الأكثر مشاهدة

إباء الخطيب* في الوقت الذي تناقضت فيه الآراء حول فكرة البساطة والتبسيط في الإبدا …

المباشرة عند الشعراء ودورها بين القصد والإيصال

منذ شهرين

461

1

إباء الخطيب*

في الوقت الذي تناقضت فيه الآراء حول فكرة البساطة والتبسيط في الإبداع، انطلقت آراءٌ عديدة من فكرة ذكرها د علي العلاق: إن الشعر كلما اقترب من الغنائية كان تأثيره في المتلقي أكبر، يقول ابن سنان الخفاجي:أَحاديثُ أَمّا لَفظُها فَهوَ واضِحٌ      جَلِيٌّ وَلَكِن قَلَّ مَن يَفهَمُ المَعنىوَمُستَخبِرٍ عَنّا أَجَبنا سُؤالَهُ      بِعَجماء لا عِلماً أَفادَت وَلا ظَنّاوكأن ابن سنان يشير إلى تلك البساطة التي تبتعد عن السطحية، والعمق الذي يبتعد عن التعقيد.وعلى هذا اختلف اللغويون والنقاد والأدباء في تعريف الشعر وفي تفسير هذه التعريفات، فمنهم من ربطه بالقافية والوزن والسبك تارة، وبالمعنى تارة أخرى، وباللغة تارة ثالثة..لكن ماذا عن القارئ؟ هل تهمهُ كل هذه التشعبات ساعة التلقي؛ ليشعر بالصفاءِ والتألّق والسلاسة؟ وهل يؤثرُ عليه الإيقاع العذب الذي يستطيع التسللَ إلى الوجدان بكل عفوية وانسياب؟.. كيف يتعامل مع هذا الكيان الإبداعي؟ وكيف يتيح لتدفقِ دلالاته أن تصبّ في وجدانه وفكره؟ثمّ ماذا عن الشاعر؟ ما غرضُه من الشعر؟ وما الذي ينتصر له؟ المعنى والدلالة أم القضايا الكبرى العامة والخاصة؟ أم الوجدان والعاطفة والخيال..؟هنا لابد من أن نفكر بالعلاقة التي تربط الشاعر بقارئه: فكرُ الشاعر بعقل القارئ، عاطفةُ الشاعر بوجدان القارئ، خيالُ الشاعر بروح القارئ.. وما إلى ذلك من ثنائيات متقابلة.وفي هذا المعنى يقول الشريف المرتضى:وحديثٌ تَرويهِ ما فيه إلّا      واضحٌ نيِّرٌ وحقٌّ صحيحُلك وِرْدٌ من حوضهمْ غيرُمطروقٍ وبابٌ إليهمُ مفتوحُمن هذا المنطلق نجد بين جمهور الشعر ومن المنظرين من يتهمون الشعرَ بالابتعاد عن القارئ والإيغال في العمق والغموض والإيحاءات صعبة الإدراك، لكن عبد القاهر الجرجاني في كتابه أسرار البلاغة يقول: “ومن المركوز في الطبع أن الشيء، إذا نيل بعد الطلب له والاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه من النفس أجـل وألطــف، وكانت به أضن وأشغف.وهذا يشير إلى عكس أساليب من يستسهلون؛ فيتبعون منهجًا بسيطاً في التراكيب الشعرية بالغة القصدية والتقريرية، وينحون نحو سبك الفكرة الواضحة في قالب شعري مكون من شطرين بوزن وقافية معلومة وهذا ما يسمى النظم الذي لا شعرية فيه ولا روحاً إبداعية تتورق بين ثناياه، بل يمكن لأيّ متدربٍ على بحور الشعر أن يتقنه بالحفظ والممارسة والسبك الجيد، ومن ثم سكبِ فكرةٍ أو حكمةٍ أو شعورٍ جامدٍ في قالب شعري. وهنا نتذكر قصة أبي تمام حين قيل له: «لماذا تقول مالا يُفهم» فأجاب: ولماذا لا تفهمون ما يُقال؟ونحن إذ نشير إلى ضحالة هذا النّظم شعرياً فإننا لا نقصد المباشرة، فالمباشرة في الشعر قد تكون موظفة توظيفًا متقنًا وقد تكون أداة مهمة في يد شاعر عارفٍ ومتمكن؛ فالمباشرة ليست نقيضاً للشعرية، والشعرية ليست مرادفاً للغموض، وإن حصل أن أصبح الشعر نخبويَّ التلقي فهذه قضية شائكة مردها لأسباب يطول الحديث فيها وعنها لكنها بلا شك متعلقة بكل الأطراف في العلاقة الشعرية؛ منها ما هو متعلق بالشعراء ومنها ما هو متعلق بالمتلقين وابتعادهم عن لغتهم أصلًا، ومنها ما هو متعلق بالعوامل المحيطة المؤثرة اجتماعيًّا وسياسيًّا وحتى عوامل التكنولوجيا.. وبغض النظر عن ذلك كله وعلى الرغم منه، فهناك تجارب شعرية استطاعت أن تحقق التوازن وتصل إلى القارئ مستخدمة أساليب مباشرة وسهلة التلقي وممكنة الوصول إلى الآخر، ومن يختلف منا على قول الأعشى:كَأَنَّ مِشيَتَها مِن بَيتِ جارَتِها      مَرُّ السَحابَةِ لا رَيثٌ وَلا عَجَلُ

فبقدر ما هو قريب للمتلقي هو عميق في رؤيته، وأيضًا من يختلف على قول نزار قباني:فرشت فوق ثراكِ الطاهر الهُدُبافيا دمشقُ لماذا نبدأ العتبا؟ففي الأمثلة السابقة نجد أن هذه المباشرة شاعرية بامتياز لها ظلالها تمتد أنفاقها من السطح إلى العمق غير مجانية وغير مستشرية بالسطحية، وهنا توافقت هذه التجارب مع مستويات القراء فلكل نصيبه من القصد، من يقطف من السطح ومن يتنعّم بالظلال ومن يرغب بالغوص والإبحار في العمق الدلالي..ولكي نفصّل أكثر عن هذا الموضوع لا بد أن نفرق بين:المباشرة المباشرة, والمباشرة ذات الظلال، والمباشرة القناع.أوّلًا: المباشرة المباشرة: فيها يكون الشعر قصدياً واضحاً، له بعدٌ واحد وجليٌّ، وله طريق محددة للمتلقي لا التفاف فيها ولا غموض؛ وهنا قد يقع الشاعر في فخ النظم وهذا ما يشبه الفرق بين النحات الذي يحفر ويدق الحجر وبين من يصب الجبسَ في قالب موجودٍ مسبقًا فلا يفعل شيئًا سوى أن يستخدم القالب ويعطي نسخًا مكررة. وهذه حال الشاعر الذي يضع الكلام في قالب البيت الشعري ويخرج بنصوص لا خصوصية فيها ولا إبداع. وهذا ربما يفسر ظواهر التشابه والتنميط وانتشار المكرَّر.ومع ذلك نجد في هذا الأسلوب البسيط القصدي السهل غير الممتنع.. شعراء أكثر كفاءة من النظّامين؛ وذلك لتعاملهم المتقن مع اللغة وطريقة انتقاء الكلمات وصنع التراكيب وانتقاء المرادفات وهذه قد تكون موهبة عند البعض ممزوجة بالتدريب فعلى الرغم من السطحية يمتلك النص أو البيت جمالية خاصة مردها لحسن استخدام اللغة أكثر من الشعرية التي تعد غائبة ويمكن أن نستعين بقول أبي الاسود الدؤلي ؛ لفهم الفكرة إذ يقول:لا تَمدَحَنَّ اِمرأً حَتّى تُجرِّبَهُ  وَلا تَذُمَّنَّهُ مِن غَيرِ تَجريبِفَإِنَّ حَمدَكَ مَن لَم تَبلُهُ سَرَفٌوَإِنَّ ذَمَّكَ بَعدَ الحَمدِ تَكذيبُثانيًا: المباشرة ذات الظلال: الشاعر هنا لا يهتمّ باستخدام تقنيات جمالية، ولا جمل بلاغية، ولا يبتكر صوراً أو يلجأ لانزياحات لغوية وغيرها من أساليب التفنن، وتكون جمله وصياغاته سهلة التناول وقريبة من الكلام العادي؛ لكنه كلام غير مجاني يحيل إلى فكرةٍ قد تكون مبتكرة، أو إلى موقفٍ حساسٍ، أو يلمس شعوراً خاصًّا: فالشاعر لا يكرّر بل يبتكر، لا ينظم بل يوظّف المباشرة ليشير بإصبعه إلى موضعٍ مهمٍ بصيغة جمالية، وكأن لمباشرته ظلال على مساحةٍ أخرى لا يكتشفها سوى شاعر مجيد أحسن استخدام المباشرة وتوظيفها، في هذا المستوى من المباشرة يعلو منسوب الدراما لتكون ركيزةً تبرز شاعرية الشاعر  وتميزه عن النظّام، فمن خلال الحبكة الدرامية وتصاعدها وصولاً لذروةٍ ما.. تلعب المباشرة دورها الفعال والملائم.يقول مثلا نزار قباني بلسان امرأة رفض حبيبها إدخالها إلى بيته عندما قصدته مستخدماً جملا واضحة وأسلوبًا مباشرة لكنه وظفه أيما توظيف في خدمة الفكرة المبتكرة:لا تدخليوسددت في وجهي الطريق بمرفقيكوزعمت لي أن الرفاق أتوا إليكأهم الرفاق أتوا إليك؟ أم أنّ سيدةً لديك تحتل بعدي ساعديكثم ينتقل من هذه المقدمة الواضحة المباشرة ليعلي وتيرة الشعرية بالقول:وصرخت محتدماً: قفيوالريح تمضغ معطفيلا تعتذر أبداً ولا تتأسفِأنا لست آسفةً عليكبل على قلبي الوفيقلبي الذي لم تعرفِفنزار هنا أخذنا بمباشرته إلى منطقة خاصّة عاطفيًّا واجتماعيًّا، وأثار بقارئه مشاعر التعاطف مع الراوية والتفكّر بظاهرة الوفاء/ الخيانة في المجتمع. المباشرة القناع:وهي التي يمكن أن نصفها بالمباشرة غير المباشرة، فهي مبطنة ولا يقصد الشاعر الكلام المقال بها بحرفتيه ووضوحه ومعناه السطحي، بل يريد منه شيئاً آخر تماماً، عميقًا يختبئ وراء السطور ومؤكداً مقولة “المعنى في قلب الشاعر.”وغالباً ما يلجأ الشاعر إلى هذا الأسلوب عندما يقترب من المحرّمات فلا هو قادر على التصريح برأيه ولا هو راضٍ بالمسلمات الواقعة والتابوهات المعدّة مسبقًا؛ ومن الشعراء من يستحسن هذا الأسلوب، ففيه لعبٌ فنيُّ ومهارةُ وذكاء، كما يبرز فيه فعل الخبرة والثقافة، فيستطيع الشاعر من خلال القناع وضع إمكانياته والتفنن بإبراز شعريته؛ ومن ذلك قصيدة لا تصالح لأمل دنقل:لا تصالحْ!ولو منحوك الذهبأترى حين أفقأعينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما..هل ترى ..؟هي أشياء لا تشترى 

وقد طور الشعراء هذا الأسلوب فأصبحوا يستخدمون قناع ضمير المخاطب مثلاً ليتحدثوا عن أنفسهم، كقصيدة الشاعر محمد البغدادي : (لا تسمِّ الأشياء)أنتَ..
يا المبتلى بما ليسَ يُدرَكْ 
يا الذي المستحيلُ أنقضَ ظهرَكْ 
أنتَ..
يا الطفلُ في غَيَابةِ جُبٍّ
 والعزيزُ الأخيرُ غادرَ مِصرَكْ 
يا سجينًا في نفسِهِ..
وَخَيالُ امرأةٍ في المساءِ 
يَذبَحُ نَحرَكْ 
لا تثِقْ بالنِّساءِ..
قطَّعنَ تُفَّاحَ التشهِّي..
وَهُنَّ يُضمِرْنَ غدْرَكْوبالعكس، قد يتحدث الشاعر بلسان حاله، فيمدح ويذمّ ويشير إلى مسألة ما ويؤكّد ويسهب.. وهو يقصد أحداً آخر تماماً، محمّلًا قصيدتَه رسالةً هي في الظاهر مباشرة، وفي العمق غير مباشرة. ومثال ذلك ما جاء في قصيدة قمصان يوسف لشوقي بزيغ، يقول: كأن دمي ملعبٌ للوساوسِ 
بعضي يحاربُ بعضي 
وتشهرني
ضد نفسي السيوفُ
….…..
عدتُ من لجةِ البئر
كي لا أعود إلى البئر ثانيةْ،
 غيرَ أن فحيح الأنوثةِ يشتدُّ 
حول خناقي 
وجسمي ضعيفُ.أي أن الشعراء انطلقوا من الذاتية إلى الموضوعية والعكس بالعكس موظفين المباشرة ومتقنّعين بها.وهكذا يتبين لنا أن الشعراء يتوسلون طرائق مختلفة للإفصاح عمَّا يدور في خلجاتهم، وهنا حين كتبوا بالأسلوب المباشر وجدوا ما يعوض عن فنيات القصيدة بظلال عدة، يستنطقون النصوص ويستخرجون ما يمكن أن يدل على ما في نفس الشاعر أو ما لا يدل عليه.

*شاعرة سورية

التعليقات

  1. يقول د. ماجد العبلي:

    مقاربة جميلة يمكن تطويرها لتكون ورقة بحثية أو دراسة مستفيضة..
    بالتوفيق الدائم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود