الشعراء في قصيدة “أبناء الحقيقة” للشاعر حبيب علي (1 من2)

بقلم/ د. مصطفى الضبع*

ما أكثر الشعراء الذين قاربوا الشعر، ليس على مستوى كتابته أو طرح موضوعاته، وإنما اشتباكا معه وطرحا لمفهومه ودوره وعلاقته بالذات أو علاقة الذات به، وهو ما يؤكده تكرار مفردة “الشعر” في القصيدة العربية قديمها وحديثها، في الشعر العربي حتى منتصف الخمسينيات تكررت المفردة قرابة خمسة آلاف مرة معظمها في العصر الحديث، وشاعر مثل أحمد شوقي وردت المفردة في نتاجه تسعا وثلاثين مرة، منها قوله:

                   الشِعرُ صنفانِ فباقٍ عَلى       قائِلِهِ أَو ذاهِـــــــــــــــبٌ يومَ قِيل

ما فيهِ عصرِيٌّ وَلا دارسٌ       الدَهرُ عمرٌ لِلقريضِ الأَصيل

لَفظٌ وَمعنىً هُوَ فَاِعمَد إِلى       لَفظٍ شَريفٍ أَو لِمَعنى نَبيل

وَاِخلُق إِذا ما كُنتَ ذا قُدرَةٍ       رب خَيالٍ يخلقُ المُستَحيل

وفي واحدة من قصائده الأشهر يقصر الإنسانية على الشعراء حين يقول:

جاذَبَتني ثَوبي العصِيَّ وَقالَت       أَنتُمُ الناسُ أَيُّها الشُعَراءُ

وهي مادة شعرية صالحة للدراسة ومكاشفة مفهوم القصيدة والشعر عند الشعراء أنفسهم ورؤيتهم للحياة في سياق الشعر أولا، والشعر في سياق التجربة الإنسانية ثانيا، والعلاقة القائمة بين الشعر وأشكال النشاط الإنساني الأخرى.

من حيث الموضوع تتعدد رؤى الشعراء جاعلة منه موضوعا قارا ومستمرا في التجربة الشعرية كاشفا عن تطور الرؤية وتعدد مساراتها وتوجهاتها وفق تطور رؤية الشعراء للكون والحياة، مما يجعل منه مادة خصبة لاستكشاف الخيال الإنساني نفسه، ومنذ مقولة عبيد الأبرص (ت 25 قبل الهجرة):

سَلِ الشُعَراءَ هَل سَبَحوا كَسَبحي       بُحورَ الشِعرِ أَو غاصوا مَغاصي

لِساني بِالقَــــــــريضِ وَبِالقَوافي       وَبِالأَشــــــعارِ أَمهَرُ في الغَواصِ

مِنَ الحــــــــوتِ الَّذي في لُجِّ بَحرٍ       يُجيدُ السَبحَ في اللُجَجِ القِماصِ

يردد الشعراء أطروحاتهم حاملة رؤيتهم، معبرة عن أسئلة من شأنها مكاشفة الحياة وقضاياها.

وما بين القديم والجديد تغيرت الصورة من منافسة الشعراء، والصراع بينهم لأسباب تعدد توجهاتها في القديم على محاولة تشكيل رؤية ذات طبيعة جماعية في الحديث، فالشاعر القديم الذي كان يرى الشعراء الآخرين مجالا للمنافسة بوصفهم يستهدفون ما يريده هو، ساعين للفوز بما يريد الفوز به، تطورت رؤيته في الحديث لشاعر يتكاتف مع الآخرين لا ينافسهم بالطريقة نفسها، تغييرا لمجال المنافسة وأهدافها وتوجهاتها، فلم يعد المطلوب هو وجه الخليفة وإنما المتغيا هو وجه الحياة.

 في قصيدته “أبناء الحقيقة” يرسم الشاعر حبيب علي صورة الشاعر في مجاله الحيوي، متنقلا بين ضميرين تأسيسيين في القصيدة، ضمير المتكلم، وضمير المتكلمين، أو ضمير المتكلم في صيغتيه: المفرد والجمع.

اللحن لي والشعر والكلمات لي

وأنا المغني

والناي والأوتار بعض من تباريحي الشجية؛

لم أخنها في مواجهة الغرام ولم تخنّي.

وأنا أنا لا زلت أحمل كل أوزار المزامير

الحزينة حينما نُميت لغصني

ما عدت أذكر مولدي

والاستهلال ذاته يتشكل من حركتين متداخلتين:

  • حركة الإثبات.
  • حركة النفي.

الإثبات يحيط بالنفي جاعلا من النفي نواة تتكشف بطريقتين: نفي في الماضي (لم أخنها)، نفي في الحاضر (لا زلت أحمل – ما عدت أذكر)، وتمثل حركة الإثبات تأكيدا لما يريد الشاعر إثباته عبر الجملة الأولى القائمة على الجملة الخبرية غير المقترنة بزمن مما يجعلها جملة عابرة الزمن المطروح على وعي المتلقي، وهي جملة طويلة تقوم على مجموعة من التفعيلات والتراكيب النحوية: اللحن لي والشعر والكلمات لي /وأنا المغني/   والناي والأوتار بعض من تباريحي الشجية، جامعا بين ما هو مقروء وما هو مسموع، مسيطرا على بعض الحواس التي من شأنها التأسيس لعملية التلقي في قيامها على ثلاثة عناصر أساسية: اللحن – الكلمات – المغني ، مقدما لحنه الخاص الذي سيتأكد لاحقا كما يمكن استنتاجه من زاويتين:

  • زاوية النظر الكلية المتمثلة في النص بكامله بوصفه خطابا للمتلقي يستثمر الشاعر فيه مكونات الخطاب من نص وطرائق تقديمه وعناصر تشكله.
  • زاوية النظر الجزئية تتمثل في رؤية اللحن فيما بعد الاستهلال بوصفه رسالة الشاعر المعبرة عن خطابه الموجه للشعراء.

والزاويتان احتماليتان في قيامهما على مستويات متعددة ومتنوعة من النظام الشعري القائم على مستويات التشكيل ومستويات التحليل وجماليات الخطاب.

ولا يستغرق الشاعر الوقوف عبر ضمير المتكلم المفرد، فهو لا يتعامل مع الشعراء بوصفهم آخرين يدخلون نطاق المنافسة، وإنما يتجاوز ذلك إلى صورة كلية تبرز دور الجماعة، وقيمة الكل تجاوزا لفكرة القطب الواحد.

والشاعر ينطلق من علامة زمنية متجددة تفرض نفسها على زمن التلقي المتجدد بدوره فكل قراءة للنص تبدأ من يومها مجددة زمنها وهو ما يجعل من العلامة الزمنية (اليوم) علامة زلقة غير مستقرة في زمن بعينه فكل عملية نطق للصورة الشعرية هي استحضار صوت الشاعر عبر المتلقي، الناطق بجملته النصية المركبة التي تتشكل في تركيبها من مجموعة من الصور المتداخلة والمتتالية في قدرتها على التعبير عن الحالة، والجملة الشعرية الكبرى تتأسس على مجموعة من الجمل التي يمكننا إدراكها عبر مجموعة من الزوايا:

  • زاوية الجمل الاسمية الطارحة رؤية الشاعر / الشعراء، مؤسسة لنظامها الشعري وطارحة مجموعة من المعاني بوصفها سمات الفعل الشعري.
  • زاوية الفعل عبر مقاربة الأفعال عبر اسنادها للذات أو للجماعة أو للقوى الأخرى.
  • زاوية الصورة في تشكلها البلاغي والتخييلي وقدرتها على تقديم جماليات القصيدة جزئيا وكليا.

والزوايا جميعها تصلح مقترحات لقراءة النص، قراءة جزئية تقوم على زاوية واحدة منها، أو قراءة كلية تقوم على مجموعة الزوايا مجتمعة.

نصيا تتماسك القصيدة لتقدم مشروعها مترابطة أجزاؤها بقدر يسمح لمتلقيها أن يبقى في سياقها دون خروج عن مقتضيات إنتاج الدلالة فيها منطلقا من العلامة الزمنية يبتدئ الشاعر حركته الشعرية الثانية بعد حركة الاستهلال:

“اليوم مولدنا معًا يا أيها الشعراء، 

والِدُنا المجاز،

ونحن أبناء الحقيقة بالتبنّي.

والفن بِدعتُنا،

الفن راحلةٌ تطيرُ؛

ولا تطير قصيدة للعالم الأعلى البعيد بغير فنّ.”

لنا أن نفهم المجاز (الوالد) بوصفه الشعر والشعراء في زمن قديم اعتمد على الخيال، فجاءت القصيدة مساحة من خيال يبتعد عن الحقيقة التي هي عصب العصر، فالحقيقة تتبنى الشعراء استكمالا لتحقق مساحة الفعل الجمالي المشير إلى الحقيقة بوصفها واقعا والواقع بوصفه حقيقة واقعة لا مجال لتزييفها بالخيال، والخروج من الحقيقة احتمال لا واقع، وهو ما يعتمده الشاعر حين ينطلق في الحركة الثالثة من الظرف الاحتمالي (إذا) بوصفه ظرف لما يستقبل من الزمان والاستقبال يمثل نوعا من الاحتمال، والشاعر يستثمر طاقة الاحتمال في التجريب، فكل احتمال هو شكل من أشكال التجريب، وإخضاع الأمور للتجربة، وهو ما يؤكده تعبير الشاعر في دلالته على حث الشعراء على تجريب الجديد وتجريب طاقة الأشياء:

وإذا ابتعدنا في الحقيقة

لم يزدنا بُعدنا في الشعر،

في المعنى اللذيذ سوى التدني

ها نحن ننقل صورة الأشياء 

في فلكٍ لآخر في المدارات القصية،

حين لم نعبأ إذا كنا انتقلنا نحن من سجنٍ لسجنٍ.”

يضاف إلى المعنى السابق، استثمار الشاعر لطاقة العلامة اللغوية الدالة على الجمع (نحن) في تكرارها أربع مرات ، وفي قدرتها على سيطرة صوت الشاعر / الشعراء على القول الشعري مبرزة قيمتها الجمالية، فهي علامة تتكافأ مع العلامة الموازية (أنا) داخلة معها في حوار نصي دال يكفينا منه الإشارة على تفوق الجماعة على الفرد (تتكرر “نحن” أربع مرات في مقابل “أنا” ثلاث مرات) وهو ما يمثل انتصارا لصالح الجماعة دون نفي الفرد بوصفه البنية المؤسسة للجماعة البشرية، والشاعر في تعبيره بالكون (أربع مرات) بصيغة خبرية تقرر طرحه وتؤكده تنبيها وتوعية به، وبأنه صورة ليست وردية، فالشعراء لا يسعون لإنتاج عالم سعيد:

ها نحن كونٌ مثقلٌ بالهم،

أثقل كائنٍ حيٍ يطيرُ،

يرف في يدنا الخيالُ كما جناح فراشةٍ حينا،

وجناح عاصفةٍ إذا اختيرت عواطفنا،

وجناح هذا الكون؛

إن الكون للكونِ” 

يكتسب هذا المقطع أهميته من كونه يخلو من فعل الجماعة الشعرية لتنفرد القوى الأخرى (في مقدمتها الكون) بالفعل، حيث الفعال في المقطع مسندة إلى قوى ليست تنتمي تماما للشعراء مما يجعلها قوى أخرى مناهضة أو منافسة للشعراء في إدراك الكون الذي يستثمر الشاعر معه طاقة الإخبار والوصف (نحن كون مثقل بالهم) معتمدا صيغة اسم المفعول للفعل أثقل (فلم يقل نحن كون ثقيل مثلا)، حيث اسم المفعول يدل على مجهولية الفاعل في دلالتها على أن قوة أخرى (كبرى) قد كانت سببا في حدوث الهم بوصفه فعلا لا يتحمل الشعراء مسؤوليته ، نفيا لكونهم سببا في وقوع الشجن أو ما يؤدي إلى الهم.

أبناء الحقيقة حبيب علي (2)

*أستاذ البلاغة والنقد بجامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

تويتر: @eldab32

فيسبوك:https://www.facebook.com/profile.php?id=100002926924943

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *