مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أبو فراس الحمداني إعداد_هدى الشهري اسمه الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، وُلِِدَ …

أبو فراس الحمداني وروميّات الشجن

منذ 7 أشهر

468

0

أبو فراس الحمداني

إعداد_هدى الشهري

اسمه الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، وُلِِدَ في الخلافة العباسية، كان أبوه أميراً من أمراء بني حمدان، أما أمه فكانت روميةً يقال إنّها كانت سبيّة حرب، وقد قُتل والده وهو في الثالثة من عمره، فعاش يتيماً وربته أمه بمساعدة ابن عمه سيف الدولة الحمداني الذي كان حاكماً على بلاد الشام أنذاك، فأهتم به وأولاه عنايته ورعايته، خاصة حين رأى منه نبوغًا في شعره وقوةً وحُسن تخطيطٍ في المعارك، فشّب فارساً شجاعاً، فقد كانت تبدو عليه دلائل القوة، كما كان خلوقاً وذكياً، وكان دائم الفخر بنفسه وشجاعته.

كان «أبو فراس الحمداني» أحد أهم مُجالِسي «سيف الدولة» في مجلسه الخاص الذي كان يُدعى إليه الشعراء، وفي تلك الأثناء عاصَر «المتنبي» ونافَسه في بلاط «سيف الدولة».  

وعلى الرغم من معاصرة المتنبي لأبي فراس، وكونهما أقرب الشعراء لسيف الدولة مع تفضيل الأمير للمتنبي الذي عاش مكرَّماً مميزاً عن غيرهِ من الشعراءِ في حضرته؛ فنشأت بينهما علاقة ودٍّ ومحبّة، وأغدقَ عليه الأمير بالعطايا والهِبات على مدائحه فيه، وصار يصطحبه معه في حروبهِ وغزواتهِ ويشهد معه المعارك فيصفها في شعره، ومما هو معروفٌ عن المتنبي أنّه لا يمدح أحداً قط غيرَ الأميرِ، فبغضهُ الشعراء والأدباء الذين في القصر وعلى رأسهم شاعرنا، فبرغم شهرة كلٍّ منهما ومكانته المرموقة عند الأمير إلا أنَّ العلاقة بينهما كانت متوترةً يشوبُها الجفاء فقد كان من أشدِ خصومه ومنافسيه، وقد نشبت الغيرة بين الشاعرين، وأصبح لكلٍّ منهما مناصرين، وانقسم من بالقصرِ إلى فريقين؛ فكان ابن خالوّيه من أنصار أبي فراس، وابن جنيّ من أنصار المتنبي، وكان كلُّ من الشاعرين يحاول التقليل من قدر الآخر، فكان أبو فراس يرى “أن المتنبي رجلٌ من السوقة رفعه شِعره”، بينما كان المتنبي يرى “أنَّ أبا فراس أميرٌ رفعته الإمارة من شِعره درجات”، وهنا تظهر شدة الخصومة بينهما حين ألقى المتنبي ميميته الشهيرة في حضرة سيف الدولة والتي يقول فيها: 

                   
                             يا أعدل الناس إلا في معــاملتي                     فيك الخصام و أنت الخصم والحكم

فانتقده أبو فراس في العديد من المواضع، وقلل من بعض ما قال مما كان سبباً في غضب سيف الدولة على المتنبي، وتقديم شاعرنا عليه.

تتلمذ أبو فراس على يد ابن خالويه الذي كان من أشهر المعلمين في تلك الفترة، فأخذ عنه علوم اللغة واللسان، وقد ظهرت سعة معرفته وثقافته في فخره بشكلٍ غير مباشرٍ في ذكره لتاريخ عائلته الحمدانية، وذكره لتاريخ بطولاتها في المعارك. فقبيلته تغلب والتي كانت من أعز قبائل العرب وأرفعهم شأناً، كانت الوحيدة التي تصدت للروم في تلك الفترة، وحملت على عاتقها المسؤولية القومية والدينية، ويظهر ذلك واضحاً في رائيته الشهيرة، حيث تغنى فيها برجولته معتزاً وفخوراً بمكانته كما في قوله:

سـيـذكـرني قـومي إذا جـد جـدهـم 
وفـي الليلة الظـلمـاء يفتـقـد البـدر

فإن عشت، فالطعن الذي يعرفونه                 
وتلك القنا والبيض والضمر الشقر

وإن مـت فـالإنـسـان لا بــد مــيـت               
وإن طـالـت الأيـام وانـفسـح العمر

ولو سد غيري ما سددت اكتفـوا به               
وما كان يغلو التبر لـو نفق الصفر

ونـحـن أنــاس لا تــوســط بـيـنـنـا               
لنا الصـدر دون العـالميـن أو القـبر

تـهـون عـليـنـا في الـمعالي نفوسنا               
ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهـر

أعـزُّ بني الدنيا وأعـلى ذوي العلا               
وأكـرم مـن فـوق التـراب ولا فـخــر

 

وعلى الرغم من وفاة الشاعر في أواخر الثلاثينات إلا أنه نظم  في مختلف الأغراض الشعرية من مديح وهجاء وحكمة وعتاب وغزل، ومع ما تمتع به من موهبة شعرية كبيرة إلا أنه لم يكن يتخذ من الشعر صناعة، أو وسيلة للتكسب كغيره من الشعراء، حيث يغلب على أشعاره طابع الأنفة والكبرياء، كما خلت من أغراض المديح التكسبي، والهجاء المأجور، أو اللعب كغيره من الشعراء المعاصرين له، إلا أنه قام بنظم بعض القصائد في مديح أقاربه افتخاراً بهم بعيداً عن المادة.

وقد اقتصرت أغراض شعره على الموضوعات التي تناسب شخصيته، ومكانته وعزة نفسه، بالاتفاق مع مفهومه لوظيفة الشعر في مختلف الأغراض، والذي تميز عنده بالأحاسيس المرهفة والمعاني الجميلة، التي تعبر عن شخصيته، فجاء شعره ملامساً  لقلوب السامعين لكونه ينبع خالصاً من نفسه،  ومن ذلك قوله متغزلاً:

                              الـوردُ في وجنـتـيــهِ                            وَالسِّحْرُ في مُقْلَتَيْـهِ!

                              وَإنْ عَصــاهُ لِـسَـانـي                           فَالقَلْبُ طَوْعُ يَـدَيْـهِ!

                              يَا ظَالِماً، لَسْتُ أدْرِي                           أدعو لهُ ، أمْ عليـهِ !

                             أنَـــا إلــى الله مِــمّــا                           دفــعــتُ مـنـهُ إلـيـهِ !

أما غرض الرثاء فلم يوجد له الكثيرمن الشعر فيه، إذ إنّه يرى الموت بضاعة مستهلكة، ولكنه رثى بعض المقربين منه، ومن ذلك ما نظمه في رثاء والدته، فقد كان لموتها وهو في الأسر عظيم الأثر على إنهاكه نفسياً، وإفقاده الرغبة في العيش، حيث يقول:

                            أَيا أُمَّ الأَسيرِ سَقاكِ غَيثٌ                      بِكُرهٍ مِنكِ ما لَقِيَ الأَسيـرُ

                            أَيا أُمَّ الأَسيرِ سَقاكِ غَيثٌ                      تَـحَـيَّـرَ لايُـقيـمُ وَلا يَـسـيرُ

                            أَيا أُمَّ الأَسيرِ سَقاكِ غَيثٌ                      إِلى مَن بِالفِدا يَأتي البَشيـرُ

                            أَيا أُمَّ الأَسيرِ لِـمَن تُـرَبّـى                     وَقَد مُتِّ الذَوائِبَ وَالشُعورُ

                            إِذا اِبنُكِ سارَ في بَرٍّ وَبَحرٍ                    فَمَـن يَدعـو لَهُ أَو يَستَجيـرُ

وفي المقابل كتب الشاعر العديد من الأبيات في الحكمة ومن جميل ذلك قوله:

                            لعمرك مَا الْأَبْصَار تَنْفَع أَهلهَا                     إِذا لم يكن للمبصرين بصائر

                           وَهل ينفع الخطـي غير مثقـف                     وَتظهر إِلَّا بالصقال الْجَوَاهِـر

 عُرِِف أبو فراس بقصائده التي سُميّت (بالروميّات)، والتي نظمها حين وقع في الأسر، حيث ظل فيه بضع سنوات، والتي كانت مليئة بمشاعر الألم والحزن بسبب معاناته في الحبس وسلبه لحريته، فبثّ من خلالها حنينه وشوقه لوالدته، وعتبه على سيف الدولة الحمداني بسبب تأخره في تخليصه من سجنه عن طريق الفدية.

وقد أجمع النقاد على أن هذه القصائد من أحسن ما كتب الشاعر، لما فيها من صدقٍ للعاطفة، ووضوح للألم خاصة في أشعاره الموجهة إلى أمه والتي امتازت بأسلوب يمتزج بعواطف الشوق والحنين، فالألم يعتبر مصدراً لروميّات الأمير الشاعر، مما أكسبها صبغة جمالية فريدة وبعداً نفسياً عميقاً، فجعلها تُنوّع نزعاته النفسية من فخر وحنين إلى مناجاة وصبر وأنين، فقد سجل أبو فراس في روميّاته معاناته وعذابات نفسه خلال فترة حبسه، وصور فيها حالة أسره ونفسيته المنكسرة، وقدرته على التصبر وقوة إيمانه بالله، كما ظهر جلياً فيها فتور همته الحربية، فقد كان همه الوحيد هو الخلاص من سجنه المظلم، والتحرر من أسره والعودة إلى الديار ولقاء الأحباب، ولهذا اتسمت قصائد الروميّات بالرقة والسلاسة والبعد عن التكلف والتصنع، وقد قام الثعالبي بجمع هذه الروميّات في كتابه “يتيمة الدهر”، مُعَرِفاً عن أبي فراس بقوله:( كَانَ فَرد دهره وشمس عصره أدبا وفضلا وكرما ونبلا ومجدا وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة وشعره مَشْهُور سَائِر بَين الْحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة وَمَعَهُ رواء الطَّبْع وسمة الظّرْف وَعزة الْملك”.

ومن روميّاته لنا وقفة مع قصيدة “أراك عصي الدمع” وهي من القصائد التي تبدو لأول وهلة قصيدة غزل، حيث تحكي عن العشق ولكن القصة التي خرجت بهذه القصيدة تروي بطولة الشاعر وإخلاصه للأمير، فقد كتبها  في فترة أسره فوصف نفسه ببيان عاشق مخلص لبلاده وحاكمها، وعندما وقعت هذه القصيدة في يدي سيف الدولة استشعر فيها العاطفة الصادقة لأبي فراس الحمداني واستذكر مآثره وفضله في حماية الدولة، التي قوّضتها هجمات الروم المتكررة في غياب أبي فراس في الأسر، فما كان لسيف الدولة إلا أن جهز جيشه لاستعادة حلب التي وقعت في أيدي الروم، فحررها وأخرج جميع الأسرى من سجونهم بمن فيهم أبو فراس الحمداني.

وقد صنف العديد من النقاد الروميّات ضمن الآداب العالمية الخالدة، لقوة شاعريتها وصِدق عاطفتها وتجرد الشاعر فيها بأسلوبه الخاص للتعبير عن عواطفه ومشاعره وقناعاته وأفكاره وما يتبناه من حكم وقيم، والتي يقول في مطلعها:

                            أراكَ عصـيَّ الدَّمْـعِ شيمَتُـكَ الصَّبْرُ             أما لِلْهَوى نَهْيٌ عليكَ ولا أمْرُ؟

فقد استهل الشاعر قصيدته بمقدمة غزلية جريا على العادة التقليدية للشعراء الأوائل، وهذا ليس بغريب على شاعرنا إذا نظرنا إلى مسيرة حياته التي تشرّبت الأصالة والعروبة، حيث يخاطب الشاعر نفسه متعجبا من مدى صبره وجلده على سلطان الحب، فهو لا يبكي كعادة أهل الهوى المكتوين بناره، ودمعه يقف له سنداً هو الآخر فيمتنع عن الترقرق.

                            بَـلى، أنـا مُشْـتـاقٌ وعنـديَ لَــوْعَـةٌ             ولكـنَّ مِـثْلي لا يُـذاعُ لهُ سِـرُّ!

                            إذا اللّيلُ أَضْواني بَسَطْتُ يَدَ الهوى             وأذْلَلْتُ دمْعاً من خَلائقِهِ الكِبْرُ

                            تَكـادُ تُضِـيْءُ النـارُ بين جَـوانِحـي              إذا هي أذْكَتْها الصَّبابَةُ والفِكْرُ

                            مُعَلِّلَتي بالـوَصْـلِ، والمَوتُ دونَـهُ               إذا مِتُّ ظَمْآناً فلا نَزَلَ القَطْرُ!

أجمع النقاد على تميز أشعار أبي فراس الحمداني بسمات واضحة لا تخفى على أحد، ومنها غزارة المادة اللغوية  والبراعة في صناعة الشعر، كما أن معظم شعره مهذبٌ ومنسجم ومتناسق، ويخلو من التعقيد الذي يُعاب به شعر معاصريه، وتكاد تكون السقطات في شعره شبه معدومة، كما تميز بفصاحة اللفظ وإبداع المعاني وابتكارها، واستعمال النزعة العقلية في الشعر والتفوق فيها، كما امتلأ كذلك بالعاطفة الشديدة ورقة الطبع والتي ظهرت بشكل خاص في الروميّات. مع القدرة على النظم والإتقان والابتكار في شتّى أغراض الشعر. وتوظيف الخبرة الواسعة في التواريخ والقصص والأنساب في أشعاره، وبذلك كان جديراً بما قاله عنه الصاحبُ ابنُ عبَّادٍ حيث يقولُ: “بُدئَ الشِّعرُ بمَلِكٍ وخُتِمَ بمَلِكٍ”، يعني: امرأَ القيسِ وأبا فِراسٍ.

 صنف العديد من النقاد الروميّات ضمن الآداب العالمية الخالدة، وقد قام المستشرق ابن الورد بترجمة بعض القصائد إلى اللغة الألمانية، وَمن جميل ما جاء فيها قوله وَقد سَمِع حمامة تنوح بِقُرْبِهِ على شَجَرَة عالية خارج سجنه:

                          أَقُول وَقـد نـاحـت بقـربي حمـامـة                 أيا جارتي هَل تشعرين بحالي

                          معَاذ الْهوى مَا ذقت طارقة الْهوى                 وَلَا خطرت مِنْك الهموم ببال

                         أتحـمــل مـحـزون الْــفُـؤَاد قــوادم                 على غُصْن نائي الْمسَافَة عالي

                         أيا جـارتا مَـا أنصـف الدَّهْـر بَيْننَـا                 تعالي أقـاسمـك الـهمـوم تعالي

                         تعـالي تـري روحـا لـدي ضَعِيفَـة                  تـردد فِـي جسـم يـعـذب بـالـي

                         أيضحـك مـأسور وتبكـي طـليقـة                  ويسـكت محـزون وَينْدب سالي

                         لقـد كنـت أولى مِنْك بالدمـع مقلة                  وَلَكِن دمعي فِي الْحَوَادِث غالي

وخير خاتمة لهذا المقال ما رواه ابْن خالويه بأَن آخر شعر لأبي فراس هو هذه الأبيات التي وجهها لابنته عند احتضاره حيث يقول: 

                                 أبنيتي لَا تجزعـي                                كــل الْأَنَــام إِلَـى ذهَـــاب

                                نوحي عَليّ بحسرة                               من خلف سترك والحجاب

                                قـولـي إِذا كَـلَّمتنِـي                               فعـيـيـت عَـن رد الْـجَـواب

                               زين الشَّبَاب أَبُو فراس                            لم يمتع بالشباب

تعبر الأبيات السابقة عن عاطفة باكية، وخوف، ولغة تخلو من الخيال، وتجربة شعرية عميقة (وقوعه تحت مؤثر مصحوب بوجدان انفعالي بتصوير واقعي حواري) فطبيعة الحدث الذي حرك العاطفة لا يحتمل تصنعا ولا تكلّفا، بل يحتمل كلمة صادقة مؤثرة، يتلمس أثرها كل قارئ، وقد أتضح أثرها في صاحبها الذي ينادي ابنته ألا تجزع، فالعبارة تخلو من المجاز بشقيه الاستعارة والمرسل، ويؤكد بحقيقة لا يختلف عليها اثنان {كل الأنام إلى ذهاب}.
وبعد النداء والنهي يأتي (الأمر) لابنته بأن تنوح عليه خلف الستار بحسرة (حال النواح) وحقيقة هو من يتحسّر على هذه الحياة، ونلاحظ أن وسيلة حزنه ومشاعرة لغة تخلو من المجاز لأن الشعور بالألم أقوى من الفكر رغم أن الفكر منصبٌّ في تفسير الألم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود