آراء في موازنة الآمدي

سلوم النفاعي*

 كان النقد الأدبي في العصر الجاهلي انطباعيًّا قائمًا على التذوُّق وإصدار الأحكام الانطباعية الشفهية، ومن هذه الأحكام على سبيل المثال لا الحصر: حكم أم جندب بين امرئ القيس وعلقمة الفحل، وحكم النابغة بين الخنساء وحسان بن ثابت، وفي صدر الإسلام حدث ارتقاء بالفكر فتقدَّم النقد الأدبي خطوة إلى الأمام، وازدهر في العصر الأموي، حتى نضج في العصر العباسي فظهرت فيه الموازنات والمقارنات بين الشعراء، ومن أهم الكتب النقدية التي برزت في العصر العباسي كتاب (الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري للآمدي) وهو أول كتاب نقدي تطبيقي في عصر الأوائل، ويعد هذا الكتاب من أهم كتب النقد في تلك الحقبة الزمنية، وقد قدَّم الآمدي موازنة ذات معايير نقدية محددة بين أبي تمام والبحتري، فانتقد أبا تمام لإسرافه في المحسّنات البديعية، وامتدح البحتري لسيره على نهج الأوائل وعدم مفارقته عمود الشعر.
ومن آراء الباحثين في نتائج موازنة الآمدي بين أبي تمام والبحتري: يرى الدكتور داود سلوم: (عدم وضوح فكرة الموازنة في ذهن الآمدي بسبب تعديل مناهجه أكثر من مرة، وأنه حاول التجرد، ولكنه كان متحمسًا لمدرسة الشكل وهي المدرسة التي كان يمثّلها البحتري، وإن كتاب الموازنة سيبقى أضخم نتاج عربي في النقد التطبيقي التفصيلي)، أما الدكتور قاسم موفي فذكر: (أن الآمدي تتبّع معاني الشاعرين، واستحسن الجيد واستقبح الرديء كل في موضعه، ووضع حدًا للموازنات الجزئية التي شغلت بال النقّاد حتى منتصف القرن الرابع الهجري)، أما الباحث إسماعيل حمادي فقد قال عن موازنة الآمدي: (ترك الحكم العام للقارئ… وصمت مرات عديدة، ولم يُدْلِ بحكمه الجزئي الذي وعدنا به…والموازنة من الكتب النقدية التي تتسم بالدقة والشمول والعلمية والتنظيم إلى حد بعيد، ولا تضيره هذه أو تلك المآخذ، فقلما يخلو عمل من الخطأ والزلل…)، والدكتور شوقي ضيف يرى أن كتاب الموازنة للآمدي يعد أول كتاب في النقد المقارن، أما الدكتور محمد مندور فيرى أن في كتاب الموازنة نغمة جديدة في تاريخ النقد العربي، والدكتور أحمد أمين يقول عن كتاب الموازنة: (وهي موازنة بدائية، والموازنة الصحيحة هي أن يعرف الناقد عناصر الأدب، من خيال، وعاطفة، ومعنى، وأسلوب ….والقارئ لموازنة الآمدي يرى أن له نظرًا أدبيًا رقيقًا، وذوقًا أدبيًا رفيعًا، وقد خطا بالنقد الأدبي خطوات واسعة).
وأرى أن الآمدي تحامل كثيرًا على أبي تمام رغم تقدّمه على البحتري واعتراف البحتري بالأخذ من شعر أبي تمام وبتقصيره عنه؛ وحجة الآمدي أن أبا تمام يؤثر التكلُّف، ومع أن كتابه أعلى كتاب نقدي تطبيقي في النقد العربي القديم، تحدَّث فيه عن قضايا مهمة مثل السرقات الشعرية ووضع لها معيارًا واضحًا ومحددًا، إلا أنه اكتفى بالموازنة بين قصيدة المدح والرثاء، ولم يتناول الأغراض الأخرى.

كاتب سعودي*
حساب تويتر: D_saloom11

 

 

2 thoughts on “آراء في موازنة الآمدي

  1. لأن اللغة العربية في الزمن القديم كانت سليمة من اللحن ومن تأثير الأعاجم عليها غير الناطقين بها .. يسهم في نقائها ونقاء فطرة صاحبها وذائقته الفنية ، الجميل توظيفها في النقد الأدبي بشكل جميل ومتميز ..

    شكرًا أخي الكريم ✋🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *