الأكثر مشاهدة

  – د. مصطفى الضبع* لأن الشعر دون غيره من فنون الإبداع أكثر قدرة على الإمس …

قراءة في “فنجان ابن ووهان” للشاعر حسن الزهراني

منذ 3 أشهر

35

0

 

– د. مصطفى الضبع*

لأن الشعر دون غيره من فنون الإبداع أكثر قدرة على الإمساك باللحظة العابرة، فإنه أكثر استعدادا لاصطيادها مهما كانت ظروفها، ومهما تعاظمت آثارها، وفي ظل الأزمة العالمية الأخيرة، نشطت الأقلام لمجابهة المحنة ومحاولة التعبير عنها أو محاولة التأسي من آثارها، والخروج من آثار الحجر المنزلي الذي لم يكن قبوله ترفا أو الصبر عليه اختيارا، وعلى الرغم من هذه الخاصية فإن الظروف – ربما النفسية – حالت دون تفعيل خاصية الاستجابة الشعرية، ولم ينطلق الشعر كعادته في ظروف لها طابعها الدرامي حد المأساوية.

وفي ظل الخوف الكامن في النفوس لم يقف الشعر صامتا، نعم قليلة هي النصوص الشعرية التي طرحت نفسها بقوة، ومن هذه النصوص قصيدة الشاعر حسن الزهراني المعنونة ” فنجان ابن ووهان” التي تعبر عن نموذجها الشعري.

في لحظات الضيق يتسع أفق الخيال بحثا عن مخرج وتشتعل الذاكرة بحثا عن ملجأ أو بحثا عن ثغرة أكثر اطمئنانا،

وهو ما يمثل خيطا يتجلى في تجليات التناص/التناصات والاستدعاءات التي اجتمعت في جسد القصيدة.

تستهل القصيدة بضمير المخاطب العابر للزمن والجامع بين شخصين في زمنين متباعدين (صوت الشاعر ممثلا للذات) والمعري بوصفه عابرا للزمن، مستقطبا من قبل الشاعر ومستعارا من زمنه لأداء وظيفته الجمالية في سياق النص، والشاعر حين يستعيره يضعه في مجاله الحي ويعبر استعارة مجموعة من العناصر المساهمة في تشكيل صورة المستعار: عريب – شارية – القهوة “أنا و (المعرّي)

على (مكتبي) بعد منتصف (الحظر)

في نشوةٍ وسرورْ،بيننا (الشاذلية)

بالهيل والزنجبيل المُصفى تفورْ.

ونحن نُلحّن بيتين من شعرنا العذب

قال المعري:

هُما لي..

وقلت أنا:

لا .. و لا..

بل لِيَهْ ..”

ظهور المعري مقصود جماليا كما هو مقصود موضوعيا ودلاليا، والشاعر يوظف شخصية المعري عبر ثلاثة عناصر كائنة في شخصيته:

1- كف البصر في مناسبته لحالة العماء التي يعيشها العالم، أو التي يجد الإنسان نفسه أسيرا لها.

2- فلسفة المعري، في مناسبتها لهدوء اللحظة تجاوزا لصخب كان من الممكن أن تكونه الأزمة أو يفرض نفسه على الأزمة.

3- نموذج المعري رهين المحبسين، في مناسبتها للحجر ومشابهته لها.

وجميعها تؤهل للتواصل بين الزمنين، وتعمل على تحقيق دائرة تضم الطرفين، منتجة استعارة تقيمها الشخصية الاستعارية التي اعتمدها الشاعر نظاما شعريا أو أساسا لنظام القصيدة في أسلوبها المؤسس على الجملة الأولى “أنا والمعري” من حيث هي الاختطافة الأولى التي يعتمدها الشاعر لاختطاف متلقيه مدخله إلى طقس النص ومخرجه من مناخ الحجر ومجال الأزمة.

فعل الحركة وفاعليتها

القصيدة محاولة للخروج من الأزمة نفسيا، وتعبير عن حالة الحجر التي عاناها الجميع والشاعر لا يعبر عن ذاته بقدر تعبيره عن الأزمة في عمومها والبشر في كافة، وقد فرضت المحاولة نفسها على الطقس العام للقصيدة، حيث الخروج يتطلب حركة والحركة تنتج الحيوية والحيوية في حد ذاتها طريقة ناجعة لتجاوز أزمة الحجر وضيق مجاله.

وقد اتخذت الحركة أشكالا عدة عملت على تشكيل جمالياتها:

– الانتقال عبر الزمن.

– استقطاب شخصية المعري.

تعدد الأفعال في القصيدة، وخاصة أفعال الحركة.

تطغى الأسماء على المقطع الأول وفي المقابل يأتي المقطع الثاني جامعا بين نوعين من الأفعال: الأفعال الفردية (تشير إلى فعل فردي إلى حين) حيث يتدرج الفعل في دلالته على فاعله من المفرد إلى الجمع: تداعب – تدندن – تشير ، يأتي الفعل علامة على اتصال ناشئ أو عملية اتصال تكاد تتشكل بين اثنين، والثنائية أولى خطوات الطريق للجمع، وممهد لحضور الجماعة وهو ما يتحقق عبر الأفعال المتوالية: اختلفنا – اتّفقنا – قمنا- نُغنّي :

“وكانت (عَرِيبُ) تُداعبُ أوتار عودٍ قديمٍ.

تُدندن حِينًا

وحينًا

تُشير إلى ( شَارِيةْ ).

*

اختلفنا على اللّحنِ

ثم اتّفقنا

وقمنا نُغنّي جميعاً بأصواتنا الفَاهِيةْ:

(غيرُ مُجدٍ في عُزلتي وانطوائي

     جَمعُ صَحبٍ ولا زيارة نادي

أقلقتنا هذي (الكرونا) فبِتنا

    بين (كمّامةٍ) وغسل أيادي)

ويأتي الصوت الجماعي تعبيرا عن أزمة استعاروا لها صوت المعري في بيته الشهير:

غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي  

   نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ

مستثمر القول السابق في إحداث انتهاكات على الأصل لصالح التعبير عن اللحظة الراهنة كشفا عن حالة الانتهاك للإنسانية كلها على يد الكورونا التي ضربت كل خطوط التواصل الإنساني، وأنهكت كل البشر، وأجهضت أحلامهم، كما يستثمر الشاعر طاقة التناص في التعبير عن أزمته بما يحققه من أساس لبلاغة اتصاله بمتلق يبدأ معه من منطقة محددة (بيت المعري)، ويتحرك نحو رسالة نصية يتغياها الشاعر ،حيث يضع متلقيه في مساحة تعارف بينهما (قول المعري)  وبعد أن يؤهل متلقيه يباغته بمقولته المغايرة وإن جاءت على الوزن نفسه :

أقلقتنا هذي (الكرونا) فبِتنا

    بين (كمّامةٍ) وغسل أيادي)

بعدها يلجأ الشاعر إلى مد خيوط التواصل مع الآخر جاعلا من الاستهلال السابق تمهيدًا سرديًا يؤهل متلقيه لسؤال: وماذا بعد؟، فاتحًا له طريقًا مغايرًا لاكتشاف الصراع الذي استهل به القصيدة، صراع على امتلاك الكلمة، امتلاك الصوت القادر على حسم أمر الصراع، من يقول ومن يمتلك القول، الصوت القديم أم الصوت الحديث؟، وكأن الشاعر أراد حسم الأمر من خارج الصراع ففتح المجال للترقب الذي يشير له طرق الباب بوصفه صوتًا مغايرًا للصراع الذي كان من الممكن أن يطول، وأيضا استمرارا للصوت الجماعي، حيث الالتفات أولا والأذهان المتشاركة في الحيرة أو التي تجمعها الحيرة بالأساس، يضاف إلى ذلك أن يناء الفعل للمجهول أضاف قدرا من الغموض في دلالته على جهل الجماعة بالطارق المفاجئ، مؤكدا على جماعية الجهل أو المشاركة فيه والوقوع في أسره، وهو تترجمه تعبيرات الشاعر التي يعتمدها محملة بميراثها الدلالي (دلالة الطرق في المعنى القرآني مثلا):

“طُرقَ البابُ.

عَمّ هدوءٌ رهيبْ…

التفتنا وفي صمت أذهاننا حيرةٌ

وسؤالٌ

تلاه سؤالٌ

تلاه سؤالْ .!

من سيأتي بلا موعدٍ آخر الليل؟!

ماذا يريد؟!

بل وكيف أتانا من الشُّرفة العاليةْ ؟!..”

وإذا كان توالي الأسئلة دالا على الحيرة والجهل وغيرها مما يكون مطروحا على الوعي فإن السؤال يتطلب إجابة ممن يكون مؤهلا لها، الشاعر أو من يمثله في القصيدة بوصفه صوت الوعي:

“قلت في دهشةٍ: من .. ؟!

فأهوى عليّ المعري برأس العصا

شَجّ رأسي وقال:

افتحي الباب يا جاريةْ !! .

قلت : لا..

إن فتحنا هلكنا

وكانت نهايتنا القاسيةْ”

ويكاد المشهد ينغلق على الدهشة أولا وعلى المباغتة المحيرة ثانيا مانحا المشهد قدرا من التشوق، وممهدا لأسئلة أخرى يطرحها النص كما سيؤول إليه الأمر لاحقا ، وهو ما يعيد المتلقي إلى نقطة البدء عبر السؤال المتكرر وماذا بعد ؟ ذلك السؤال الذي يطرحه الشعر وتتولى معطيات السرد الرد عليه أو محاولة العمل على تقديم مجموعة من العلامات النصية التي تتدخل في إنتاج التأويل، وكما استقر النص على حضور الصوت الجماعي، يأتي المشهد السابق منتهيا بالصوت الصارم ” نهايتنا القاسية”، وخلافا لفعل الكينونة الأول ” كانت عريب تداعب “، يأتي الفعل الثاني في نهاية المقطع بصيغة التمام مؤكدًا على قوة النهاية القاسية.

يواصل الشاعر حسن الزهراني  تشكيل الصورة الكلية للمشهد الإنساني عبر رسمه لصورة الضيف الثقيل الذي اغتصب أمان البشرية، وأحال طمأنينتها رعبا، وسكونها خوفا :

قلت: لا..

إن فتحنا هلكنا

وكانت نهايتنا القاسيةْ 

عبر وعيه الخاص وقدرته على استشراف ما قد سيكون، يحذر الشاعر من الفتح المهلك، أو الحركة غير المحسوبة، غير أن الطارق لا ينتظر فعل الفتح ليدخل، وإنما يفتح الباب قسرًا مغتصبًا الوقت وفارضًا نفسه على الجمع:

فُتح الباب قسرًا

أطلّ علينا فتىً من هُلامٍ

بِبزته الزّاهية.

قال: صبّوا من الشاذلية لِلضيف،

أو إن وجدتم نبيذًا فيا حبذا…

إنني جئتُ من بلدةٍ نائيةْ..

تجسيدا للفيروس في صورة إنسان (عاقل) موحيا بوعيه بما يفعل وحركته المحسوبة أو الصادرة من وعي، وهو ما تؤكده كلماته الدالة على معرفة بما هو كائن من مشروبات (الشاذلية النبيذ ) وهو ما يكشف عن مساحة من التناقض أو التأرجح بين سكرة النبيذ وإفاقة الشاذلية (القهوة)، وقدرته على التلون ومسايرة الثقافة السائدة، حيث المقهى هنا نسق ثقافي يعايشه الزائر أو يطلبه بوصفه علامة على ثقافة حل بها ، فيما يأتي النبيذ احتمالا يؤكد احتماليته حرف الشرط الدال على الشك، وفي مقابل الاحتمال يفرض الزائر يقينا بقدومه من بلدة نائية (إنني في دلالتها على التأكيد).

وقبل أن تتكشف الأمور يرسم الشاعر صورة للمشهد في دلالته على فعل الإرهاب الذي يمارسه الزائر وآثار ذلك في النفوس، وتوابع ذلك من نتائج زائفة في مخالفتها لطبيعة الحياة، والشاعر يستثمر طاقة الكناية للتعبير عما ترتب على زيارة الضيف الثقيل:

ارتبكنا ونحن نرى نار عينيه،

والشّرر المُتطاير من بين جفنيه

في لَحظةٍ داجِيةْ.

لم يُعِرنا اهتمامًا وألقى (الشّماغ) بِوجهِ (المعرّي) فعاد إليه البصرْ…!!!

فبكى

وبكينا

جرى دمعنا أنْهُرًا في القفارْ..

وتبسّم في غصن رُمانِهِ الـ(جُلنار ْ) ..

واستحالت جميع الصحاري مروجًا من الفلّ والياسمين،

والندى في سرورٍ يكحّلُ في كل صبحٍ رموش الشجر ْ..

حيث الدموع التي جرت أنهارا في تعبيرها الكنائي عن الكثرة، وهو ما يدل بدوره على الاستمرار الدال على بقاء الضيف زمنا، فإن الدموع أحالت المكان إلى صورة تبدو للوهلة الأولى جنة غير أن المتأمل في حقيقتها يدرك أنها ما كانت لتكون لولا دموع البشر المتدفقة بفعل آثار الضيف الثقيل ونشاطه المهلك للبشر.

بعدها يأخذ الحوار صورة السجال بين الشاعر والزائر الثقيل الذي فرض نفسه على وعي اللحظة، ومساحة اللقاء ، والسجال في حد ذاته فعل كاشف عما يريد الشاعر توصيله لمتلقيه ، فالحوار ليس مقصودا لذاته وإنما هو قناة توصيل يقدم الشاعر من خلالها معرفته للمتلقي، مشكلا مساحة من المعرفة تفسر الغامض الذي يتخبط فيه الجميع (من سمات أزمة كورونا تضارب المعلومات وافتقاد كثير منها للثبات والرسوخ، ما يخص انتشار الفيروس وتأثره بالحرارة على سبيل المثال).

يتشكل الحوار من صوتين: صوت الشاعر بوصفه اختزالا للبشرية، وصوت الفيروس الغازي أرض البشر، الصوت الأول تتشكل مادته من جمل حوارية تتسم بالطول تعبيرا عن الحال وشكوى الأوضاع التي يضيق بها البشر، والصوت الثاني يتشكل من خمس جمل حوارية تأتي في المرتبة الثانية من حيث الطول ويعتمد فيها الفيروس لازمة مخيفة على بساطتها، تتكرر أربع مرات حاملة معنى التهديد والوعيد دون تقديم إجابات شافية ففي كل جملة يكرر قوله:

اهدأوا  ياااابشر ْ..

واستعدوا  لـ أمرٍ .. أمَرْ ..

غير آبه بشكوى البشر ولا كم المشكلات التي تسبب فيها، يوجه جملته التحذيرية المتكررة بكل ما تحمله من دلالات تعبر عنها صيغة الأمر المتكررة في الفعلين الموجهين للجماعة البشرية وكأن الشاعر حين يشخص الفيروس يمنحه بعض القدرة على التفكير ليعرف ماذا يفعل وكيف يفعل، وكونه يحذر أو يهدد بالمستقبل فهو على قدر من اليقين بما سيفعله أو بما يخفيه للبشرية، وهو ما يعبر بدوره عن وجهة نظر الشاعر حين يبث قصيدته مستهدفا التحذير والتنبيه والعمل على بث قدر من الوعي في نفوس البشر في مقابل تهديد الفيروس .

في حوارية أشبه بالمجابهة بين الشاعر والفيروس يجتهد الشاعر في تصوير الوضع الراهن في سلسلة من الصور يستهلها بخطاب الإدانة عبر صوت الفيروس، والشاعر يعمد إلى إيهام المتلقي بأن الصوت ينتمي إلى الفيروس غير أنه إضافة إلى ذلك يمكنه أن يكون تعبيرًا أصيلًا عن رؤية الشاعر أيضا متخذًا من الفيروس وسيلة لبث موعظته بصوت مفعم بالقسوة اللفظية على البشرية:

أنتم الآن أحقر خلقٍ على الأرض.

كرّمكم خالق الكون عن كل خلقٍ

فحِدتم عن الحق.

حَاقَ بكم مكرُكم حين لم تُغنِكم أيها السادرون النّذر

يرتدي الفيروس مسوح الواعظين معتمدا خطابا يجمع بين الوعظ والتأنيب والتشفي، وهي سمات بشرية تحيل إلى مستوى من ثقافة البشر العاجزين عن فعل شيء سوى الاشتغال على خطاب لا يتناسب والأزمة مخالفا الأعراف التربوية : لا تلم مصابا، فقط عالجه ثم قدم له مواعظك لاحقا، فالمواعظ لا تنقذ من هو في حدث طارئ والعقل البشري لا يستوعب نصا في حال توتر النفس وألمها، وهو ما يجعل خطاب التهديد قائما، متكررا، متواترا على مدار الحوار :

قهقه الوغد دون اكتراثٍ وقال: اهدأوا يا بشر..

واستعدوا لِـ أمرٍ أمرْ .

وتأكيدا على حالة البشرية التائهة، المترددة بين المقولات والتحليلات، يأتي سؤال الشاعر جامعا لمعاني الاستفهام حقيقيها ومجازيها، والسؤال في طرحه تعبير عما يعانيه الجميع من فوضى المعرفة أو تناقض المعلومات، أو غياب الحقيقة، والشاعر إزاء ذلك يقيم جدارا من الأسئلة الاحتمالية، فيقيم مقطع القصيدة الأخير على مجموعة من الأسئلة:

أنتَ من أنت؟!!

هل أنت لُعبة أوغاد هذا الزمان: الجديدة،

أم حتفنا المُنتظرْ؟!!

ومن هم؟!!

وأين يقيمون؟!!

كيف يديرون عالمنا في الخفاء؟!!

وماذا يريدون مِنا ؟!!

والأسئلة وإن حملت قدرا من التيه والهذيان فإنها تشير إلى حقائق مطروحة لم تحسم بعد، تتحرك دلالاتها من منطقة الحقيقة إلى منطقة المجاز، والسؤال الأول الذي يحمل معنى البحث عن المعرفة فإنه في الوقت ذاته حين تتوالى بعده الأسئلة – يحمل معنى الجهل بأسباب الأزمة وكينونة الفيروس، ذلك الذي لا يمك هو نفسه إجابة، ولم يشفع له التشخيص في منحه قدرا من العقل يسمح له بتقديم إجابة، إذن فهو مجرد طاغية جاهل، أو كيان متغطرس لا يملك سوى تكرار تعبير دال على ما هو عليه من الجبروت:

اهدأوا يا بشر..

واستعدوا لـ أمرٍ أمرّ .

لأن الأدب لا يقدم حلولا وإنما يرصد حالات ويضع أيدينا على مواضع الخلل، فإن الشاعر حين اختار رموزه للتعبير عن الأزمة، وضعنا في حالة من القلق المحفز للخروج، أو الباعث لأن تبحث البشرية عن طرق للخروج، ولا تبقى رهينة المحبسين : الفيروس والحظر، كما كان شان أبي العلاء المعري الذي وظف الشاعر شخصيته بوصفه علامة على الحبس أولا وعلى التشاؤم ثانيا، وعلى الاستسلام ثالثا:

ثم قام المعري وألقى عصاه ومدّ يَديه  

فإذا كان المعري يمثل جانبا فكريا في الثقافة العربية، فإنه حين يستسلم تتبعه بقية الجماعة لتحل المفارقة الأخيرة، الرقص على صوت فيروز :

فألقت عريب وشارية الحسن: عوديهما ومضوا يرقصون على صوت ( فيروز )  قبل السّحر :

(على دلعونا على دلعونا

    متى نتخلص من ذي الكورونا )

(قولوا لأوروبا وقولوا لأمريكا

    والصين العظمى جننتمونا)…

الرقص في مواجهة الأزمة وهو قد يحمل معنى الرقص الزربوي (نسبة إلى زوربا الذي يرى الرقص نوعا من الفلسفة)، وإنما هو رقص الذبيح من الألم على حد تعبير الشاعر العربي ()، يضاف إلى ذلك أن الرقص على صوت فيروز ينتج مفارقة تتكشف حين لا يكون الصوت المنطوق أو الكلمات المستخدمة تخص فيروز وإنما هي كلمات عبثية تعبر تعبيرا دقيقا عن الأزمة وتداعياتها، حيث لا يقين بقدر ما هو تخبط وعبث، والتناص لا يحيل إلى معنى ذي قيمة بقدر ما يحيل على عبث تنهي به القصيدة أعمالها ولكن تبقى دلالتها، دالة على المشهد أولا وشاهدة على تجربة شاعر قادر على الاشتغال في لحظة الأزمة قائلا كلماته عبر الفن ومؤديا رسالته عبر الجمال.

*أستاذ البلاغة والنقد

 جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود