الحاج بكّار

 

قصة: إبراهيم شيخ

رسم: عزيزة برناوي

هذه القرية الصغيرة الواقعة شرق المدينة، هواؤها جميل، وأهلها طيبون ولا يوجد بها دكان، أنا تاجر لا أحيا بعيدا عن التجارة، عندي مبلغ بسيط سوف أفتح لي دكان صغير، أبدا به تجارتي لعل الله أن يبارك لي، هي مغامرة محفوفة بالمخاطر، لا أدري ما عاقبتها، لكن أتأمل في الله الخير، والتجارة ربح وخسارة، هذا ما حدث به نفسه بكّار، عندما وصل إلى قرية الشيخ إبراهيم، ومشى في القرية، ثم سأل عن بيت الشيخ إبراهيم، واستأذن منه كي يفتح له محلا تجاريا في قريته، الشيخ إبراهيم رجل عاقل ويعرف أهمية الدكان في القرية، اختار لبكّار مكانا مناسبا لإقامة دكانه، فبنى بكّار خربوشا صغيرا، يتسع لبضاعته، أهل القرية أكثرهم لا يملكون النقود، ويأتون بحبوب مقابل شراء بعض الأغراض التي يحتاجونها، صدم بكّار لمعرفته لذلك وقال:

ـ ماذا أفعل بالحب، أنا لا أحتاجه، أنا أحتاج الدراهم، ومن يشتري مني الحب، ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟

غرق بكّار في تفكير يكاد يفجر رأسه، فهو لو رد أهل القرية ولم يبع لهم، وقف حاله وكسدت بضاعته، فجأة تذكر أنه قد رأى في سوق المدينة مكانا مخصصا لبيع الحبوب بشتى أنواعها فقال:

ـ أجمع الحبوب من الناس وأضعه في شوال، ثم أقوم ببيعه في سوق المدينة، وبهذا أحصل على النقود التي أحتاجها لشراء البضاعة للدكان، هذه المشكلة وقد حلت، والناس الذين لا يملكون حبوبا حاضرة ولا نقود، يأخذون مني دين، فإذا جاء المطر كما يقولون، يزرعون أرضهم وبعد الحصاد يكيلون لي حبوبا، وكالمتبع أذهب بها إلى سوق المدينة وأبيع الحبوب، وبعد الحصول على النقود اشتري ببعضها بضاعة والبعض أدخرها لي.

وجد بكّار رزقه في تلك القرية الصغيرة، ونمت تجارته، لكن ثمة أمر يؤرقه ويزعجه وهو أن أهل القرية بدو لم ينالوا نصيبهم من التعليم، ينادونه الحاج بكرة وهذا الاسم يزعجه، فهم يتضاحكون ويسخرون عندما ينطقون الحاج بكرة، أحس بكّار في نفسه بغصة فالاسم فيه تأنيث وهو رجل، وهذا يحز في نفسه.

لكن ماذا يفعل، هنا رزقه، وإن ذهب من هنا قطع رزقه بنفسه، تحمل بكّار على مضض، ونزل المطر، وجاء الناس الذين لا يملكون دراهم، يطلبون منه أن يقرضهم نقودا كي يشتروا حبوبا يبذروا بها الأرض، وعند الحصاد يوفونه أول من طلب منه أن يقرضه دراهم، الرجل الذي أطلق عليه اسم (الحاج بكرة) فقابله بابتسامة ولبى طلبه، فاستحيا منه، وجرت على لسانه كلمة جميلة لطالما رغب أن يسمعها، ألا وهي (بكّار) اسمه الحقيقي، فقال وهو في غاية الخجل والانكسار:

ـ شكرا يا حاج بكّار، دندنت في أذنه، وسرت الفرحة في جسده، وارتاحت نفسه وأحس وكأنه ولد من جديد، سمعه الذين كانوا يطبلون له ويضحكون معه،

فقلدوه، وتسامع أهل القرية، فعاد له اسمه الحقيقي، ومع مرور الزمن، لم يعد أهل القرية يعرفونه إلا بالحاج بكّار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *