الوحمة ق. ق. مترجمة

 

الوحمــة

تأليف: ألبرتو مورافيا (1907-1990م)
ترجمة: محمد عبد الرءوف وفا*

كانت كل الأمور دائماً تنتهي بالفشل طالما دس زوج أختي رايموندو أنفه فيها، حقاً أشعر بالأسى من أجل أختي. في صباح أول يوم من الأيام الحارة، وضعت ثوب الاستحمام والمنشفة في كيس وربطتهما في دراجتي وحملت دراجتي متجها نحو السلم وفكرة الذهاب إلى أوستيا تراود رأسي. ولكن ياله من حظ سيئ! فمن بين كل الأفراد الكثيرين الذين يعيشون في منزلنا لم أقابل سوى رايموندو في الطريق. نظر رايموندو على الفور إلى كيسي وتساءل: “إلى أين أنت ذاهب؟” أجبته: “إلى أوستيا.” فقال: وماذا عن العمل؟ لا تكن أحمقًا. يمكنك أن تذهب إلى أوستيا يوم الإثنين. نحن ذاهبون إلى الدكان الآن. وباختصارفإن رايموندو “رجل طويل وضخم وأنا نحيف وضئيل الحجم”. انتزع مني الدراجة بعنف ووضعها في دولاب في الحائط وجذبني من ذراعي ودفعني لأنزل السلم قائلاً: “تعال فالوقت متأخر.” أجبته أنني لست متأخرًا فليس لدينا ما نفعله. لم يعقب على كلامي ولكني رأيت في وجهه أنني أصبته في مقتل. لقد فتح محل حلاقة بمال أختي المسكينة ولكن المحل لم يكن على ما يرام بل كان وضعه سيئًا جدًا.
ولولا الزبائن القليلون الذين كانوا يأتون لمحلنا لم يكن هناك غيري أنا وهو يدخل هذا المحل، ولكان يمكننا أن نترك المحل ونذهب للتنزه بعد أن نترك الصبي باولينو يحرس المحل ويمنع اللصوص من سرقة أمواس الحلاقة والفرش.
سرنا في صمت تحت لفح الشمس الحارقة ولكن المحل كان قريبًا من البيت في قلب روما في ديل سيميناريو، وكان ذلك أول خطأ ارتكبناه حيث لم يكن هذا الشارع يمر به الكثير من الناس بل كان في مكان لا يوجد به سوى المكاتب والفقراء. وعندما وصلنا، جذب رايموندو ستارة النافذة ونزع سترته وارتدي مريلته وفعلت أنا نفس الشيء. ووصل أيضا باولينو وفي التو ووضع رايموندو المقشة في يده وطلب منه أن يكنس المكان بعناية حيث كان يعتقد أن النظافة هي أساس أي محل للحلاقة.
يمكنك أن تكنس الأرض ولكن ذلك لن يحول لك النحاس إلى ذهب! فلم يكن الشارع مكاناً يبعث على السعادة، بل كان مكاناً بائسًا وصغيرًا وكانت الحوائط مطلية بشيء يشبه الرخام وبه كراسي خشبية رخيصة أخذت من مكان آخر، وكان به ملابس وفوط خاطتها وطرزتها أختي فكان يمكنك أن تحكم عليها من على بعد ميل أنها مصنوعة في البيت.
انتهى باولينو من كنس الأرضية ذات البلاط الرمادي بينما كان رايموندو مستلقيا على كرسيه وبدأ في تدخين سيجارته الأولى. وعندما تم الانتهاء من كنس الأرضية، أعطي رايموندو وكأنه أمير خمسة وعشرين ليرة لباولينو ليشتري له صحيفة وعندما أحضرها الغلام بدأ يقرأ الأخبار الرياضية. وهكذا بدأ يومنا مع استلقاء رايموندو وقرأته للجريدة وتدخينه وجلس باولينو القرفصاء على عتبة الباب وتسلى بجذب ذيل القطة وبدأت أنا أسلي نفسي بمشاهدة الطريق. وكما قلت أنفًا لم يكن هذا الشارع مطروقًا، وفي خلال ساعة لم أر إلا حوالي عشر أفراد يمرون وكان معظمهم من النساء العائدات من السوق يحملن حقائب مشترياتهن. وفي النهاية، اختفت الشمس خلف المنازل وجاءت إلى الشارع. فدخلت أنا إلى المحل وجلست على كرسي أخر.
مرت نصف ساعة أخرى ولم يظهر أي زبون. ألقى رايموندو بالجريدة ومد جسده ثم تثاءب قائلاً: ” تعال يا سيارفينو لأن الزبائن لم تأت، فلتحلق لي”. لم تكن هذه أول مرة يطلب مني أن أحلق له ذقنه ولكن طلبه هذا أرقني أكثر خاصة بعد أن منعني أن أذهب إلى أوستيا في ذلك اليوم. وبدون أن أتفوه بكلمة أمسكت بالفوطة ووضعتها تحت ذقنه بطريقة جافة جداً لو رآها أحد غيره لفهم مرادي منها. كان متكأ ينظر إلى نفسه بغرور في المرآة فاحصاً ذقنه ومتحسسًا خديه بأصابعه.
وأعطاني باولينو إناء الصابون الخشبي بحماس وبدأت أسن شفرة الحلاقة على الجلد وأحرك الفرشة من هنا إلى هناك كما لو كنت أخفق البيض وغطيت وجه رايموندو بالصابون حتى عينيه. وبدأت أعمل بصورة عصبية بالفرشاة وفي خلال وقت قصير صنعت فقاعتين كبيرتين من الصابون على خديه. ثم جذبت الموس وبدأت في حلق ذقنه بقوة وكأنني كنت أريد قطع عنقه. شعر بالخوف وقال: “احلق برفق…. ما الخطب؟ لم أجبه ولكني ألقيت برأسه إلى الخلف وأبعدت الجلدة وبدأت أمسح برفق بالموس من بداية عنقه إلى خده. لم يتفوه بكلمه ولكني كنت أعلم أنه يغلي من الغضب. ثم انحنيت على الحوض وغسلت له وجهه.
وبعد أن قمت بتجفيفه وبدأت أصفعه صفعات خفيفة على وجهه تمنيت أن لو كانت صفعات حقيقية ثم رششت عليه مسحوق بودرة التلك كما طلب مني. كنت أعتقد أن عملي انتهي ولكنني وجدت أنه استلقى على الكرسي قائلاً: ” والآن أحلق لي رأسي”.
زمجرت قائلاً: “لكنني حلقت رأسك يوم أمس.” رد ببرود: “نعم أنت فعلت ذلك ولكن الآن عليك أن تهذب الحواف فشعري بدأ في النمو مرة أخرى.” كان على أن أكظم غيظي مرة أخرى وبعد أن نظفت الفوطة ثبتها تحت ذقنه مرة أخرى. لا يمكنني أن أنكر أن لرايموندو شعر رائع أسود وسميك ووافر يتدلى على جبهته وعلى عنقه. ولكنني في هذا اليوم شعرت أنني أكره شعره الرائع بشدة، فهو يعكس طبيعته المغرورة الخرقاء. حذرني قائلاً: “احترس الآن، هذب رأسي فقط ولا تقصر الشعر، وأجبت من بين أسناني: “لا تقلق.” وأثناء قيامي بقص أطراف الشعر الدقيقة التي لا تكاد ترى بالعين فكرت في أوستيا وانتاباني شعور عارم بأن أقص جزء كبير من شعره ولكني لم أفعل ذلك من أجل أختي.
واصل رايموندو قراءة الجريدة مرة أخرى وكان يستمتع بصوت رنين المقص وأنا أحلق له كما لو كان صوت طائر الكناريا. وبعد أن ألقى نظرة على المرآة قال لي: “هل تعلم، أنت حلاق ماهر.” كنت أريد أن أرد قائلاً: “وأنت كذلك حلاق ماهر يعيش على مال امرأته.” ولكنني هذبت حواف شعره ثم أخذت مرآة اليد ووضعتها خلف رقبته ليرى ماذا صنعت وقلت له بنبره شك: “والآن هل تريد شامبو أم تدليك خفيف؟” كنت أمزح ولكنه رد بنبره أمرة: “تدليك” ولكنني هذه المرة لم أتمالك نفسي فصرخت: “رايموندو، ليس لدينا سوى ست علب فقط وأنت سوف تستهلك علبه كاملة!” هز كتفيه قائلاً: “ليس هذا من شأنك. هل هذا مالك؟” كنت أريد أن أرد قائلاً: “أنه أكثر من مالي.” ولكنني أمسكت لساني مرة أخرى من أجل أختي التي كانت تعشقه بجنون فكان من الضروري أن انصاع له ولكنه لم يخجل أن يطلب مني أن أختار له أحد العطور. وكان يفضل البنفسج ثم طلب مني أن أحك فروة رأسه كلها وأن أدلك له رأسه بأطراف أصابعي بادئًا من أسفل إلى أعلى، وبينما كنت أدلك له رأسه كنت أنظر إلى الباب أملاً أن أرى أحد الزبائن لإيقاف هذه المهزلة ولكن كالعادة لم يظهر أحد.
وبعد الانتهاء من عملية التدليك طلب مني أن أضع له دهاناً لتلميع الشعر من أجود الأنواع الفرنسية. وأخيراً أخذ مني المشط وبدأ يمشط شعره بعناية لا أستطيع أن أصفها. ثم شعر بالرضا ونهض قائماً. نظرت إلى الساعة وكانت تشير إلى الواحدة ظهرًا. وقلت له: “رايموندو، لقد حلقت لك ذقنك وشعرك ودلكت لك رأسك. والآن دعني أذهب إلى البحر فلا يزال هناك وقت.” قال وهو ينزع مريلته: “أنا ذاهب لتناول الغذاء في المنزل ولو ذهبت أنت فمن يعتني بالمحل. يمكنك الذهاب إلى أوستيا يوم الاثنين.” ثم ارتدي سترته وأومأ برأسه وذهب بعيداً وتبعه باولينو الذي ذهب لإحضار طعامي من المنزل.
وبمجرد أن تركوني وحيداً شعرت برغبة عارمة في أن أركل الكراسي وأن أكسر المرايا وأن ألقى بالفرش والأمواس على قارعة الطريق ولكنني امتنعت عن ذلك حيث راودتني فكرة أن هذه الأشياء ملك لأختي وبالتالي ملكي. كظمت غيظي وجلست على الكرسي منتظرًا. لم يكن هناك أي شخص يمر في الطريق في ذلك الوقت وكانت الحصوات التي يتكون منها أسفلت الطريق تعمي العينين عند سقوط ضوء الشمس عليها. لم أر أحد بالمحل سواي أنا بوجهي العابس الذي رأيته في المرايات من حولي وشعرت برأسي تدور أحياناً لهذا السبب وأحيانا من الجوع. ولحسن الحظ، وصل باولينو ومعه طبق ملفوف في منديل وطلبت منه أن يعود للمنزل وجلست في نهاية المحل في فتحة خلف ستارة شبه شفافة لآكل طعامي في هدوء. وفي نفس هذه اللحظة، في المنزل، كان من المؤكد أن رايموندو يحرك أنفه لأعلى إعجابًا بالأطعمة التي أعدتها أختي له ولكنني عندما فتحت المنديل لم أجد إلا طبق من الإسباجتي شبه الباردة وزجاجة عصير صغيرة. أخذت أتناول الطعام ببطء حتى أقتل الوقت وأثناء تناولي للطعام كنت أشعر بالضيق والمرارة من وجود رايموندو في كلوفر مع أختي. كنت قد انتهيت من طعامي تقريبًا عندما سمعت صوتاً جعلني أقفز من مكاني، كان الصوت يقول: “هل لي أن أدخل؟”
قفزت من مخبئي مسرعاً. إنها سانتينا ابنة حارس المبني المقابل. كانت سمراء وصغيرة ولكن ملامحها جميلة ولها وجه صغير وعينان سوداوان تشع ذكاء. كانت من حين لأخر تأتي للمحل وتختلق الأسباب لذلك، وبعبقريتي أدركت أنها كانت تجئ من أجلي. لقد سعدت بزيارتها في هذه اللحظة وطلبت منها أن تتصرف وكأنها في بيتها وأجلستها على أحد كراسي الحلاقة، ولكن أقدامها الصغيرة لم تصل إلى الأرض. بدأنا في الحديث معًا وقلت لها أن الذهاب إلى البحر في هذا اليوم سيكون شيء بديع فأومأت برأسها وقالت أنها تتمنى أن تذهب هناك، ولكنها مضطرة للأسف أن تذهب لنشر الغسيل فوق السطح في هذه الظهيرة. قلت لها هل تحبين أن أحضر لأساعدك؟ قالت: “تأتي معي إلى السطح؟ لماذا؟ سأكون مجنونة لو جعلتك تأتي معي.” ونظرت حولها وكأنها تبحث عن شيء تقوله وأخيرًا لاحظت بقولها: “ليس لديك الكثير من الزبائن؟” قلت لها: “الكثير!! … لا أحد على الإطلاق.” قالت: “لماذا لا تفتح محل حلاقة للسيدات؟ حتى أتي لك مع صديقاتي لتمشط لنا شعورنا.” ومن أجل أن أجاملها قلت لا أستطيع أن أمشط لك شعرك ولكن يمكنني أن أعطرك لو أردت. ردت بلهجة عابثة: “حقاً؟” وبدأت أرش عليها العطر قائلاً: “هل هذا جيد؟” ثم بدأت أرش عليها وأنا أمازحها وبدأت تصرخ وتحمي نفسها بيديها. وفي هذه اللحظة وصل رايموندو.
قال رايموندو: “رائع! أنت تستمع بوقتك.” قال ذلك بحدة دون أن ينظر إلينا. ونهضت سانتينا معتذرة ووضعت أنا الزجاجة على الرف. قال رايموندو: “تعرف أنني لا أريد نساء في المحل وأن العطر للزبائن فقط.” اعترضت سانتينا بصوت متأثر قائلة: “سيد رايموندو أنا لم ألحق بك ضررًا.” وذهبت مبتعدة ببطء. ولاحظت أن رايموندو ينظر إليها وهي تبتعد نظرة طويلة. وأزعجني أن وجدت أن سانتينا قد جذبته بالطريقة التي اعترضت عليه بها. قفز هذا الخاطر في رأسي فجأة. ربما يكون أيضًا قد جذبها. فقلت له بوجه عبوس: “التدليك كان شيء رائع أما وضعي العطر لهذه الفتاة التي كانت تؤنسني ليس جيدًا! لا… أي عدل في ذلك؟” لم يرد رايموندو. ولكنه ذهب ليخلع سترته في أقصى المحل. وبدأت فترة ما بعد الظهيرة.
وبعد مرور ساعتين ونحن جالسون في الحر والصمت، نام رايموندو حوالي ساعة ورأسه ملقاة إلى الخلف ووجهه محمر وفمه مفتوح وهو يشخر مثل الخنزير. ثم استيقظ والتقط المقص وبدأ يتسلى بتهذيب شعيرات أنفه وأذنيه وأخيراً عندما لم يجد ما يفعله عرض على أن يحلق لي. لم يكن هناك شيء أثقل على قلبي من أن أحلق له أو أن يحلق لي. كان من الطبيعي أن أحلق له لأنني مساعده أما أن يحلق لي وهو رئيسي في العمل فكان ذلك يعني أننا في منتهى الفشل، فلم يكن حتى الكلب يحتاج لخدماتنا. ومع ذلك قبلت عرضه حيث كان الملل يساورني ولم يكن لدي أي شيء أفعله. بدأ يمسح الجلد بمحاذاة جانب رأسي وكان يتأهب لمسح الطرف الأخر عندما سمع صوت سانتينا قادم من الشارع: “هل لي أن أدخل؟”
التفتنا نحن الاثنين: أنا بوجهي المغطى نصفه بالصابون ورايموندو الذي كان يرفع شفرة الحلاقة في الهواء ووجدنا أنها كانت تبتسم واضعة احدى قدميها على عتبة الباب وسلتها ممتلئة بالملابس المعصورة وهي تنظر إلينا: “معذرة، لأنني أعرف أنك ليس لديك أي زبائن هذا اليوم كنت أتساءل هل يمكن للسيد رايموندو القوي أن يساعدني في حمل هذه السلة إلى السطح؟ أسفه على الإزعاج.” وضع رايموندو شفرة الحلاقة قائلًا: “سيارفينو عليك أن تحلق لنفسك.” وألقى بمريلته وانطلق كالصاروخ مع سانتينا. وقبل أن أفيق من صدمتي كانا قد اختفيا معًا ودخلا المبنى المواجه لنا وهما يضحكان ويتمازحان.
لم أتعجل الأمر فقد كنت أعتقد أن لدي الكثير من الوقت، انتهيت من حلاقتي وغسلت وجهي وجففته ثم قلت لباولينو: “عد إلى المنزل وأخبر أختي جوسبينا أن تأتي هنا فورًا، أذهب بسرعة.”
وصلت جوسبينا بعد وقت قصير وهي تكاد تسقط من الإعياء بسبب الحمى. وبعد أن رأيتها وهي منحنية -إنها تفتقر للجمال، يا لها من مخلوق بائس، وعلى خدها تلك الوحمة القبيحة التي تلخص قصة هذا المحل الذي أقامته بمالها- شعرت بالأسى من أجلها وفكرت ألا أخبرها بما حدث. ولكنني كنت أريد أن انتقم من رايموندو، ولذلك قلت لها: “لا تخافي ليست هناك مشكلة فلقد ذهب رايموندو فقط مع ابنة الحارس إلى السطح لمساعدتها في نشر الغسيل.” صرخت قائلة: “يا ألهى! سيحدث الآن مالا تحمد عقباه.” وانطلقت إلى مدخل المبني المقابل. نزعت مريلتي وارتديت سترتي ثم أغلقت باب المحل بهدوء. ولكن قبل أن ابتعد، علقت لوحة أخذناها من مكان أخر كان مكتوب عليها: “المحل مغلق بسبب مشكلات عائلية!”.

*aboukhadijah@gmail.com 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *