مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. صالح عبيد باظفاري كلنا نعلم بأن الموسيقى تؤثر على جميع مستويات الدماغ البشري …

“الزار” وطقوس الغناء البحري

منذ 3 أشهر

370

0


د. صالح عبيد باظفاري

كلنا نعلم بأن الموسيقى تؤثر على جميع مستويات الدماغ البشري لأنها تلامس عواطفنا بشكل مباشر، وللموسيقى تأثير على الذائقة البشرية في التلاعب بسيكولوجيات الوعي واللاوعي، وتصل إلى أعمق نقطة فينا وتساعدنا على تعزيز طاقاتنا، كذلك يمكن أن تساعدنا على تحقيق حياة أكثر صحة وسعادة. إذا استغلت لتحقيق السعادة، وما نراه من أنواع الانفعال والخروج من الطاقة المحدودة للمتعة الموسيقية المصحوبة بمراحل اللاوعي قد تدخل فيه الاعتقادات الوثنية بحضور الجن والشياطين كما يقال وهذه حالات نادرة سميت بالزار، و أرتبط الزار برقصات البحر منذ أزمنة قديمة، ويتغير اسلوبه وتسميته حسب وثنية الطوائف الموجودة في سواحل القرن الأفريقي، والوطن العربي والخليج يسمى «يارو yaro» أو «دارو daro» ويقال إنها أتت من المسيحية الحبشية كـ روح شريرة، و«زار zar» كلمة استعارة من المسيحيون الأحباش وبعض القبائل الوثنية وكلمة زار في اللغة العربية مستعارة عن اللغة الأمهرية بموجب المعتقدات الشائعة ويقال إنها انتقلت من أثيوبيا إلى العالم الإسلامي وهذا الاعتقاد خاطئ، ولقد ارتبطت موسيقى الزار بممارسات جسدية تصل أحيانا إلى حد التعذيب النفسي والجسدي، وامتزجت تلك الأرواح الشريرة بالإيقاعات البحرية وخصوصاً الأفريقية منها، وقد تمازجت بين الفرح والموسيقى والغناء والأداء الحركي الذي يوظف لإراحة الجسد من خلال طاعة الجن والشياطين وخصوصاً عند بحارة السفن الشراعية، وهنا يظهر البعد الوظيفي للزار فنجد أنه يندرج تحت مسمى (الغي )وهو نوع من العشق المجنون عند البحارة الحضارم ويظهر ذلك
في الرقصات سريعة الإيقاع.
والتي وفـدت إلينا مـن أفريقيا وتسمى في حضرموت بالـزامـل و یعتمد عـلى الحـركـة السریعة وتسـتعمل فيه آلـة الـمزمـار مـع الھاجر و المراویـس و الـرق، و یلاحظ أن ألحانه أقرب الى موسيقى الزنج و كلماته وألفاظه أفريقية:
لا یا ابمبي كوایا وا مصلي علیه

و ھي أقـرب الـى رقـصات المسیرة كالـرزحـة أو الـمرجـوزة، و لأدوات الـنفخ دور كـبیر فـي بـث الحـماس وثارة أصحاب الزار أثـناء الـرقـصة، ومن أدوات الإثارة أيضا الصفارة و البوق و أصداف البحر، ومن أغاني الزار عند بحارة السفن أيضاً.
آیا بانا كویلي
كویلي با مسیمبا
كویلي كویلي
طم بطوطو نھیمبا یا مسیمبا
كویلي كویلي یا مسیمبا
آیا بان
كما تحدثنا سابقاً بأن مـقام الـنھاونـد ھـو الأكـثر شـیوعـاً فـي أغـانـی البحر وهو عـلى إيقاع 2عـلى 4 كما يظهر في نـصوص الـلیوا یـمنیة ذات الكـلمات السـواحـیلیة الدخـیلة على العربية ومنها.
عرب یا مومبو كواكیا أوه
سیمبا سیمبا ناكولیا
أوه سیمبا كولیا سیمبا سیمبا ناكویلیا
أوه و المامبو لا یلا ال یا مفوفو

والليوا كما ذكرنا سابقاً من الفنون الإفريقية بكل ملامح الفن الوارد إلينا من خلال أهازيجه وإيقاعاته وفد مع السلالات الأفريقية التي نزحت من الساحل الشرقي لأفريقية. ويجمع بين الرقص والغناء وهو من الأصوات البحرية الطالبة الزار ونصوصه كلها باللغة السواحلية كما أوردنا إلا عبارات معدودة مثل العبارات الدينية مثل (لا إله إلا الله) ومن أهازيجهم أيضاً:
وتعني سر يا حبيبي وسافر في أمان الله.

ويُعرف الزار على أنه فرد من الجن يتلبس جسد الإنسان بسبب الحسد أو السحر أو العشق كما يُعرف بأن الجن تحضر في جسد من تتلبسهم أثناء الرقص والغناء، ولمثل هذا الاستحضار أغاني وموسيقى مفضلة تعرف عند بعض أهل السفن الشراعيه بـ «السامري» و«الخبيتي» و«الزيران» «وزامل العبيد » «الشرح القطني والمريكوز» ولكل موسيقى خصائص معينة.
يرتبط أيضًا الزار بفن النوبان ذو النكهة الساحلية والتي تجعلك تعيش مع القوارب الواصلة والمغادرة،  ويسمى غناءُ القادمين والذاهبين وهو من السلم الخماسي و سهل الأداء. تتعزز إيقاعات الطبول الثلاثة «المنجور» و «الشخليلة»، التي تتكون من عدد كبير من أظلاف الماعز المثبتة في حزام عريض، وعندما يتعالى إيقاع رقصة النوبان ليبدو سريعًا يتحرك حامل المنجور كذلك بإيقاع أسرع وأكثر ارتفاعًا، تبدأ حركة الراقص الذي يتلبسه المس وتتغير صورته لتصل لدرجة الاهتزاز وعدم الوعي.
ومن الأغاني المرتبطة بالمواويل التراثية التي يُغنيها الصيادون داخل البحر التي تتصف بالبساطة والعفوية وفيها إثارة لأصحاب الزار بعد أن يصلون لحد الإنعاش بعد الانتعاش،  ولا تقتصر تلك الأغاني على الابتهالات الدينية فحسب بل تمتد إلى التغني بالحبيب كنوعٍ من تنشيط الهمة والإثارة ومن أغانيهم:
يا حبيبي لم تراني
بحري على أول زماني
كما تضم بعض أغانيهم السريعة شيء من المناجاة لجمع الشمل ويظهر اللحن فيه شيء من العاطفة مثل :
لاهبت الرياح قلت يامركبي سيري
وأنا صبرت صبر الخشب تحت المناشيري
ومنها:
ناديت يا طير بحق السما العالي تلم شملي وتجمعني بالغالي

ومن أغانيهم أيضًا:

يا عمتي هيلا هيلي
يا أخت أبي هلا هيلي
ابكي ونوحي هلا هيلي
والله على هلا هيلي
وهنا نلاحظ التشابه في الإيقاع والوزن بين الصيادين في الساحل الشرقي والشام.

يابنت بابوري .. هيلا هيلا
دوري كذا دوري .. هيلا هيلا
دوري كما العجره .. ولا كما الهواري

كما أن فنون الغناء البحري الوافد، أو الذي من أصل المناطق البحرية يعد متشابهًا ولا اختلافات فيها إلا في بعض الشيلات من ناحية الألحان، وحسب الهنك لكل جماعة وبلد ونجد ذلك بارزًا في غناء بحارة اليمن وينبع والبحرين والإمارات وعمان والكويت وبعض دول الشام التي على البحر الأبيض المتوسط، ويرتكز الاختلاف في السرعات الإيقاعيّة،  وفي أداء الغناء عند المد والتقصير والوقفات والصفقة ونوعية الغناء، بالإضافة إلى الاختلاف في الأداء، إذ أن أهل البحرين أسرع في أدائهم،  ومن المعروف عنهم أنهم يمدون في غنائهم بخلاف أهل حضرموت و أهل الكويت، فإنهم يأخذون الطابع الثقيل والسهل الممتنع في أداء الفنون البحرية بكافة صفاتها ولا تظهر عليهم في غنائهم السرعة وتعد سرعتهم متوسطة.
ولنا توضيح أكثر في الحلقات القادمة أن شاء الله.

* كاتب يمني

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود