الإبعاد الاجتماعي في عصر الإنترنت(2)

 

 

 

الدكتور جهاد فيصل العمري*

تحدثت في المقالة السابقة عن أهمية المسافة الاجتماعية أو الإبعاد الاجتماعي (باللغة الإنجليزية Social distancing ) كإجراء لمكافحة الأمراض المعدية وإبطاء انتشارها عن طريق تقليل الاتصال بين الأشخاص المعرضين للعدوى. في هذه المقالة سيتم النظر في دور وأثر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي في ظل الإبعاد الاجتماعي. هناك ثلاثة أسئلة لدراسة أبعاد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية في ظروف الإبعاد الاجتماعي، الأول ما مدى قدرتنا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية في هذا الظرف؟ الثاني ما مدى تأثرنا باستخدام تلك الوسائل أثناء الإبعاد الاجتماعي؟ الثالث ما الأثر المتوقع، لاحقاً، لاعتمادنا على وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية بعد انتهاء الأزمة والعودة للحياة الطبيعية؟
لمعرفة مدى قدرتنا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية أثناء الإبعاد الاجتماعي، دعونا ننظر لهذه التقنيات قبل الأزمة. تشير الإحصائيات أن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية قد تجاوز الثلاث مليارات وسبعمائة وخمسون مليون مستخدم. اتخذت كوسيلة تواصل للكثير من الأنشطة الاجتماعية كبديل للتواصل التقليدي من زيارات شخصية ولقاءات اجتماعية. فكم من قريب وصديق بل وغريب يتواصلون معاً بشكل يومي عبر خدمات الرسائل مثل (WhatsApp ) و (iMessage ) أو شبكات التواصل الاجتماعي مثل تويتر (Twitter ) وإنستغرام (Instagram) وسناب شات (Snapchat) بينما لم يلتقوا فعلياً منذ أشهر أو سنوات أو حتى لم يلتقوا أبداً. لذا وعندما أصبحت هذه الوسائل الافتراضية هي الخيار الوحيد للقاء في ظل متطلبات الإبعاد الاجتماعي لم نجد صعوبة في التأقلم على هذا الانتقال في طريقة التواصل. هذا التأقلم ساعد الكثير في الالتزام بمتطلبات الإبعاد الاجتماعي وخفف من عبء العزلة في المنزل وأشبع الحاجة الفطرية للتحدث مع الأقرباء والأحباب ومشاركتهم أفراحهم وهمومهم.
من جهة أخرى، ولدراسة مدى تأثير استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي أثناء الإبعاد الاجتماعي فإن علينا معرفة أثر هذا الاستخدام قبل هذه الظروف. استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية لم تخلو في الظروف الاعتيادية من آثار اجتماعية ونفسية إيجابية وسلبية. حيث إنه ظهرت عبر العديد من الأبحاث حول وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية أن هناك آثار اجتماعية ونفسية لاستخدام هذه التقنيات. على سبيل المثال وكجانب إيجابي لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية يشعر مستخدمها بارتباط أكثر بأصدقائه لتكرار وتنوع اللقاءات وبارتباطه بشريحة أكبر من الأصدقاء والأقرباء دون الحاجة لتجاوز المسافات الجغرافية أو القيود الاجتماعية وبالتالي الشعور بالدعم المستمر في الظروف الصعبة بغض النظر عن تلك المسافات والقيود. هذه الإيجابيات ربما ظهر أثرها بشكل كبير وواضح في ظروف الإبعاد الاجتماعي وكانت المعين بإذن الله في تحمل ضغوطات هذه الظروف المستجدة والتعويض عن انقطاع الزيارات الاجتماعية للأهل وآلام البعد عن الأحبة. كما أن الآثار السلبية التي رُصدت لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية بشكل عام، مثل تأثر مستخدم تلك الوسائل من أخبار الأحداث الدرامية التي تحدث في العالم والتي تصله عبر تلك الوسائل أو الشعور بالضغوطات الاجتماعية للقيام بالمشاركة المستمرة والمجاملة في التفاعل قد تتضاعف في ظل الظروف الراهنة بسبب كثافة التواصل الاجتماعي الافتراضية وبالتالي زيادة التعرض لتلك الضغوطات. فهل سنتأثر كمستخدمين لتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية بشكل مضاعف بسبب الإبعاد الاجتماعي واعتمادنا عليه كبديل عن الزيارات الشخصية وهل سيتزايد الأثر السلبي للأحداث الدرامية علينا بسبب هذه الظروف؟ أم أنها ستكون عوناً لنا لتجاوز هذه الظروف؟

ولدراسة أثر الظروف الراهنة من تطبيق الإبعاد الاجتماعي كأسلوب حياة والتي أدت بنا إلى الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية كبديل للقاءات الاجتماعية، ولمعرفة إذا ما كان سيتحول هذا السلوك المستحدث من الاعتماد الكلي على تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي في تواصلنا اليومي بأقربائنا وأصدقائنا إلى عادة جديدة تستمر معنا بعد انتهاء الازمة والعودة للحياة الطبيعية، نحتاج الرجوع لما قدمه الباحثين من معلومات حول المدة التي يحتاجها البشر لاكتساب عادة جديدة. حيث أشارت بعض الأبحاث أن المدة الازمة لاكتساب عادة تتراوح من شهرين لثمانية أشهر حيث أن متوسط الوقت للوصول إلى 95% من التلقائية لأي عمل هو القيام به لمدة 66 يوم بنطاق يتراوح من 18 يوم عند البعض إلى 254 يوم عند البعض الآخر. فهل فعلاً سنعتاد أكثر على استخدام وسائل التوصل الاجتماعي كبديل عن اللقاء المباشر وهل سنوسع دائرة من نكتفي بالتواصل معهم افتراضياً بدلا من حسياً لتشمل هؤلاء المقربين الذين كنا لا نكتفي من زيارتهم، فيصبحوا بعدها اسماً بقائمة رسائلنا، نتبادل معهم رسائل جاهزة، أم أن شوقنا للقاء الأحبة بعد العزل والإبعاد الاجتماعي سيجعلنا أكثر حماساَ للقاءات الفعلية الحسية وأكثر تقديراً لأهميتها. الزمن كفيل بالإجابة على ذلك، لنرى هل سيعودون للقاءات والاجتماعات الحقيقية بعد انقشاع الغمة وعودة الناس لخيارات اللقاء من افتراضي وحسي أم سيكتفون بتلك الوسائل الافتراضية.

حتى ذلك الحين سأتذكر تأكيد ابن أختي بأننا:

“سنعود للاتصال المباشر ولن نتوقف عن ذلك إلى أن نستطيع إدارة كاسات الشاي وفناجين القهوة عن بعد”.

*كاتب سعودي
حساب تويتر: @GH574_1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *