد (1888-1923م)
ترجمة: محمد عبد الرءوف وفا

aboukhadijah@gmail.com

وأخيرا أصبح الجو معتدلًا. لم يكن هناك يوم أروع من هذا اليوم يمكنهم فيه إقامة حفلهم. كان الجو معتدلًا ولا يعطر صفوه أية رياح وكانت السماء صافية. كانت زرقة السماء يشوبها شعاع ضوئي ذهبي كما هو معتاد في بدايات الصيف. استيقظ البستاني منذ الفجر وأخذ يهذب المروج ويكنسها ويزيل الأعشاب والورود الصغيرة الداكنة المتساقطة. وبدت نباتات وزهور الربيع وكأنها تتوهج. تتفق جميع الأذواق أن الورود هي أفضل ما تزين به الحفلات حيث أنها تؤثر في الناس بشدة. كانت هناك مئات الورود وكانت الأغصان الخضراء تتدلى وكأنها ثغور باسمة.
لم ينته إعداد الطعام قبل أن يحضر الرجال الذين سوف ينصبون السرادق.
“أين تريدين السرادق يا أمي؟”
“ابنتي الغالية، لا جدوى من سؤالي. أنوي أن أترك لكم يا أبنائي كل شيء هذا العام لتقوموا به. فلتنسوا أني أمكم وعاملوني فقط كضيفة شرف.”
ولكن بالطبع لم تستطع “ميج” أن تذهب وتشرف على الرجال بنفسها. كانت قد غسلت شعرها قبل الإفطار وجلست تحتسي قهوتها وهي ترتدي قبعة وكانت هناك تجاعيد داكنة على خديها. بينما كانت “جوز” النشيطة مثل النحلة تأتي دائما في معطف حريري صغير وجاكيت فضفاض.
“عليك أن تذهبي يا “لورا” فأنت الوحيدة فينا التي تمتلك حس مرهف.”
ابتعدت لورا وكانت لا تزال تقبض بيدها على قطعة من الخبز والزبد. من الرائع أن يعثر المرء على عذر يتيح له تناول الطعام خارج المنزل. وبالإضافة إلى ذلك كانت لورا تحب ترتيب الأشياء، كانت دائما تشعر أنها يمكنها فعل ذلك بصورة أفضل من غيرها.
وقف أربعة من الرجال يرتدون قمصانًا ذات أكمام واسعة معا في ممر الحديقة. كانوا يحملون أعمدة خشبية مغطاة بلفائف من القماش وكانوا يحملون حقائب معدات كبيرة. كان منظرهم جذابًا. تمنت لورا في هذه اللحظة أنها لم تكن تحمل الخبز والزبد. ولكن لم تجد مكانًا تضعهم فيه ولم يكن بوسعها أن ترمي بهم. احمر وجهها وحاولت أن تجمد ملامحها وأن تحد من نظراتها عندما اقتربوا منها.
استعارت صوت أمها وهي تقول لهم: “صباح الخير.” ولكن راعها جدا أن صوتها بدا غريبًا فخجلت من ذلك وارتعشت كفتاة صغيرة، وقالت: “هل أتيتم…، هل جئتم من أجل السرادق؟”
“نعم، يا سيدتي” كانت هذه إجابة أطول رجل فيهم، كان رجلا نحيلا ذو نمش في وجهه، رفع حقيبة أدواته ودق بيده على قبعته المصنوعة من القش وابتسم وهو ينظر إليها ويقول: “جئنا من أجل السرادق.”
كانت ابتسامته بسيطة تحمل معاني الود. كان له عينين صغيرتين حسناوين ولكنهما كانتا زرقاوان تمامًا! بدأت لورا تنظر إلى الآخرين فوجدت أنهم يبتسمون لها أيضا. بدت ابتسامتهم وكأنها تقول لها: “ابتهجي فلن نعضك.” يالهم من عمال رائعين! وياله من صباح جميل! عليها أن تتذكر هذا الصباح … لا … يجب أن تكون عملية وتتذكر السرادق.
“حسنا، ماذا عن زهور السوسن؟ هل سيكون هذا مناسب؟”
وأشارت إلى زهور السوسن باليد التي كانت لا تحمل الخبز والزبد. اتجهت أبصارهم إلى الناحية التي تشير إليها. مط شاب صغير شفتيه بينما عبس زميله الطويل.
“لا أعتقد أنها ستكون رائعة وليست ذات ذوق عال. تعرفين، في شيء كالسرادق … …” لم تكمل جملتها، والتفت الرجل إلى لورا وقال: “عليك أن تضعينها في مكان يبهر العينين، اتبعيني من فضلك.”
التنشئة التي تلقتها لورا جعلتها تسأل نفسها للحظة هل كان من الأدب أن يتحدث معها عامل عما يخلب العينين، أم لا، ولكنها تبعته.
اقترحت أن تضعها في زاوية ملعب كرة التنس. “ولكن الفرقة الموسيقية سوف تكون في هذه الزاوية.”
استطرد رجل أخر من العمال: “أه، سوف يكون لديكم فرقة موسيقية؟”. كان رجلًا شاحبًا. نظر بعين داكنة تبدو مجهدة إلى ملعب التنس، وفكر.
قالت لورا بلطف: “فرقة موسيقية صغيرة فقط.”. كانت تعتقد أنه لا يعنيه هل ستكون الفرقة صغيرة أم كبيرة. ولكن الرجل الطويل قاطعهم قائلا:
“انظري هنا يا آنسة، هذا هو المكان الأفضل. في الناحية المقابلة للأشجار. هناك، مكان مناسب.”
في الناحية المقابلة لأشجار الكراكس؟ بهذه الطريقة سوف تختفي هذه الأشجار. كانت الأشجار جميلة ولها أوراق عريضة ولامعة وتتدلى منها عناقيد الفاكهة الصفراء. كانت أشجار يخيل للناظر أنها نامية في جزيرة غير مأهولة. كانت تقف وحيدة في شموخ وترتفع أوراقها وثمارها إلى الشمس لتضفي نوعًا من الصمت المهيب. هل من المعقول أن نخفيها بالسرادق؟
نعم يجب أن نخفيها. حمل الرجال أخشابهم على أكتافهم واتجهوا إلى ذلك المكان. بقي فقط الرجل الطويل. انحني والتقط غصن من أغصان نبات الخزامى ووضع إبهامه وسبابته على أنفه واشتم الرائحة. عندما رأت لورا هذه اللفتة نسيت أمر أشجار الكراكس فقد تعجبت عندما رأت هذا الرجل يهتم بأشياء مثل اللافندر. ترى كم من الرجال يهتمون بذلك؟ يالهم من عمال رائعين! مر هذا الخاطر برأسها. لماذا لا تستطيع أن تتخذ أصدقاء من بين هؤلاء العمال بدلا من الصبية الحمقى الذين كانت ترقص معهم والذين يشاركونها وجبة عشاء يوم الأحد؟ فكرت أنه من الأفضل لها أن تصادق أناسا مثل هؤلاء.
شعرت لورا أن هناك ثمة خطأ، يالها من فروق طبقية سخيفة! ولكن من ناحيتها فهي لم تكن تولي هذه الفروق أية اعتبارات. بدأت المطارق تدق وبدأ أحد العمال في الصفير والبعض أخر في الغناء. أرادت لورا أن تري الرجل الطويل. كم هي سعيدة، أنها كانت تحتقر المعتقدات السخيفة، قضمت لورا قضمة كبيرة من الخبز والزبد وبدأت تحدق في الرسوم الصغيرة المعدة لوضعها في السرادق. بدأت تشعر وكأنها فتاه عاملة.
انبعث صوت من المنزل قائلًا: “لورا، لورا، أين أنت؟” هناك من يريدك على الهاتف. فزت لورا على الممر وتخطت نبات السوسن حتى وصلت إلى الشرفة. وجدت هناك أبيها وأخيها ينظفان قبعاتهما متأهبين للذهاب إلى المكتب.
قال “لوري” بسرعة للورا: “لورا هل يمكن أن تكوي معطفي هذه الظهيرة فهو بحاجة إلى الكي.” ردت لورا: “سوف أفعل.” ولم تتمالك نفسها فانطلقت وكوته بسرعة وغمغمت: “أحب الحفلات، هل تحبها أنت؟”
قال لوري بحرارة: “نعم إلى حد ما.” قالها بصوت صبي واحتضن أخته ثم دفعها برفق. وقال: “اذهبي إلى الهاتف أيتها الفتاه الكبيرة.”
الهاتف، نعم الهاتف: “كيتي؟ صباح الخير. تعالي على الغذاء يا عزيزتي. نعم مسرورة بالطبع. سيكون غذاء خفيفًا – فقط كسرات الشطائر والكعك الصغير المقسم علي شكل محار. أليس هذا صباحًا ممتازًا؟ دقيقة واحدة، ابقي على الهاتف، أمي تناديني.” كان لوري يجلس خلفها. “ماذا تريدين يا أمي، لا أسمعك.”
انساب صوت السيدة شريدان من أسفل السلالم: “أخبريها أن ترتدي القبعة الجميلة التي كانت ترتديها يوم الأحد الماضي.”
“أمي تريدك أن ترتدين القبعة الجميلة التي كنت ترتدينها الأحد الماضي. الساعة الآن الواحدة، يا ألهي، إلى اللقاء.”
وضعت لورا السماعة ووضعت يديها على رأسها وجذبت نفساً عميقًا ثم تركت يديها تسقطان مرة أخرى. تنهدت ثم جلست فجأة. كانت لا تزال ترهف السمع. بدا أن جميع أبواب المنزل كانت مفتوحة. كان المنزل يضج بالخطوات السريعة الرقيقة والأصوات. كان الباب المكسو بالقماش الأخضر الذي يؤدي إلى المطبخ يفتح ويغلق بصوت مكتوم. ويتبع ذلك صوت سخيف يستمر طويلًا. إنه صوت البيانو وهم ينقلونه على عجلاته الصلبة. كانت رياح ضعيفة وكأنها تجري وراء بعضها وهي لاهية خارج المنزل. وكانت هناك بقعتين صغيرتين صنعهما ضوء الشمس بقعة على المحبرة، والبقعة الثانية على إطار الصورة الفوتوغرافية الفضي، وبدت البقعتين أيضا وكأنهما تلعبان. كم هما جميلتان هاتين البقعتين وخصوصا البقعة التي كانت فوق غطاء المحبرة والتي كانت تبعث الدفء. بدت كما لو كانت نجمًا فضيًا دافئًا كم تمنت أن تقبله.
بدأ جرس الباب الأمامي يدق وسمعت خشخشة ثوب سادي الملون وهي تهبط الدرج. وكان هناك صوت رجل يغمغم، أجابته سادي قائلة بلا مبالاة: “لا أعرف تمامًا. انتظر حتى أسأل السيدة شريدان.”
جاءت لورا إلى الصالة وقالت: “ما الأمر يا سادي؟”
“إنه بائع الزهور يا آنسة لورا.”
كان حقًا بائع الزهور. بجوار الباب وقف رجل يحمل صينية مليئة بزهور السوسن الوردية. لم يكن يحمل غير زهور السوسن الوردية الكبيرة المتألقة والتي كان لها سيقان قرمزية لامعة.
قالت لورا: “أوه يا سادي وكان صوتها يشبه تأوها خافتًا.” اندفعت لأسفل وكأنها تستمد الدفء من وهج زهور السوسن، شعرت أنها بين يديها وبين شفتيها وأنها تنموا داخل صدرها. “يبدو أن هناك خطأ ما فلم يطلب أي أحد هذه الكمية الكبيرة. اذهبي وأخبري أمي.”
ولكن في نفس اللحظة ظهرت السيدة شريدان وقالت بهدوء: “لا يوجد أي خطأ. مررت أمس بالمحل ورأيت الزهور هناك وشعرت برغبتي في شرائها ولو مرة واحدة في حياتي. ولم أجد مبررا غير حفلنا هذا.”
قالت لورا: “ولكنني أتعقد أنني سمعتك تقولين إنك لن تتدخلي في تنظيم الحفل.” ذهبت سادي. كان بائع الزهور لا يزال بالخارج في سيارته. وضعت لورا يديها برفق شديد علي عنق أمها ثم قرصتها من أذنها برفق أشد.
بنيتي العزيزة: “هل سوف تكونين أمًا صارمة لي؟ لا تفعلي ذلك. الرجل لا يزال هنا.” وكان الرجل يحمل صينية أخري مليئة بالسوسن. قالت السيدة شريدان: “ضعهم على جانبي الشرفة لو سمحت.” ثم سالت السيدة شريدان لورا: “ألا توافقيني في ذلك؟” قالت لورا: “نعم اتفق معك يا أمي.”
وفي حجرة الرسم، استطاع أخيرًا كل من ميج وجوز وهانز الصغير تحريك البيانو. والآن لو وضعنا هذه الأريكة مقابل الحائط وأخرجنا كل شيء من الحجرة عدا المقاعد، سيكون ذلك مقبولاً؟
قالت جوز: “هانز، انقل هذه المناضد في حجرة التدخين، وأحضر مكنسة لإزالة البقايا الموجودة على السجاد، في دقيقة واحدة يا هانز.” بدا وكأن جوز تحب إعطاء الأوامر للخدم وأنهم يحبون أن يطيعونها. كانت دائما تشعرهم وكأنهم يشاركونها في دراما. “أخبر أمي ولورا أن تأتيا إلى هنا حالا.”
“حسن يا آنسة جوز.”
التفتت إلى ميج وقالت: “أريد أن أسمع صوت البيانو، حتى لو طلب مني أن أغني هذه الظهيرة. فلنحاول، الحياة متعبة.”
انطلق صوت البيانو بشكل مثير للعواطف حتى أن وجه جوز تغير. قبضت على يديها. نظرت إلى أمها ولورا نظرات حزينة وهما قادمتان.
“الحياة متعبة، دمعة وأهات. حب يتغير وأخيرا الوداع.”
ارتسم على وجهها ابتسامة براقة وليست عاطفية بالرغم من سماعها كلمة الوداع وبالرغم من صوت البيانو اليائس.
غمغمت: “أليس صوت حسن يا أمي؟”
دخلت سادي وقاطعتهم: “ما الأمر يا سادي؟”
“مدام لو سمحت، تسأل الطاهية هل أحضرت الزينة التي ستوضع على الشطائر؟”
رددت السيدة شريدان السؤال بلهجة حالمة: “تزيين للشطائر؟” عرفت البنات من صوتها أنها لم تحضرهم. “دعوني أري.” وقالت لسادي بحزم: “أخبري الطاهية أنني سوف أرسلهم لها في غضون عشر دقائق.”
ذهبت سادي.
قالت والدة لورا: “الآن يا لورا تعالي معي بسرعة إلى حجرة التدخين. احتفظ بالأسماء في مكان ما على ظهر أحد الأظرف. سوف يكون عليك أن تكتبيهم لي. ميج، اصعدي إلى أعلي وانزعي هذا الشيء المبتل من رأسك. جوز تعالي بسرعة وانتهي من ارتداء ملابسك في الحال. هل تسمعونني يا بنات أم أخبر والدكم عندما يعود للمنزل الليلة؟ جوز هدئ من روع الطاهية لو مررت بالمطبخ، هل تفعلين؟ أنها تقلقني منذ الصباح.”
أخيرا عثروا على الظرف خلف ساعة حجرة تناول الطعام ولم تتمكن السيدة شريدان من تذكر كيف وضعته هناك. مؤكد أن إحداكن سرقته من حقيبتي فذاكرتي قوية، هل فعلتم ذلك؟
“نعم.”
انتهوا أخيرا من مراجعة كشف الطلبات، وذهبت بهم لورا إلى المطبخ. وجدت هناك جوز تهدئ من روع الطاهية التي لم تكن مصدر قلق أبدًا.
قالت جوز بصوتها الرخيم: “لم أر من قبل شطائر في مثل هذه الروعة. كم عدد أنواع الشطائر لديك أيتها الطاهية؟”
“خمسة عشر؟”
“خمسة عشر يا جوز.”
“حسنا أيتها الطاهية، أهنئك.”
مسحت الطاهية على قشرة الخبز بالسكين الطويل وابتسمت ابتسامة عريضة. صاحت سادي: “جاء رجل من محل جودبر”، فقد رأت الرجل وهو يمر من جوار النافذة.
“هذا يعني أن القشدة قد أتت. لم يفكر أحد منهم أن يصنعها في المنزل. أحضريها وضعيها على المائدة، يا ابنتي، طلبت الطاهية ذلك.”
أحضرت سادي الشطائر ثم خرجت. كانت لورا وجوز عاقلتين بما فيه الكفاية لدرجة أنهما لم يهتما بمثل هذه الأشياء. ولم تلتفتا إلى أن قوام القشدة كان جذابًا جدًا. بدأت الطاهية في ترتيب الشطائر والحلوى وبدأت تتخلص من السكر والزبد والحليب الزائد.
تساءلت لورا: “ألا توجد واحدة في كل الحفلات؟”
قالت جوز: “نعم أعتقد أنهم يفعلون ذلك.”
قالت الطاهية بصوتها المريح: “فلتأخذ كل منكم بعض القشدة” ولكن فكرة تناول القشدة بعد الإفطار جعلتهم يصابون برعدة. بعد ذلك بدقيقتين، كانت لورا وجوز تلعقان أصابعهما بعد أن تناولتا القشدة.
اقترحت لورا قائلة: “فلنذهب إلى الحديقة ولكن من الباب الخلفي. أريد أن أرى إلى أين وصل الرجال في إقامة للسرادق. أنهم رجال رائعون.”
ولكن الطاهية وسادي وعامل محل جودبر وهانز كانوا يسدون الباب الخلفي.
ثمة شيء ما قد حدث.
أصدرت الطاهية صوت يعبر عن المها الشديد وكأنها قد لدغها عقرب. وضعت سادي يديها على خدودها وكأنها كانت تعاني ألما في أسنانها. لوى هانز وجهه وكأنه يحاول أن يفهم ما يحدث. وبدا عامل محل جودبر وكأنه الوحيد الذي يستمتع بذلك لأن القصة كانت قصته.
“ما الأمر؟ ماذا حدث؟”
قالت الطاهية: “وقعت حادثة رهيبة، قُتل أحد الرجال.”
قُتل أحد الرجال؟ أين؟ كيف؟ متى؟
ولكن عامل محل جودبر لم يكن ليدع القصة تنتزع منه بهذه السهولة.
“هل تعرفين هذه الأكواخ الصغيرة بالأسفل هناك يا آنسة؟”
بالطبع كانت تعرفها. هناك شاب صغير كان يعيش فيها ويدعى “سكوت”، سائق الكارته. جفل فرسه خوفاً عندما وجد أمامه سيارة في جانب شارع هاوكي هذا الصباح وسقط الشاب على رأسه فخر قتيلا.
نظرت لورا إلى عامل محل جودبر وقالت: “مات.”
“نعم وجدوه ميتًا عندما رفعوه.” قال عامل محل جودبر ذلك وهو مستمتع لأنه يقص القصة. كانوا ذاهبون بالجثة إلى البيت عندما كنت قادمًا إلى هنا. وقال مخاطبًا الطاهية: “ترك زوجة وخمسة من الصغار.”
قالت لورا وهي تقبض على أكمام جوز: “جوز تعالي هنا.” ثم سحبتها خارج المطبخ إلى الناحية الأخرى من الباب ذو القماش الأخضر. وهناك سكتت واتكأت على الباب. قالت بصوت ملئ بالخوف “جوز.. هل نوقف كل شيء؟”
صرخت جوز بتعجب: “نوقف كل شيء يا لورا؟”
“نلغي الحفل بالطبع.” لم تتظاهر جوز أنها لا تفهم؟
ولكن جوز كانت لا تزال مندهشة، فقالت: “نلغي الحفل؟ عزيزتي لورا لا تكوني سخيفة. بالطبع لا يمكننا أن نفعل أي شيء من هذا القبيل. لا يتوقع أي أحد أن نفعل ذلك. لا تسرفي في مشاعرك.”
“ولكن لا يمكن أن نقيم حفلًا وهناك رجل مات أمام بوابتنا الأمامية.”
“أنت تسرفين في مشاعرك. هذه الأكواخ تقع في حارة بعيدة عن المنزل وهناك طريق عريض بيننا.” إنها حقًا قريبة ولكنها من أكثر الأماكن بؤسًا ولم يكن لهم حق في هذا الجوار أصلًا. كانت بمثابة أكواخ وضيعة مطلية باللون البني الغامق. في المواقع المجاورة للحديقة لم يكن فيها إلا سوق الكرنب ودجاج هزيل وعلب طماطم. والدخان الذي ينبعث من مداخنهم يدل على فقرهم المدقع. كانت هناك بقع صغيرة من الدخان ولم تكن مثل العلامات الفضية التي تنبعث من مدخنة عائلة شريدان. كانت النساء اللواتي يعملن في غسل الملابس تعيش هناك وهناك أيضًا اسكافي وكناس ورجل يملأ بيته بأقفاص الطيور الصغيرة. كان الأطفال يجتمعون هناك. وكان صغار عائلة شريدان يمنعون من التواجد حتى لا يكتسبون اللغة الذين يتفوه بها أهل المنطقة. ولكن عندما كبرت لورا ولوري كانوا أحيانا يذهبون هناك. كان المكان قذر ومثير للاشمئزاز. كانا يرتعدان عندما يذهبان هناك. ولكن يجب أن يذهب المرء إلى كل مكان ويشاهد كل شيء.
“لكن فكري كيف سيكون وقع الفرقة الموسيقية على هذه المرأة المسكينة.”
بدأت جوز في الضيق من لورا. لو كنت ستوقفين الفرقة عندما يصاب شخص بحادثة فسوف تعيشين حياة بائسة. أنا آسفة لذلك مثلك وأشعر بالأسى. تجمدت عيناها. نظرت إلى أختها كما كانت تنظر لها وهم صغار وهما يتشاجران. “لن تعيدين رجلًا سكيرًا مرة أخرى إلى الحياة لأنك عاطفية.” قالت جوز ذلك بصوت خفيض.
نظرت لورا شزرا إلى جوز وقالت: “سكير! من قال إنه كان سكيرًا؟”.
قالت لورا: “اعتدت أنهم كذلك. أنا ذاهبة إلى أمي.”
غمغمت جوز: “فلتفعلي يا عزيزتي.”.
قالت لورا: “هل لي أن أدخل غرفتك يا أمي.” ثم أدارات لورا مقبض الغرفة الزجاجي الكبير.”
“بالطبع يا أبت، ما الأمر؟ لماذا تغير لون وجهك؟” ثم استدارت إليها السيدة شريدان. كانت تحاول لبس قبعة جديدة.
بدأت لورا قائلة: ” قُتل رجل يا أمي.”
قاطعتها أمها: “لا تقولي قُتل في الحديقة؟”
“لا، لا.”
“أوه، كم أفزعتيني!” تأوهت السيدة شريدان وبدا عليها الراحة. ولكن لورا قالت بصوت متهدج وكأنها كانت تختنق: “لكن يا أمي أصغي لي.” وأخبرتها بالقصة المؤلمة. “بالطبع لا يمكننا أن نقيم الحفل؟ هل سنفعل؟” قالت ذلك وكأنها تترجى أمها. ستصل الفرقة وجميع المدعوين. سوف يسمعونا يا أمي، أنهم جيراننا!
ولدهشة لورا، تصرفت أمها بنفس الطريقة التي تصرفت بها جوز بل كانت أسوأ حيث بدا أنها سمعت بذلك. ورفضت أن تولي الأمر أية أهمية.
“يا ابنتي، استخدمي عقلك، لقد عرفنا الأمر مصادفة –كما لو كان هناك رجلاً مات بصورة طبيعية– وأنا استغرب كيف يعيشون أصلًا في هذه الجحور الضيقة. سوف نستمر في حفلتنا، أليس كذلك؟”
اضطرت لورا أن توافقها ولكنها شعرت أن الأمور كلها تجري بصورة خاطئة. جلست على أريكة أمها وأخذت تلعب في أهداب الوسادة.
وتساءلت: “أمي، ألن يكون ذلك قسوة منا.”
نهضت السيدة شريدان واقتربت منها وهي تحمل القبعة وقالت: “عزيزتي.” وقبل أن تستطيع لورا إيقافها وضعت القبعة على رأسها. قالت أمها: “إنها لك. أنها مناسبة لك. لم أرك تبدين في مثل هذه الصورة، انظري لنفسك!” ثم أمسكت بمرآة في يدها.
قالت لورا مرة أخرى: “ولكن يا أمي”. ولم تستطع النظر إلى نفسها، ثم انتحت جانبًا.
فقدت هذه المرة السيدة شريدان صبرها كما فقدت جوز صبرها.
“لورا لقد أصبحت سخيفة جدًا، قالت ذلك ببرود. إن أناس مثل هؤلاء لا ينتظرون منا أن نقدم لهم أية تضحيات. وليس من المعقول إفساد متعتنا كما تفعلين الآن.”
قالت لورا: “لا أفهم.” ثم أسرعت الخطى خارجة من الحجرة. وبالصدفة، رأت في نفسها في المرآة كفتاة رائعة وهي ترتدي قبعتها السوداء المطعمة بزهور الربيع الذهبية والتي يتدلى منها شريط أسود طويل من القطيفة. لم تتخيل أن تبدو هكذا أبدا. فكرت لورا: “هل أمي محقة؟” والآن تمنت لو كانت أمها محقة. هل أنا مسرفة في مشاعري؟ بالطبع كان ذلك مبالغة مني. ولمدة دقيقة أخرى لمحت المرأة البائسة وأطفالها الصغار والجثمان المحمول إلى المنزل. ثم بدا الأمر معتمًا وغير واضح وكأنه صورة من صور الصحف. “سأتذكرها مرة أخرى بعد انتهاء الحفل.” قررت ذلك. وبدا لها أن تلك هي أفضل فكرة.
انتهي الغذاء في الساعة الواحدة والنصف. وعند الساعة الثانية والنصف تأهب الجميع لبدء الحفل. وصلت الفرقة التي كانت ترتدي الملابس الخضراء واتخذت مكانا بجانب ملعب التنس.
قالت كيتي بصوت مرتعش: ” ألا يبدون مثل الضفادع؟ كان عليك أن تجلسيهم حول حمام السباحة ويقف قائدهم على ورقة شجرة.”
وصل لوري ورحب بهم بطريقته الخاصة. وعندما رأته لورا تذكرت الحادث مرة أخرى. أرادت أن تخبره. لو وافق رأي لوري الآخرين فسوف يعني ذلك أنهم محقون. ثم تبعته إلى الصالة.
“لوري”
“أهلا.” كان في متصف السلم ولكنه عندما رأى لورا انتفخت خدوده ثم نظر إليها. “يا ألهي، تبدين رائعة يا لورا، يالها من قبعة رائعة!”
قالت لورا بصوت واهن: “هل هي كذلك؟” ثم ابتسمت للوري ولكنها لم تخبره بما حدث.
وبدأ المدعوين يأتون أفواجًا. وبدأت الفرقة في عملها وانتشر السقاة المستأجرين في السعي بين المنزل والسرادق. وظهرت على المدعوين علامات السعادة والحبور وهم يبتسمون.
“عزيزتي لورا، كم تبدين جميلة.”
“يالها من قبعة جميلة.”
“تبدين وكأنك أسبانية يا لورا، لم أرك في مثل هذا الجمال من قبل.”
أجابت لورا بصوت خفيض: “هل احتسيت الشاي؟ إلا تريد بعض الثلج؟”
جرت لورا إلى والدها ثم طلبت منه: “أبي، ألن تشرب الفرقة شيئا؟”
وقاربت الظهيرة الممتازة على الانتهاء ثم انتهت ببطء.
ساعدت لورا أمها في توديع الضيوف. جلسوا بجوار بعضهم البعض في الشرفة حتى انتهى الأمر تمامًا.
قالت السيدة شريدان: “انتهي الأمر، حمدًا لله. لورا دعينا نتناول بعض القهوة الساخنة. أنني مرهقة. كانت الحفلة ناجحة. ولكن هذه الحفلات، هذه الحفلات…! لم يا أولادي تصرون على إقامة الحفلات؟” وجلسوا جميعًا في السرادق الخالي من الناس.
“فلتأخذ شطيرة يا أبي، إنها مزينة.”
شكرا. تناول السيد شريدان قضمه ثم ابتلع كامل الشطيرة ثم تناول شطيرًة أخرى. قال: “الم تسمعين عن الحادث المروع اليوم؟”
قالت السيدة شريدان وهي ممسكة به بيديها: “عزيزي، نعم سمعنا عنه. كاد بالفعل أن يدمر بهجتنا بالحفل. كانت لورا تصر أننا يجب أن نلغي الحفل.”
صاحت لورا: “أوه يا أمي، لم تكن لورا تريد أن يعذبها أحد بذلك”.
قال السيد شريدان: “كان حادثا فظيعا. كان الشاب متزوجًا وكان يعيش في الحارة القريبة وترك زوجة ونصف دستة من الأطفال، هكذا يقولون.”
جثم عليهم بعد ذلك صمت ثقيل، ثم عبثت السيدة شريدان بقدحها. لقد عالج الوالد الأمر بطريقة تفتقر إلى اللياقة.
وفجأة نظرت إلى أعلى. رأت المنضدة وعليها كل هذه الشطائر والكعك والقشدة المتبقية من الحفل، كل ذلك سوف يلقى في القمامة. لقد راودتها إحدى أفكارها الرائعة.
“فلنجهز سلة. ولنرسل إلى هذه البائسة بعضًا من هذا الطعام الرائع. سوف يكون ذلك أفضل ما نقدمه للأطفال، أليس كذلك؟” ثم صاحت الأم: “لورا.. أحضري لي السلة الكبيرة من الدولاب.”
قالت لورا: “ولكن يا أمي هل تعتقدين أن هذه الفكرة صائبة؟” مرة أخرى بدت لورا وكأنها غريبة عنهم تماما. “هل تسعد المرأة البائسة عندما نعطيها بقايا طعام الحفل؟”
“بالطبع، ماذا دهاك اليوم؟ منذ ساعة أو ساعتين كنت تطلبين منا أن نتعاطف معهم والآن…؟”
“أوه، حسنا!” جرت لورا وأحضرت السلة التي ملأتها الأم تمامًا وكدستها. وقالت: “خذيها بنفسك يا لورا ولتسرعين ولا تنتظرين. ولتأخذي معك أيضًا زهور السوسن فالناس من هذه الطبقات ينبهرون جدًا بالسوسن.”
قالت جوز التي تتسم بطبيعتها العملية: “لكن سيقان النبات سوف تمزق ثوبها.”
“حسنا، فلتأخذي السلة فقط.” ثم تبعتها الوالدة وهي تنظر إليها من السرادق قائلة: “لورا في أي حال من الأحوال لا … …”
“ماذا يا أمي؟”
قالت في نفسها: “لا يجب أن أضع هذه الأفكار في عقل الصغار!”
“لا شيء! فقط أسرعي.”
كان الظلام قد بدأ يرخي سدوله عندما أغلقت لورا باب الحديقة. كان هناك كلبًا كبيرًا يجري وكأنه خيال داكن. وكان هناك ضوء أبيض يتراقص على الطريق وكان هناك في الأسفل عند الأكواخ ظل عميق. كم بدا الأمر هادئا هذا المساء. كانت ذاهبة إلى أدنى التل حيث كان يرقد الرجل الميت ولم تكن تدرك ذلك. ولماذا تدرك ذلك؟ توقفت لدقيقة. شعرت وكأن بجوارها شخص ما. كم بدا الأمر غريبًا! نظرت لأعلى ورأت السماء الشاحبة وكل ما فكرت فيه هو أن الحفل كان ناجحًا.
عبرت الآن الطريق العريض وبدأت تدخل في الحارة المظلمة التي ينبعث منها الدخان. كانت هناك نسوة ترتدين الشال ورجال يرتدون القبعات يمرون بها. كان هناك رجال يتعلقون على السياج والأطفال يلعبون على الأبواب. كانت هناك دندنة خفيضة تنبعث من الأكواخ الوضيعة بالأسفل. وكان وميض من الضوء يظهر من بينها وظل يتحرك من خلال النافذة. نكست لورا رأسها وأسرعت خطاها. كم تمنت الآن لو كانت ترتدي معطفًا. فقد كان كان ثوبها يلمع في الظلام! وكانت قبعتها منسوجة بالقطيفة، كم تمنت لو كانت قبعة أخرى عادية، كان الناس ينظرون إليها؟ شعرت أنها أخطأت بالقدوم إلى هنا. هل عليها أن تعود أدراجها؟ لا، لا يمكنها الآن فلقد وصلت إلى البيت كما تعتقد. وجدت مجموعة من الأفراد خارج المنزل يغطيهم السواد ووجدت بجانب البوابة امرأة طاعنة في السن تتكئ على عكاز وتجلس على كرسي وتنظر حولها. وكانت تضع قدمها على صحيفة. بدا الأمر وكأنهم يترقبون زيارة لورا لهم!
أصاب لورا نوع من التوتر وألقت الشريط القطيفة على كتفيها وسألت إحدى النساء التي تقف بالقرب منها: “هل هذا منزل السيدة سكوت؟” ابتسمت المرأة بشكل غريب وردت عليها: “نعم أنه منزلها يا سيدتي.” كم تمنت لورا أن تنشق الأرض وتبتلعها لتهرب من هذا الموقف وكأن لسان حالها يقول يا ألهي أنقذني من هذا الموقف. كم تمنت أن تبتعد عن هذه الأعين التي تحملق فيها. تمنت أن تغطيها أية ملابس، أن تغطي نفسها حتى بأي شال مثل الذي ترتديه هؤلاء النسوة. قررت أن تترك السلة ثم تمضي. ولن تنتظر حتى أن تفرغها. ولكن فتح الباب وظهرت امرأة تتشح بالسواد وينبعث منها علامات الحزن الدفين.
قالت لورا: “هل أنت السيدة سكوت؟ ولكن راعها أن ردت عليها المرأة: “فلتتفضلي يا آنستي.” ثم أغلقت عليها الباب وتركتها في الممر. قالت لورا: “لا أريد أن أدخل، أريد فقط أن أترك هذه السلة، لقد أرسلتني أمي لكي..”
بدا أن المرأة الشابة في التي كانت في الممر الذي تنبعث منه علامات الحزن لم تسمعها. طلبت منها المرأة بصوت متحشرج أن تتبعها، فتبعتها لورا.
وجدت لورا نفسها في مطبخ صغير وبائس ينيره مصباح ينبعث منه الدخان. وكانت هناك امرأة تجلس أمام النار.
غمغمت المرأة ضئيلة الحجم التي صحبتها: “إنها فتاة شابة.” والتفتت إلى لورا وهي تقول بنبرة ذات مغزى: ” أنا أختها يا آنستي، سوف تلتمسين لها العذر، أليس كذلك؟”
قالت لورا: “بالطبع! من فضلك لا تزعجيها! أريد فقط أن أعود.”
ولكن في هذه اللحظة التفتت المرأة التي كانت تجلس أمام النار. رأت لورا وجهها المنتفخ المحمر وعينيها المنتفختان وشفتيها المنتفختان فبدأ الأمر لها فظيع. بدا وكأن المرأة الشابة لم تفهم لماذا جاءت لورا إليها. ماذا يعني ذلك؟ لماذا كانت تقف هذه الغريبة في المطبخ وتحمل السلة؟ لم تفهم شيئا مما يحدث ثم تجهم وجه البائسة مرة أخرى.
حسنا يا عزيزتي، أشكرك نيابة عن. وقالت مرة أخرى: “التمسي لها العذر يا آنستي.” وحاولت الابتسام فظهرت ابتسامتها صفراء حيث كان وجهها منتفخ أيضًا.
كان أقصى ما تطمح إليه لورا في هذه اللحظة أن تغادر المكان. عادت أدراجها في الممر ولكن فتح باب فجأة. سارت إلى الأمام إلى حجرة النوم حيث وجدت جثمان الميت مسجي على الفراش.
قالت لها أخت الشابة: “هل تريدين أن تلقي عليه نظرة يا آنستي؟ ثم اصطحبت لورا إلى الفراش. لا تخافي يا آنستي وظهرت رنة خبث في صوتها ثم جذبت من على الجثمان الملاءة. يبدو الأمر وكأنه صورة. ثم قالت: “اقتربي يا آنستي.”
اقتربت لورا.
كان الشاب يرقد في سكون تام، كما لو كان يرقد في بعد سحيق عنهما. كم كان بعيدًا وكم كان مسالمًا. هل كان يحلم؟ علينا إلا نوقظه مرة أخرى. كانت رأسه في قلب الوسادة وعيناه مغلقتان. كانت جفونه ساقطتان وكأنما هما قفلان يسجنان بصره. لقد غرق في أحلامه. لم يكن يعنيه الحفلات أو السلال أو الشرائط التي تتدلى من الأثواب، كان بمنأى عن كل هذه الأشياء. كان رائعًا وجميلًا. بينما كان الجميع يضحكون ويتمازحون والفرقة تعزف أغانيها وقعت هذه المأساة في الحارة. بدا وكأن وجهه الحالم يقول أنا سعيد.. أنا سعيد بهذه النهاية. يملأني الحبور!
ومع ذلك كان المنظر يبعث في المرء رغبة في البكاء، لم تكن لورا تستطيع أن تتركه وتغادر الحجرة دون أن تقول له شيئا ما. تنهدت لورا بصوت طفولي عال.
وخاطبته قائلة: “سامحني بسبب ارتدائي هذه القبعة.”ولم تنتظر هذه المرة أن تصطحبها أخت المرأة البائسة بل شقت طريقها خارج الباب ثم انحدرت إلى الممر ومرت بهؤلاء القوم الملتفين بالسواد. وفي جانب الحارة قابلت لوري.
قفز إليها من مكان مظلم وقال: “لورا، هل أنت لورا؟” “نعم.”
“بدأت أمي تقلق عليك، هل أنت بخير؟”
“نعم بخير تمامًا. أوه يا لوري!” واحتضنت أخيها.
تساءل لوري: “هل تبكين يا لورا؟”
هزت لورا رأسها موافقة على ما يقول. كانت لورا بالفعل منخرطة في البكاء. وضع لوري يداه على كتفيها. وقال لها بصوته الدافئ المحب: “لا تبكي يا لورا.. هل كان الأمر مفزعًا؟”
سالت العبرات من لورا وهي تقول: “لا، لم يكن مفزعًا أبدًا. بل بدا وكأنه معجزة من المعجزات. ولكن يا لوري… ” ثم صمتت ونظرت إلى أخيها قائلة ” أليست الحياة؟ تلجلج لسانها “.. أليست الحياة؟ ” لم تستطع أن تكمل. ولكن لوري لم يهمه أن تكمل حيث فهم ما كانت ترمي إليه وأكمل لها عبارتها: “أليست الحياة غالية؟”

نبـذة عن المؤلفة بقلم المترجم:
كاثرين مانزفيلد هي أشهر مؤلفة نيوزيلندية، وكانت قريبة جداً من د.هـ لورنس ومنافسة لفرجينيا وولف. إلا إن سنوات إبداعها كانت قليلة ومثقلة بالوحدة والمرض والغيرة والعزلة. وقد انعكس كل ذلك على كتاباتها بمرارة في وصفها للعلاقات العائلية لشخصيات من الطبقة الوسطى. وتمتاز قصصها القصيرة بمتابعة الخواطر المسترسلة في خيالها ككاتبة، كما اهتمت (مثل الكاتب الروسي أنطون تشيكوف) بالتفاصيل الدقيقة والتغيرات الطفيفة في السلوك البشري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *