الإبعاد الاجتماعي في عصر الإنترنت(1)

د. جهاد فيصل العمري*

المسافة الاجتماعية أو الإبعاد الاجتماعي (باللغة الإنجليزية Social distancing ) هي مجموعة من إجراءات مكافحة العدوى غير الصيدلانية التي تهدف إلى وقف أو إبطاء انتشار الأمراض المعدية عن طريق تقليل احتمالية الاتصال بين الأشخاص الذين يحملون العدوى والأشخاص غير المصابين. يكون التباعد الاجتماعي أكثر فاعلية في الحالات التي تنتقل فيها العدوى عن طريق الاتصال عبر تنفس أو بلع الرذاذ الناتج عن سعال أو عطاس حامل المرض أو الاتصال الجسدي المباشر من مصافحة وتقبيل حامل المرض أو الاتصال الجسدي غير المباشر مثل لمس سطح ملوث برذاذ من حامل المرض أو انتقاله في الهواء. في علم الأوبئة. الإبعاد الاجتماعي يقلل بشكل فعال من عدد التكاثر الأساسي بالإنجليزيةBasic reproduction number) ) للعدوى بالفيروس المحارب؛ حيث يمكن تعريف عدد التكاثر الأساسي لعدوى ما أنه عدد الحالات التي يمكن أن تُعديها حالة واحدة خلال فترة العدوى بين مجموعة غير مصابة. على سبيل المثال عدد الحالات التي يمكن أن تعديها حالة واحدة مصابة بالحصبة هي من 12 إلى 18 شخص بينما في الحصبة الألمانية يمكن للحالة المصابة نقل العدوى إلى 7 أشخاص و في حالة الإصابات بالإنفلونزا فإن حالات العدوى من الشخص المصاب تتراوح بين 2 إلى 3 أشخاص أما في حالة فيروس كورونا الجديد فإن العدد المحتمل لحالات العدوى من الشخص المصاب تتراوح من 1 إلى 4. بسبب قدرة الفيروسات المعدية على الانتقال من حامله إلى الأخرين عن طريق الاتصال المباشر وغير المباشر بينهم ولذلك فإن الإبعاد الاجتماعي يعتبر عاملاً مهماً لتقليل العدوى، فعلى سبيل المثال فإن التزام 25% من السكان بتنفيذ الإبعاد الاجتماعي بشكل 50% يمكن أن يقلل من قدرة الفيروس على نقل العدوى بنسبة 20%، وكلما زاد عدد منفذي الإبعاد الاجتماعي وكلما تم تطبيقه بشكل فعال فإن احتمال العدوى سيقل ويتأخر بشكل كبير ولن نصل لحالات عديدة من العدوى إلى حين اكتشاف لقاح لهذا الفيروس.
بيد أن الإبعاد الاجتماعي وبالرغم من فاعليته الصحية في الوقاية من العدوى إلا إنها قد تكون صعبة التنفيذ من جميع الأوجه العملية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، كما أنه من غير السهل على البشر تطبيق تعليمات الإبعاد الاجتماعي لكونهم معتادين على الاتصال المباشر عند قيامهم بعملهم أو دراستهم أو تواصلهم مع أحبابهم وأقربائهم وأصدقائهم بشكل عام. كما أن البعد عن الآخرين أكثر صعوبة في وقت مخيف وغير مؤكد مثل انتشار مرض في أنحاء العالم، والذي يستلزم البقاء على اتصال مع العائلة والأصدقاء أكثر أهمية من أي وقت مضى، خاصة مع من يعانون من الأمراض لحاجتهم لمن يحارب معهم ما يعانون منه كما قالت Dr. Neha Chaudhary وهي طبيبة نفسية بكلية الطب بجامعة هارفرد بمقالة الكاتب Apoorva Mandavilli بصحيفة The New York Times. لحسن الحظ أننا الآن في عصر تقنيات الحاسب والاتصالات وأن لدينا الإنترنت، فامتلاكنا واستخدامنا لهذه التقنيات سيمكننا من الحفاظ على الاتصالات الاجتماعية الافتراضية، حتى لا يتحول الابتعاد الاجتماعي إلى عزلة اجتماعية. مثلاً يمكن أن يبقى الناس على اتصال عبر وسائل التواصل الاجتماعي والدردشة والفيديو ولا مانع أن تكون مبدعًا كما قال Dr. Jonathan Kanter مدير مركز العلوم الاجتماعية بجامعة واشنطن، و أن تحدد موعدًا للعشاء مع الأصدقاء عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل Face Time، والمشارك في الألعاب عبر الإنترنت، ومشاهدة البرامج التلفزيونية، والتسجيل في دروس التعلم عن بعد. كما أكد أنه من المهم بشكل خاص التواصل مع المرضى أو الأشخاص المعرضين لخطر كبير والذين يعزلون أنفسهم قائلاً: “إن المكالمة الهاتفية بصوت أفضل من الرسائل النصية، والدردشة المرئية أفضل من المكالمة الهاتفية”. كما أن الحلول التقنية في التعليم باستخدام تطبيقات التعليم الإلكتروني في إعطاء الدروس وتقييم التحصيل ساهمت في التقليل من أثر تعليق الدراسة الناتجة عن عمليات الإبعاد الاجتماعي، لم يكن لنا الاستفادة من تقنيات التعليم الالكتروني لولا أنها تطورت وأصبحت بدائل للتعليم التقليدي حتى قبل فرض الإبعاد الاجتماعي حيث إن هذه التقنيات كانت معتمدة مسبقاً كجزء من العملية التعليمية وأصبح الآن من الممكن تطبيقها بسهولة لتعود شريحة كبيرة من المعلمين والطلاب على استخدامها. كذلك الحلول التقنية في البيع والشراء والتعاملات المالية والحكومية وفي الترفيه من ألعاب إلكترونية ومواد إعلامية وفنية وفي الثقافة من كتب وصحف رقمية ساهم بشكل كبير من تخفيف وطء الإبعاد الإلكتروني.
أخيراً وبالرغم من ثقل الوباء الذي اجتاح العالم في مطلع عام 2020 ميلادي والذي ندعو الله أن يزيحه عن كافة البشر، إلا أنه وعلى مستوى دراسات الجوانب الاجتماعي والأخلاقي للحوسبة قد تكون فرصة لدراسة قدرة تقنيات الحوسبة والاتصالات في تقديم مجتمع افتراضي يحقق حاجات البشر الاجتماعية دون اتصال مباشر بينهم، و دراسة أثر الإبعاد الاجتماعي في وجود الإنترنت وهل سيعتاد عليه الناس ويتخذونه أسلوباً اجتماعياً عاماً حتى بعد انحسار الوباء ورفع الحاجة الطبية للإبعاد الاجتماعي بشكل رسمي أم أنهم سيشعرون بأهمية الاتصال الاجتماعي المباشر بينهم ويعودون لحياة اجتماعية أكثر حميمية؟
في المقالات القادمة سيتم بحول الله النظر بتفصيل أكثر عن تطبيقات الفضاء الافتراضي الاجتماعية والتعليمية والحكومية والتجارية وكيف ساهمت في دعم الإبعاد الاجتماعي لمكافحة وباء فيروس كورونا الجديد.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *