التابع ق. ق. مترجمة

التابع (1)
The Chaser
قصة للأديب الإنجليزي: جون كولير
Jhon collier

ترجمة/ خلف سرحان القرشي 

qkhalf@

شعر (آلن أوستن) بتوترٍ غريبٍ مثله مثل – هِرَّةٍ صغيرة – وهو يصعد درجات تلك السلم المظلمة ذات الصرير في أحد العمارات المجاورة لشارع (بيل)، وظل يحدق نظره طويلًا على بسطةِ الدرجِ ذات الضوء الخافت قبل أن يجد الاسم الذي يريده وقد كتب على نحوٍ مبهمٍ على أحد الأبواب: ـ
دفع الباب ليفتحه – كما أُخْبِرَ أن يفعل – ليجد نفسه داخل غرفةٍ صغيرةٍ جدًا ليس بها أثاثٌ سوى طاولة مطبخٍ بسيطةٍ؛ كرسيّ هزاز وآخر عاديّ وعلى جدرانها القذرة البرتقاليَّة اللون تموضع زوجٌ من الرفوف يحتويان ما يقارب الدرزن من القناني والجرار.
ثمَّة رجلٌ عجوزٌ يجلس على الكرسيِّ الهزاز، يقرأ صحيفته.
ناوله آلن البطاقة التي أُعْطيَّت له من قبل، دون أن ينبس بكلمةٍ.
قال له الرجل العجوز بأدبٍّ جمِّ:
– تفضل بالجلوس سيد أوستن. إنَّني سعيدٌ بمعرفتك.
وأبتدره آلن سائلا: ـ
– أصحيحٌ أنَّ لديك مزيجًا معينًا لـ …… له تأثيراتٌ جدًا غير عاديّةٍ.
وأجابه الرجل العجوز: ـ
– سيدي الفاضل: ليس لديِّ كثيرٌ من هذا المزيج للبيع. إنَّني لا أتاجر بالمليِّنات ولا بمعاجين الأسنان.
وأردف:
ورغم قلَّته إلا أنَّه متنوعٌ. اعتقد أنَّه ليس ثمَّة شيءٌ مما أبيعه له من التأثير ما يمكن وصفه بالعاديِّ.
وهنا شرع آلن قائلًا:
– حسنًا في الواقع أن…..
وقاطعه الرجل العجوز قائلًا:
هناـ كمثال….
وتناول إحدى القنان من أحد الرفوف، واستأنف القول:
– ………..سائل عديم اللون مثل الماء، وعديم الطعم أيضًا، كما أنَّه غير مُلَاحَظٍ أبدًا لو وُضِعَ في القهوة أو الحليب أو أيِّ مشروبٍ آخر. ولا يمكن اكتشافه بأيِّ طريقةٍ من طرق التشريح المعروفة.
وهنا صاح آلن فزعًا جدًا:
– هل تعني أنَّه سمٌ؟
وبدون اكتراثٍ أجابه الرجل العجوز: ـ
سَمِهِ سائلَ تنظيفٍ إذا شئت. الحياة تحتاج إلى تنظيفٍ. سَمه مزيلَ البقع. ألم يقل شكسبير:
“إلى الجحيم أيتها البقعة الملعونة، إلى الجحيم أيتها الشمعة الصغيرة”. (2)
قال آلن:
– لا أريد شيئًا من هذا النوع.
وردَّ العجوز:
– من المحتمل أن الأمر كذلك، ولكن هل تعرف سعره؟ إنَّ ثمن ما مقداره ملء ملعقة شايٍّ منه _وهذا كافٍ جدًا_ خمسة آلاف دولارٍ لا تنقص بنسًا واحدًا.
وقال ألن وهو يتوجس خوفًا:
أَرجو ألَّا تكون كلُّ خلطاتك غاليةً مثله.
أجابه الرجل العجوز:
– أه. لا يا عزيزي. ليس من العدل طلب مثل هذا السعر لجرعة الحبِّ مثلًا، فالشباب الذين يريدون جرعة الحبِّ قلَّما يملكون خمسة آلاف دولار، وإلا ما احتاجوا إلى إكسير الحبِّ.
قال آلن:
– إنَّني مسرورٌ أن أسمع منك مثل هذا الكلام.
ردَّ العجوز:
– إنَّني أنظر إلى المسألة بالشكل التالي: أُرضْي الزبون في صنفٍ واحدٍ، وسيعود عندما يحتاج إلى آخرٍ، وإن كان أكثر كُلْفَةً فإنه سيدخر من أجله إذا ما كانت حاجته إليه ملحةٌ.
أعاد آلن الحديث عن جرعة الحبِّ:
– وهكذا إذا تبيع جرعات الحبِّ؟
قال له الرجل العجوز وهو يمد يده إلى قنينةٍ أخرى: ـ
– لو لم أكن أبيع جرعات الحبِّ، لما ذكرت لك الصنف الأول، فعندما يكون الشخص واثقًا من قدراته، فإنَّه يتحدث بطريقةٍ تنم عن ذلك.
قال آلن متسائلًا: ـ
ولكن أليست هذه الجرعات ذات تأثيرٍ…..
وهنا قاطعه الرجل العجوز:
ـ آه. لا. إنَّ مفعولَها دائمٌ، ويتعدى مجرد النزوة الطارئة، بيد أنَّها تحتويها. حقاَ. إنَّها تحتويها بكلِّ سخاءٍ، بكلِّ إصرارٍ وبكلِّ ديمومة.
قال آلن وهو يحاول إلقاء نظرةٍ واقعيَّةٍ عليها:
– يا إلهي! كم هي صغيرةٌ جدًا!
قال العجوز:
– ولكن خذ بعين الاعتبار الجانب الروحيِّ.
– هذا ما سأفعله بالتأكيد.
– بدون تحيز فإنَّ هذه الجرعات تبدل اللامبالاة إلى ولهٍ. أنَّها تحول الكراهية حبًّا. خذ مقدارًا ضئيلًا من هذه الجرعات غير الملحوظة إذا ما وضعت في عصير البرتقال أو الحساء أو الكوكتيل، واعطه السيِّدة الشابَّة، فمهما كانت مرحةً أو طائشةً ماجنةً فإنها ستتغير بالكليّةِ. بعدها لن تعد تريد شيئًا غير الوحدة، وأنت!
– إنني لا أكاد أصدق أذنيَّ! إنَّها مغرمةٌ بالحفلات.
– سوف لن تحبها بعد ذلك. ستخشى عليك من الفتيات اللاتي تقابلهن في الحفلات.
وهنا صاح آلن في فرحٍ غامرٍ:
– حقًّا ستغار عليَّ؟
– ستحرص على أن تكون كلَّ شيءٍ بالنسبة لها.
– هي الآن كذلك، غير أنَّها لا تهتم.
– ستفعل بعد أن تأخذ هذه الجرعات. ستمنحك جُلَّ اهتمامها. ستغدو همَّها الوحيد في هذه الحياة.
وصاح آلن:
– رائعٌ!
– ستريد أن تعرف كلَّ شيءٍ عنك؛ كل ما يعرض لك خلال اليوم، كل كلمةٍ تقولها أو تقال لك، وستكون لديها الرغبة أيضًا في أن تعلم ما الذي يجول بخاطرك؛ لماذا تبتسم فجأةً أحيانًا، ولماذا تبدو حزينًا في أحيانٍ آخر؟
– هذا هو الحبُّ!
– ستحرص عليك غاية الحرص. لن تدعك تجلس أمام تيار الهواء. لن تدعك تتعب نفسك، سيتملكها الفزع لو تأخرت بعض الوقت. ستظن بأنَّك قُتِلْتَ، أو أن إحدى حوريَّات البحر قد اختطفتك.
– لا أستطيع أن أتخيل ديانا هكذا!
– ومن قال لك أن عليك أن تتخيل؟ وبالمناسبة فما دام هناك فاتناتٌ، وفيما لو عرضًا نظرت إلى إحداهنَّ فلا تقلق، ستصفح عنك. ستتألم كثيرًا لكنَّها ستصفح عنك في النهاية.
قال آلن متحمسا:
– إن هذا لن يحدث مني أبدا.
– طبعًا، ولكن إن حدث فلا تقلق، إنَّها لن تتركك. أه. بل إنَّها لن تعطيك أيَّ مبرراتٍ، ليس لطلاقك إيَّاها فحسب، بل ولا حتى للقلق أو الاضطراب.
– بكم…. بكم تبيع هذا المُرَكَب الرائع؟
– ليس غاليًّا إذا ما قارناه بمزيل البقع كما أعتقد أننا متفقين على تسميته. فذلك بخمسة الآف دولارٍ لا تنقص بنسًا واحدًا، فلا بدَّ والحالة هذه أن يكون المرء أكبر سنًا منك حتى يتورط في شراء مثل هذه الأشياء، كما أنَّ عليه أن يدخر إذا أراد ذلك.
– ولكن ماذا عن جرعة الحبِّ هذه؟
أجاب الرجل العجوز وهو يفتح أحد الأدراج في طاولة المطبخ، ويخرج قنينةً قذرةً بعض الشيء:
– دولارٌ واحدٌ فقط!
قال آلن وهو يمعن النظر في الرجل العجوز الذي شرع في ملء القنينة:
– لا أستطيع أن أعبر عن أمتناني لك.
– أود أن أسدي لك معروفًا وأخبرك بأن الزبائن عندما يعودون إليِّ في مستقبل حياتهم، وتكون لديهم الرغبة قويةً في أشياءٍ أكثر غلاء، فإنَّهم سوف يجدونها عندي أكثر فاعليّةً.
– أشكرك مرةً أخرى. وداعًا.
– أراك ثانيةً.
(1) عنوان القصة Chaser، ومن معاني هذه المفردَّة في العربيَّة (التَابِع) أو (المُطَارَد)، وهي صفةٌ لحال بطل القصة بعد استخدامه المُرَكَب، حيث سيكون تابعًا لزوجته / خطيبته / صديقته، ومُطَارَدًا من قِبَلِهَا. والكلمة تطلق أيضًا على نوعٍ من أنواع الشراب، يتم تعاطيه في مناسباتٍ معينَّةٍ، وهنا قد تشير لـــ (الشراب) الذي سوف توضع فيه تلك القطرات العجيبة! وثراء العنوان وتعدد دلالته يحسب لإبداع المؤلف. (المُتَرجِم).
(2) في بعض نسخ هذه القصة نجد الرجل العجوز يترنم بالمقولة الشعرية التالية لـ (شكسبير) من مسرحيته الشهيرة (ماكبث):
“Out, damned spot!’ Eh? ‘Out, brief candle!”
” ارحلي أيتها البقعة الملعونة، ارحلي أيتها الشمعة القصيرة”
والبقعة تشير إلى الدم، أما الشمعة الصغيرة فقد تعني الحياة.
ولكن في كثير من نسخ القصة الأخرى لانجد هذا الاقتباس، وعوضا عنه نجد الرجل العجوز يصف المُركب الذي يتحدث عنه بأنَّه Gloves’ removerوتعني (منظف القفازات).
ويمكن اعتبار أن المرأة بعد تناولها أكسير الحب تصبح بمثابة قفازاتٍ ملازمةٍ للرجل باستمرارٍ لذا يلزم التخلص منها!
(المُتَرجِم).
******************************
نبذة عن كاتب القصة:
جون كولير
Jhon collier
شاعرٌ وروائيٌّ إنجليزيٌّ. وُلِدَ عام 1901م في مدينة (لندن). عمَّه (فينست كولير) روائيٌّ مشهورٌ أيضًا.
تلقى تعليمه بصورةٍ ذاتيّةٍ، ولم يلتحق بأيَّة جامعةٍ.
كتب الشعر وهو في التاسعة عشرة من عمره، ونشرت أول قصائده عندما بلغ العشرين.
في عام 1922م نالت بعض قصائده جائزة أفضل رباعيَّات في الشعر الإنجليزي.
نشر عام 1930م روايته الساخرة (الزواج من الشمبانزي) His Monkey Wife، وتوالى بعد ذلك صدور مجموعاته القصصيَّة مثل (لاعودة للمسافر) No traveler Returns، و(الأفكار الخضراء) Green Thoughts.
من أكثر رواياته إثارة Full circle (الدائرة الكاملة)، وفيها تخيلٌ لوضع بريطانيا العظمى 1995م، حيث توقع أن الحرب سوف تحطمها، وتقضي على حضارتها ومدَّنِيتِها، كما تخيل أنَّ سكانها سيعودون إلى عالم الجوع والمعاناة الذي عاشه الإنسان البدائيُ!
عمل فترة من حياته محررًا صحفيًّا.
زار الولايات المتحدة الأمريكية، وفي (هوليوود) التقى شريكة حياته (شيرلي بالمر)، وتزوجا عام 1936م، ولم يرزقا بأبناءٍ. عاش فترة من حياته بالولايات المتحدة.
له كتابٌ مطبوعٌ عن تاريخ بريطانيا العظمى بعد الحرب العالمية الأولى.
توفي عام 1980م.

One thought on “التابع ق. ق. مترجمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *