المؤلفات النثرية سهولة انتاج وإصدارات متشابهة

إعداد مريم الزهراني
لاشك أن العمل الأدبي ماهو إلا نتاج إبداع كاتب وأديب وشاعر، ويصدر عن تجربة شعورية وفكرية وثقافية عالية، فالعمل الأدبي يسع كل تعبير جميل مهما كان موضوعه. فالمادة المعروضة ليست مناط الحكم وإنما المناط هو (التجربة الشعورية)، في الماضي كانت رسالة الأديب أن يطرب ويعجب، دون أن يفرض على نفسه مسؤولية إصلاح المجتمع.
فأدب الأمس كان حرفة للتقرب إلى الحكام . وأدب اليوم أصبح حكمة، ورسالة الأديب رسالة عميقة جداً ومسؤوليته لا يتحمّلها إلاّ من كان يؤمن أنه صاحب رسالة.
فالأديب العظيم يضيف بعد موته إلى رصيد البشرية كوناً عظيماً لم يسبق لإنسان أن رآه.
وكلّ لحظة يمضيها القارئ مع الأديب هي رحلة متميزة الخصائص والسمات.
فإذا استطاع (العمل الأدبي) فعل المعجزة في إيجاد العوالم المثالية التي لم يحلم بها الإنسان، فهو جدير بأن ينفق الإنسان في سبيله ما استطاع من وقته المحدود.
من أجل ذلك سوف نتناول فى هذا العدد العمل الأدبي فى عالمنا العربي فى حياتنا المعاصرة من حيث أجناسه وتقييمه والحكم عليه إذا كان هذا العمل يستحق أن نقول عنه عملاً أدبيا مميزاً وعالي الجودة أم غير ذلك ؟

فرقد طرحت قضيتها لهذا العدد على نخبة من الأدباء ورواد الإبداع من خلال المحاور التالية :

كيف نقيم العمل الأدبي عالي الجودة عن الأخرى التي لا تعدو كونها خواطر خاصة ؟

ما الأسباب التي أدت إلى تراجع الثقة والإقبال على المؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية ؟

هل ترى أن كثافة إنتاج مؤلفات النثر قد أدى إلى إنخفاض جودة المنتج ؟

هل ساهمت سهولة الإنتاج في  الارتفاع المهول لهذه المؤلفات النثرية، وكيف يتم تقنين ذلك ؟

   المتملقون وأدعياء الأدب  سيسقطون بسهولة

يستهل الكاتب والروائي الأستاذ محمود عودة من فلسطين الحديث بسرد موجز عن النثريات الأدبية  بأنواعها:
الكتابة الأدبية في القصة والرواية وكثرة الكتابة والكتاب.. وجهة نظر..
بوجود مواقع التواصل الإجتماعي انتشرت مواقع ومجموعات أدبية وغيرها من الاهتمامات مما ساهم في سهولة النشر بلاحواجز ولا أي اعتراضات، كلما دخلت إلى موقع أو مجموعة تجد الكثير من المنشورات القصصية والبعض يتوه بين القصة والخاطرة والقصة القصيرة، وأحيانا تجد جزءً أو فصلاً من رواية وكل ينشر على هواه، ومما يزيد الطين بلة، كثرة عبارات المدح والتمجيد في المنشور دون تأكد من جودته، رغم وجود الكثير من الأخطاء اللغوية والإملائية، وأحيانا يشعر من له ذائقة أدبية بالغثيان من المنشور وعبارات المدح .. وأنا مجرد قارىء متذوق وتلميذ في مدرسة الكتابة القصصية، سوف أحاول بمقالي هذا وضع ما عرفته بين يدي من يريد، ولعل كل قارىء يستطيع التمييز بين الجيد والسيء، ونوعية النص أمامه .
أنواع القص الأدبي:
القصة القصيرة
– القصة القصيرة جداً ( ق.ق.ج)
– الومضة
– الخاطرة
– الرواية
لكل نوع من هذه الأنواع خاصيته وعناصره التي يتميز بها عن غيره ويستطيع المتلقي ذو الذائقة الأدبية تمييز ذلك ولكنها تتشارك جميعها بعنصر واحد وهو العنوان ويسميه البعض عتبة النص
القصة القصيرة
كانت بداية ظهورها في الأدب الروسي ثم انتقلت بعد ذلك إلى معظم ثقافات العالم ووصلت إلى وطننا العربي في منتصف القرن الماضي وقد كتب الكثير من أدباء الوطن العربي في القصة القصيرة ولكن أكثرهم شهرة في ذلك الدكتور يوسف إدريس ، وحسب تقيم النقاد في أوروبا والعالم العربي، فإن القصة القصيرة لا يتجاوز عدد صفحاتها المئة من الحجم الوسط ، ولا تقل عن صفحة؛ ونجد البعض يصنفها برواية صغيرة، وأهم عناصر

 ١-القصةالقصيرة:
أ‌- العنوان ويطلق علية عتبة النص منه يدخل المتلقي إلى متن النص وكلما كان مشوقاً وجذاباً كلما شجع المتلقي على القراءة بشغف
ب‌- الحدث المتسلسل والمترابط
ت‌- تصاعد الحدث مع شخصياته بسرد تدريجي شيق
ث‌- اللغة السليمة وبلاغة التشبيهات المعبرة لخدمة القص
ج‌- البعد بقدر الإمكان عن الأخطاء اللغوية والنحوية
ح‌- الوصول بالحدث التصاعدي إلى الخاتمة ( الحبكة )
خ‌- الحبكة يصفها البعض مع العنوان بنصف القصة، قد تكون مباغتة أو بداية لمشروع قصة جديدة
د‌- الاهتمام بعلامات الترقيم في مواضعها

٢-.القصيرة جداً ( ق.ق.ج )
تنطبق عليها كل عناصر القصة القصيرة وهي حديثة العهد في الأدب العربي، وما يميزها عن القصة القصيرة التكثيف وقصرها فربما لا تتجاوز الخمسين كلمة التلغير والترميز الواضح أو بشيء من الغموض
أ‌- العنوان ( عتبة النص ) ولا بد أن يكون جذاب ومدخل للنص
ب‌- الحبكة المباغتة والصادمة وقد يكون مترابط مع العنوان

٣-الومضة
وهي حديثة جداً واشتهر بها أدباء المغرب العربي وعدد كلماتها لا يتجاوز اثنى عشر كلمة وما يزال تصنيفها غامضاً فبعض النقاد لا يعترفون بها كجزء من الأدب العربي ولكل متابع لها يجد أنها تعتمد على وصفين متناقضين بجملتين بينهما فاصلة .ويسبقهما عنوان معبر

٤– الخاطرة
وهي تتشابه مع القصة من ناحية اللغة البلاغية والتشبيهات والاستعارات ، تعبر عن مشاعر وأحاسيس ربما مرتبطة بمكان أو بإنسان والفرق بينها وبين القصة عدم وجود الحدث ولا تحتاج لحبكة بل فقط عنوان
٥-الرواية
وهي قصة طويلة تتجمع فيها عدة أحداث وعدد من الشخصيات وقد تكون من واقع المجتمع الذي يعيشه الكاتب، ولا يوجد حد معين لحجمها ولكن يجب ترابط الأحداث وبلغة قوية وتشبيهات واستعارات بلاغيه، وكلما تمتعت بسهولة السرد تكون جذابة أكثر وقد يستخدم الكاتب فيها لهجة البلد مسرح القصة العامية, وفي الرواية يتألق خيال الكاتب بين المعقول ولا معقول ويكون الخيال أحيانا علمياً بتوقع اكتشافات قادمة وقد تكون خيالاً بعيداً عن الواقع كما يحدث في الأفلام الأمريكية والعنوان الجذاب أساسي لكل رواية.
ولتقيم أي نص أدبي يجب أن ينظر إلى عناصر كل نص على حدة، ثم اللغة وأسلوب السرد والبعد عن الأخطاء اللغوية بقدر الإمكان، ثم ينتقل إلى الهدف من النص وخاصة القصة بنوعيها والترميز إن وجد، وقد يكون الهدف اجتماعي أو سياسي أو علمي، ثم ينتق إلى الحبكة ومدى ارتباطها بالنص وتأثيرها على المتلقي .
وكما قلت في البداية كثرة المجاميع الأدبية والثقافية سهلت على الجميع النشر وليس كل ما ينشر سيء ولا هو بالجيد، لكن أكثر ما يسيء إلى النشر التمجيد لأي نص دون تفكر، بكلمات المدح، ومما لاشك فيه أن النشر أبرز أدباء مميزين، كما أن المسابقات الأدبية سواءً في المجموعات أو في المؤسسات الثقافية دور مؤثر وقوي في تدعيم الأدب، وأما المتملقين والأدعياء فيسقطون بسهولة ولن تجدي معهم كلمات المدح كما لا تجدى عبارات الذم مع المتميزين .

  البقاء المعرفي للنص الأنضج و الأجود

ويجيب الكاتب والقاص السعودي صالح الحسيني على تساؤلات فرقد بقوله :
– كيف نقيم العمل الأدبي عالي الجودة عن الأخرى التي لا تعدو كونها خواطر خاصة ؟.*
قبل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نتعرف على معيار مهم هو أن القراءة هي : عملية تكوين المعنى، و تضمن إشباع الحاجات المعرفية في كل المجالات، كما أنها تساعد على مضاعفة مساحة ذاكرة الإنسان؛ إذن” : هي برنامج عقلي نافع و متجدد، و من خلال هذا المعيار نستطيع أن نقيم العمل الأدبي الذي نطلع عليه، و بالتالي الحكم على جودته من ضعفها.

– ما الأسباب التي أدت إلى تراجع الإقبال والثقة على المؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية ؟.*

أعتقد أن سهولة الكتابة النثرية على بعض الكاتبين، و هي التي تعد أداة مرنة طيعة في يد ممسك القلم؛ سبب من أسباب فقدها لجودة المعنى أو اكتماله حين الرغبة في التعبير عن الأفكار و المشاعر و التأملات، كذلك جهل بعض من يكتبها بأدوات فنونها المتعددة و المتنوعة : كالمقالة، والقصة، والرواية، والمسرحية، و الخاطرة، والمحاضرة، والسيرة الذاتية، والسيرة الغيرية بكل أشكالها..، و الحديث التلفزيوني والإذاعي، والتقريرالفني، وبقية الأنواع النثرية الأخرى.

– هل ترى أن كثافة إنتاج مؤلفات النثر قد أدى إلى إنخفاض جودة المنتج ؟.*
*إلى حد ما؛ لكن هذا الافتراض يجب أن يقابل بمعرفة الكم للحكم على الكيف، كذلك نوعية ما يكتب – كما أسلفت – و يخرج لنا كل فترة، هذا مهم لقياس مدى توفر معايير الجودة، أيضاً بواعث الكتابة لدى الكاتب، وسعة اطلاعه و مدى وعية بالخصائص الموضوعية، و السمات الفنية لموضوع الكتابة، و قدرته على إظهارها في ما يكتبه من نصوص أدبية.

– هل أثرت سهولة الإنتاج على الارتفاع المهول لهذه المؤلفات النثرية، وكيف يتم تقنين ذلك ؟.*
بالتأكيد أثرت، و هي في ذات الوقت حفزت من لا يعرف كيف يكتب.! أن يكتب، و أن يضع له اسم لمجرد الاسم ؛ لكن البقاء المعرفي للنص الأنضج و الأجود، من خلال حجم المعرفة الثقافية و العلمية التي تتوفر فيه، و التي ينقلها، و العطر الجميل الآخاذ يسعد الذاكرة.

  تعطيل دور الرقابة حصيلته رداءة المنتج 

ويعزو مدير بيت الشعر في الشارقة محمد عبدالله البريكي ضعف الجودة إلى تعطيل الرقابة حيث قال

كثرة الكتابة هو نوع من التجريب الذي قد يؤدي إلى منتج أدبي جيد، وما وجد أديب إلا ومر من خلال هذا الطريق، ثم توقف بعد عدة محطات لينظر فيما قدم، ولذلك فليس هناك ما يدعو إلى القلق من الذين يعبرون عن مشاعرهم، وما يختلج في دواخلهم، فأصحاب المواهب يعرفون أنهم على طريق الإبداع، ويجربون كثيرا، وهؤلاء لا خطر مما ينشرون، لكن المشكلة الأكبر في هؤلاء الذين يسعون إلى التقليد ويفتقرون للأداة، وهو ما يتطلب وعي ثقافي بقيمة ما ينشر، لكني أرى أن الإشكالية تكمن في الدور الرقابي على ما ينشر، فقد كانت الكتب سابقا لا تصل إلى دور الطباعة والنشر إلا من خلال بعض الأسماء التي تجيز العمل أو ترفضه، أما في غياب هذا الدور، فإني أقول كما قيل: ” وكلّ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقر لهم بذاكا” ومن خلال ما هو معروض من كتب في هذا المجال، والتي لم تمر عبر محطة الرقابة، فإن هذا المنتج سيجعل الذين يحاولون الكتابة في هذا المجال، وخوض غمار هذه التجربة، يقتدون بأعمال لا تمت إلى جودة النثر وتجلياته، وسيستسهلون الكتابة فيه، ولا يقتصر هذا على جنس أدبي دون غيره، فتعطيل دور الرقابة على النشر، وفتح الباب على مصراعيه لطباعة ونشر ما هب ودب، سيؤدي إلى ظهور منتج رديء لا يعبر عن المشهد الأدبي، ولا الصورة الحقيقية للشكل الأدبي.

 إصدار الكتاب أشبه بالواجبات اليومية

وترى الإعلامية والكاتبة  نادية الفواز من السعودية أن العمل الأدبي بلا قيود :

– كيف نقيم العمل الادبي عالي الجودة عن الاخرى التي لا تعدو كونها خواطر خاصة ؟

العمل الأدبي أو الأدب هو في البداية وفي كل الأحوال تعبير عن الذات بطريقة مبتكرة ولا أعتقد أن هناك مقاييس للإبداع لأنه يجب أن يكون بلا حدود حتى لو خرج عن المألوف وحتى لو صنف خارج الصندوق فكثير من الكتاب المبدعين كسروا القوالب وأذهلونا بالأعمال الأدبية ولولا هذا التميز لما قرأنا بدر شاكر السياب أو محمود درويش أعتقد أن المقياس هو التميز في الطرح بلغة أدبية ثرية وفارهه تدرك كيف تجعلك تشم رائحة حروف الكتاب وتظل تحتفظ به بالقرب منك لأنك عشت تفاصيله

– ما الأسباب التي أدت الى تراجع الإقبال والثقة على المؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية ؟

– وهل ترين أن كثافة إنتاج مؤلفات النثر قد أدى إلى انخفاض جودة المنتج ؟

نعم أعتقد أن هناك اهتمام بالكم وليس بالكيف فصار إصدار أي كتاب أشبه بالواجبات اليومية مع انه من المفترض أن يكون ولادة ملهمة وتجربة متأنية تحقق الهدف من العمل الإبداعي

– هل أثرت سهولة الإنتاج على الارتفاع المهول لهذه المؤلفات النثرية وكيف يتم تقنين ذلك؟ أعتقد أن دور النشر مسؤولة عن تقييم الكتب واختيار المميز منها كما أن لجان تقييم الكتب في الأندية الأدبية تقع عليها مسؤولية كبيرة في هذا الإطار بأهمية مراجعه تدقيق وتجهيز الأفكار بأن تكون مميزة وجديرة بالخروج للجمهور..

  العمل الأدبي والأديب كائن واحد يتطور مع الحياة 

ويدلي الأديب والشاعر والناقد د. سليمان جمعة من لبنان برأيه من خلال إجابته على المحاور المطروحة : 

كيف نقيم العمل الأدبي عالي الجودة عن الآخر الذي لا يعدو كونه خواطر خاصة؟
الخاطرة الخاصة عمل أدبي ذات تعبر وتكشف عن مكنونها في ظرف معين، ضاقت به يكمن فيها العمل الأدبي يميزه سلامة اللغة أولا في نحوها وصرفها ودقة استعمالاتها، ومتانة السبك في تراكيبها ونظمها المتناغم مع انفعال كاتبها؛ فهي تجسد معادلاً لذلك الانفعال أو في حركته أو تقدم صورة موحية به.
وثانياً، يكون العمل الأدبي نابتاً في حقل موهبة أدبية، قد تدربت ومارست وقرأت ولها فرادتها المتأتية من رؤية خاصة ونظرة إلى العالم خاصة وصادر عن شخصية ثقافية لها هويتها .
وثالثا، العمل الأدبي هو موقف من ظاهرة إنسانية مؤثرة في سلوك مجتمعي .
إذن، العمل الأدبي والأديب كائن واحد يتطور مع الحياة .
علينا أن نرى إلى لغته أولا وإلى هويته ثانياً وذلك بمنهجية واضحة .
فهو يختلف عن الكتابات الأخرى بما له من خصوصية اللغة والشخصية الثقافية  لكاتبه .
نرصد حركة معناه، كيف رسمها الكاتب وكيف وفر لها البيئة من مفردات وتراكيب أي معجمه المناسب لطبيعتها، هو أي الكاتب يقترح لفكرته حياة  يتخيلها فيكون نصه مرجعية ذهنية بذاته.
هذه الحياة هي سلوك أخلاقي للناس، من هنا يبدأ المتلقي بطرح الأسئلة على المشروع المقترح لأنه هو ينطلق من ثقافة خاصة أيضا والنص كتبته ثقافة خاصة، والاثنتان ينتميان إلى مشتركات هي اللغة وجماليتها وإلى موسوعة معرفية عامة هي الفضاء المشترك للقيم ..
بالحوار يكون تثبيت المقترح أو تعديله وبالتالي تعديل وتغيير الواقع .
من هنا العمل الأدبي هو مشروع تغيير تحمله اللغة والموهبة والتجربة والرؤية .
ومن يحاوره بمنهج واضح كواقع متخيل أولا ثم يعرضه على الواقع الجاري المعيش  ذلك الحوار هو بداية النقد .
اين من ذلك الخاطرة ؟
هي شفاء لحال نفسية تريد أن تزور بعض مناطق الخيال، فإن كانت بلغة سليمة انتمت للأدب وإن كانت بلغة ركيكة وبلا رؤية مكثت عند محبرها.
إذاً ما الأسباب التي أدت إلى تراجع الإقبال والثقة بالمؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية؟
في السؤال مجالان :
الأول : أسباب تراجع الاقبال
والثاني : أسباب تراجع الثقة.
القراءة في عالمنا تكاد تكون تهمة . فهي متعثرة .
وهي الميزان في الإقبال أو الثقة؛ لأن الكتابة ليست للفراغ.
لو تسنى للكاتب قُرَّاء فقبلوا صنيعه لزادت ثقته بقلمه وبما يكتب، وإن رفضوا ما يكتب فله طريقان أن يراجع أُسلوبه أو أن يعتزل .
إذن، القراء هم الميزان فأين هم ؟ هم فئة قليلة .
من جهة أخرى، للنثر جمالية قد لا يقاربها الشعر أحياناً، إذا استثنينا القرآن فهو نثر خاص. وتتوق الكتابات أن تتلمس جماليته.

إن التعود على نمط معين تقبله الأذن، وتجعله معياراً ثابتا للجمالية، يشجع على رفض كل جديد ولو اتقن شروط الأدبية لغةً وأغراضاً ورؤية هذا التعود وجد من يدافع عنه بحجة الحفاظ على التراث ولغة القرآن وأن ذلك من المقدسات
نعم سلامة اللغة من المقدسات …ولكن الاختلاف في نمطية الكتابة ليس مقدسا … والاختلاف في بنية العلاقات الاجتماعية يستوجب اختلافاً في نمطها ..وفي أغراض الكتابة .
إذن الأسباب هي أننا أمة لا تقرأ لا تقبل التغيير وتقدس الأنماط الجاهزة التي تعودت واستسهلتها .. ولكن الكتابات النثرية لها سلبياتها أيضا التي أدت إلى الحذر منها .
فقد أتاح الفضاء الأزرق لكل من أراد أن يعبر عن نفسه أن يمسك بأصبعه ويخط تجربته الذاتية التي لا تعني إلا نفسه، وذلك بلغة رديئة غير دقيقة ولا تحترم القواعد الأولية والإعراب، هذه ليست من الأدب في شيء، وكذلك من يكتب بدون أن يكون ملتزما ًجنساً أدبيا أو نوعاً أدبيا له تقنياته، هذه الفوضى الجميلة أدت إلى اعتبار هذه الكتابات تعدياً على الأدب وإساءة للغة، أما الكتابات المنتمية لهوية وفي بوتقة أدبية فتلك لها احترامها وقد اتخذت مكانتها .. وهناك أمر خطير أثر في الكتابة النثرية هي الترجمة والأساليب الركيكة فيها، فقلد البعض ذلك معتبراً ذلك من الأدب العالمي ونسي أن اللغة لها عالمها ولها أعرافها وقواعدها وأساليبها وجمالياتها التي هي إرث حضاري وتجربة لا زمنية،
فهل أثرت كثافة الإنتاج وسهولته في انخفاض جودتها ؟ وهل نستطيع تقنينها؟
فلندع النفوس تتنفس ..
إن غياب النقد والنقاد كما القراءة قد جعل الأمر سهلاً. ليس الإعجاب مقياساً للجودة ..
كذلك من يكيل الأوصاف الأدبية على من يكتب هو ذو أهلية لذلك إلا قلة ..
من قائل إن الزمن كفيل بنسخ الرديء وتأصيل الجيد
ولكن ماذا نقول عن الذائقة الجمالية ؟
الصورة هي نسخ هذا العصر. فهي تختصر كثيراً من الكلام، في الأدب الصورة والانزياحات وتقنيات الأنواع الأدبية هي التي تفرز النصوص.
أما الكتابات السائبة فهي خارج هذا الفضاء الجميل
الكتابة للموهبة في حقلها..
فكل ما نرى من غزارة هو لأن الفضاء أتاح لكل الناس أن يعبروا ويتواصلوا ..ويثرثروا عبر هذا الأزرق ….فليتنفسوا

  الناقد والمتلقي هما أداة التقييم للعمل الإبداعي

ويرى المهندس الجيولوجي والكاتب المصرى صابر الجنزوري أن العمل الأدبي بين التقييم والوجود ويقول موضحاً :
تقييم العمل الأدبي ليس بالشىء السهل وليس صعباً فى آن واحد؛ لأن العمل الأدبي منتج يعتمد على الجودة، وهذه الجودة وليدة لحظة إبداعية اعتمدت على تجربة شعورية وحياتية مر بها الكاتب، فكانت فكرة وتحولت الفكرة إلى عمل أدبى فى أي صورة أو جنس من صوره أو أجناسه المختلفة، والتى تكون فى صورة قصةٍ قصيرةٍ أو روايةٍ أوقصيدةٍ أو عملٍ مسرحي أو كتابٍ نثري أو أي شكل من أشكال وأجناس الأدب .
ولتقييم العمل الأدبي لابد من متلقي والمتلقي تختلف ذائقته وثقافته، فهناك القارىء العادى وهناك الناقد الأكاديمي وهناك الكاتب وهناك القارئ المثقف ولكل منهم تقييمه ونظرته للعمل الذى أمامه، ولكن هناك عناصر مشتركة بين الجميع إذا وجدت استطعنا أن نحكم على العمل الأدبي إذا كان ذو جودة عالية أم عمل لا يرقى إلى جنس الأدب بشيء.
وتلك العناصر المشتركة تبدأ بفكرة العمل وموضوعه وهدفه، فماذا يريد الكاتب من العمل وما الرسالة التى يريدها أن تصل إلى المتلقى ؟
ثم يأتى بعد ذلك أسلوب العمل ولغته ودرجة التشويق التى تستحث عاطفة القارئ وتلهم خياله وتجعله يتخيل أبطال العمل أمامه وتترك فى خياله ونفسه أثراً بعد القراءة، ذلك يتجلى فى حبكة العمل وطريقة السرد وانتقاء الكلمة ودرجات الإيقاع التى تتصاعد منذ العنوان ودلالته وحتى كلمة النهاية،
كل ذلك يجعلنا أن نقيم العمل ونحكم عليه بجودته ونسبة الإبداع والجمال فيه.
يقول الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي الإنجليزي
تيري إيجلتون في كتابه “كيف نقرأ الأدب ” :
إن في وسع التحليل النقدي أن يكون متعة، فيساعد بذلك في هدم الخرافة القائلة “أن التحليل عدو المتعة”.
وعلينا أن نفهم أساسيات العمل الأدبي مثل الأسلوب، التشخيص والسرد وكيفية التأويل والتقييم الأدبي، ويعتبر إيجلتون أن أكثر الأخطاء التي يقترفها طلاب الأدب شيوعاً يتمثل في السعي إلى معرفة ما تعبّر عنه القصيدة أو الرواية، غاضّين الطرف عن الأسلوب !
إن مثل هذه القراءة إنما تعني إهمال الطابع الأدبي للعمل، بمعنى أنه قصيدة أو مسرحية أو رواية وليس تقريراً عن حادثة.
على أن الأعمال الأدبية قطع بلاغية وتقارير أيضاً، وتتطلب نمطاً من القراءة على درجة بالغة من اليقظة، متنبهاً للنبرة والحالة المزاجية والسلاسة والجنس والنحو والتراكيب والنسيج والإيقاع وبنية السرد وعلامات التنقيط، بل لكل ما ينطوي عليه موضوع الشكل، ومن ثم فهل تراجعت الثقة والإقبال على العمل الأدبي والكتابة النثرية؟
مما لاشك فيه أننا نستطيع أن نرصد ظاهرة الإقبال أو ظاهرة التراجع فنقول أننا لسنا أمام تراجع أو فقدان ثقة فى العمل الأدبي والكتابات النثرية ولكننا أمام ظاهرة تغيير طريقة وتكنيك القراءة ووسائلها الحديثة وتغيير نوعية القارىء والمتلقي، فوسائل التواصل الاجتماعى وشبكة الإنترنت ومواقعها وفرت الكتاب الإلكتروني ووفرت سهولة النشر على مواقع وصحف الكترونية كثيرة فأفرزت هذه الظاهرة قراء جدد ونوعية جديدة من القراء تختلف ذائقتها حسب ثقافتها وتعليمه، وأصبح الكتاب الإلكتروني ينتشر بقوة على حساب الكتاب الورقي الذى مازال يقاوم ولم يختف بعد !
فأصبحنا أمام كثافة وغزارة إنتاجية وكم غزير من الإنتاج أمام كيف ضعيف أدى إلى إنخفاض جودة العمل الأدبي ووجود أدعياء الكتابة
ووجود دور نشر كثيرة بعضها يتاجر بأحلام الكتاب فى نشر أعمالهم مما يؤدى إلى اختفاء الكاتب الحقيقى والعمل الأدبي الجيد وسط الكم الغزير من النشر على حساب الكيف والمضمون !
وبالتالي فإن سهولة النشر الآن وسهولة الإنتاج هذه أدت إلى ارتفاع كبير فى نسبة الأعمال المنشورة لكنها أفرزت مضموناً وكماً وكيفاً سيئاً !
ولكي نقنن ذلك ونحافظ على التواجد الفعلي للعمل الجيد والأدب الهادف
فهناك مسؤولية الرقابة من الجهات المسؤولة على النشر والتى تعانى من الضعف وتوفير وسائل وطرق للنشر من قبل الدولة حتى لا ينشر إلا العمل الجيد وهناك دور القارىء والمتلقي فهو الذى يستطيع أن يختار بين العمل الجيد والعمل الرديء ويحدد نجاحه أو فشله .
أخيرا وليس آخرا فإن العمل الأدبي إبداع ورسالة وأمانة فالكلمة رسالة ونور وبرهان تنير الطريق إلى العقول وتبدد ظلمات الجهل بنور العلم والمعرفة .

– كيف نقيم العمل الأدبي عالي الجودة عن الأخرى التي لا تعدو كونها خواطر خاصة؟
-هذه مسئولية النقد الموضوعي،ومسئولية النقاد التي يجب أن يقوموا بها .

   قائمة سوداء لدور النشر المتساهلة

وتعمم الأكاديمية والقاصة د. شيمة الشمري ظاهرة التراجع على النثر والشعر بقولها : 
– ما الأسباب التي أدت الى تراجع الثقة والإقبال على المؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية ؟
تراجع القراءة ظاهرة عامة تشمل النثر والشعر، فيما يبدو لي وأجزم أن التنشئة الأولية في كثير من مدارسنا العربية غاب عنها ربط الكثير من الطلاب والطالبات، فإذا أضفت وجود وسائل التواصل وغيرها من المشغلات ظهرت إجابة سؤالك .

– هل ترين أن كثافة إنتاج مؤلفات النثر قد أدى إلى انخفاض جودة المنتج؟
-استسهال الكتابة يولد أدبا رديئا،ولن يصح في النهاية إلا الصحيح.

– هل أثرت سهولة الإنتاج على الارتفاع المهول لهذه المؤلفات النثرية وكيف يتم تقنين ذلك؟
من الصعب أن يكون تقنين مهمة الرقابة على النواحي الجمالية في العمل،ولكن قد يكون هناك نقاد ينشئون قائمة سوداء لدور النشر التي تتساهل في نشر ما هب ودب.

  الحل عودة دور النشر إلى جادة الصواب 

وتؤكد الكاتبة صفاء الأحمد من الأردن على مسؤولية دور النشر عن هذا الخلل من خلال إجابتها على المحاور : 

-كيف نقيم الأعمال الأدبية عالية الجودة عن تلك التي لا تعدو كونها خواطر خاصة؟

الأدب له عدة أشكال و أنواع وأنماط الكتابة مختلفة، جودة العمل الأدبي تعتمد على عدة عوامل أهمها مراعاة شروط العمل واستيفائها، والتدقيق اللغوي و النحوي قبل النشر.
في حال استوفى العمل الأدبي كل الشروط، تبقى عملية قبوله أو رفضه عائدة للمتلقي، فما يعجبني و تقبل به ذائقتي قد لا يعجب غيري.

– ما الأسباب التي أدت الى تراجع الإقبال والثقة على المؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية؟ وهل ترىن أن كثافة إنتاج مؤلفات النثر قد أدى إلى انخفاض جودة المنتج؟
-هل أثرت سهولة الإنتاج على الارتفاع المهول لهذه المولفات النثرية وكيف يتم تقنين ذلك ؟

تردّي جودة ما يُنشر و خلوّه من فكرة أصيلة أو إعادة طرح الأفكار المطروقة بطريقة عادية و مستهلكة هو السبب الأكبر في عدم القبول به أيّا كان نوعه أو تصنيفه.
بات كل شخص يرصف عدداً من الجمل جوفها خواء يقول عن نفسه كاتباً وقد يُسبغ على كتاباته سمة الإبداع، ولاسيما أن رداءة معايير بعض دور النشر و عدم موضوعية القائمين عليها لها الدور الأكبر في هذه المهزلة.
للأسف النقد غالباً يعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات الشخصية والمصالح المشتركة، مما غيّب الموضوعية و الصدق عن ساحته.
حل هذه المشكلة يكمن في عودة دور النشر إلى جادة الصواب من خلال تحري الموضوعية في اختيار الأعمال الأدبية التي سوف تنشر و ألا يتم النشر و الترويج لكل من هب و دب.

  الزمن مصفاة دقيقة لكل ما ينتج

وتشير الأكاديمية بجامعة الطائف د.خلود سفر الحارثي بأنه لايبقى سوى الأصيل من الأدب حيث قالت :

– كيف نقيم العمل الأدبي عالي الجودة عن الأخرى التي لا تعدو كونها خواطر خاصة؟
للعمل الأدبي دوماً شروط إذا توفرت أصبح العمل أدبي، وإلا فهو مجرد خواطر وفضفضات.
هذه الشروط منها ما يتعلق بالأدب ومنها مايتعلق بالكاتب ومنها مايتعلق بالتجربة الشعورية .كلما نضج الكاتب وتعمقت التجربة وامتلك الكاتب أدوات اللغة كلما أنتج أعمالا ذات قيمة .

– ما الأسباب التي أدت إلى تراجع الإقبال والثقة على المؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية ؟
كثرت المؤلفات السطحية ،والفضفضات السامجة .

– هل ترين أن كثافة إنتاج مؤلفات النثر قد تؤدي إلى انخفاض جودة المنتج ؟
طبعا . أي شيء يكثر تقل جودته غالباً .

– هل أثرت سهولة الإنتاج على الارتفاع المهول لهذه المولفات النثرية وكيف يتم تقنين ذلك؟
طبعا السهولة أتاحة لأي شخص أن ينشر حتى لو لم يكن ذا موهبة،التقنين لا يحدث فوراً ،لأنك لا تستطيع أن تمنع أحدهم من الكتابة، أي كتابة كانت ،لكن الزمن مصفاة دقيقة لكل ماينتج ،فلا يبقى غير الأصيل والزبد يذهب جفاء .

   لاعلاقة مباشرة بين جودة المنتَج و كثافة الإنتاج

وتشاركنا الأديبة والشاعرة زينب الحسيني من لبنان برأيها حول محاور القضية بقولها : 

موضوع “قضية العدد” موضوع ذو صلة بمواضيع شتى وأسئلة تطرح، ورغم اختلافها في الظاهر، هناك طوق يجمعها،  يجعلها مرتبطة بعضها بالبعض الآخر .

سؤال مهم يُطرح، كيف نمِّيز العمل الأدبي عالي الجودة عن الأعمال الأخرى التي لا تعدو كونها خواطر خاصة؟

مما لا شك فيه أن علينا أن نبدأ بتعريف الأدب، ومن ثم تعريف ما يسمى ” نص أدبي ” لننتقل بعدها إلى كيفية التصنيف، ومن يحق له أن يصنف نصاً ادبياً .
الأدب هو من المصطلحات التي دار ويدور حولها جدل كثير، وقد تعددت وتباينت فيها الآراء ولا تزال موضع دراسة وبحث مستمر.
الأدب بمعناه الخاص، هو كل ما يؤثر في النفس من نثر رائع وشعر جميل يراد به التعبير عن مكنون العواطف والضمائر أو الخواطر، بأسلوب تعبيري أنيق، يطلق على الشعر والنثر الفني .
وهناك من يعرِّف الأدب بأنواعه التي يتضمنها وبهذا يصبح الأدب، كل كتابة فنية تنتمي إلى الشعر والرواية والخطبة والقصة القصيرة والمسرحية والتراجيديا والحكمة .”
ولفظة ” أدب” تعني عند كل الشعوب بأنها عملية الإبداع الكتابي والتعبير عن القضايا بلغة ” أدبية” تحمل صوراً بلاغية تستطيع أن تنفذ إلى نفس القارىء وتحاكي وجدانه وتتلمس حاجاته معبرة عن قضاياه .
” أما معنى” الأدب ” اللغوي في الأصل , فمأخوذ من كلمة ( مأدبة) أي الطعام الذي يدعى إليه الناس ولذلك كان معناه يشمل التدقيق والتهذيب في العقل والشعور، فكماأن الطعام يغذي الأبدان، كذلك الأدب يغذي الوجدان، وهذه هي مادة “الأدب” التي في دراستها تتفتح آفاق التفكير والإحساس والذوق . “

أما الأجناس الأدبية في اللغة العربية فتعني تصنيف الأدب العربي لعدة أجناس تعتمد على معاير ومقاييس محددة، لها مميزاتها وسماتها وقوانينها الخاصة والعامة، ينتظم خلالها الإنتاج الفكري للقضايا الخاصة بالفرد بوجه خاص، وبالمجتمع بوجه عام .
وبهذا قد يعرَّف الأدب، بأنه كل كتابة فنية تنتمي إلى الشعر والرواية والقصة القصيرة أو القصيرة جداً ,وأيضاَ الخطبة والمسرحية والتراجيديا والحكمة ..
ومن هنا يخلد النص الأدبي أيا كان نوعه ,بقدر ما يحاكي هموم المجتمع وأيضاً بمدى ما يختزن من فنية عالية وأسلوب متفرد جذاب أو مثير للدهشة، وقد تتشارك بعض الأجناس الأدبية ببعض السمات والمعايير رغم ما بينها من اختلاف وتميز .
أما كيف يميز نص أدبي بأنه نص عالي الجودة فهنا تكمن القضية، مسألة التقييم هي مسألة نسبية ومعقدة في آن واحد فالنقاد الأكاديميون يتفقون عادة على معايير علمية ثابتة نابعة من تحصيلهم النقدي المبني على أسس وقواعد محددة تعود إلى مدارس نقدية متنوعة، لكن مهما تباينت الآراء بينهم حول الحكم على نص أدبي ما فإن الرؤية العلمية النقدية تجمع على عمل ما أو مصنف بأنه “عالي الجودة”, وبهذا يذيع صيت أدباء روائيين أو شعراء ويرقون أحياناً إلى مستوى العالمية، والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المجال .
وهناك نقاد انطباعيون يتمتع بعضهم بثقافة نقدية عالية ولديهم ذائقة أدبية ومعرفة لغوية ثرية في علم البلاغة وفرادة الأسلوب الفني، هؤلاء يحسب لرأيهم حساب في التقييم، لكن المشكلة تكمن في أحيان كثيرة بالمجاملات التي تجعل أي مقيِّم يشت عن التقييم “الصواب ” وعن الموضوعية فيدلي بأحكام ويعطي ألقاباً وصفات, لأديب أو شاعر أو روائي  لا علاقة له بالأدب ولا بالإبداع لا من قريب ولا من بعيد،
يبقى التقييم الذي يعطيه القارىء أو المتلقي العادي،
هنا تتفاوت الآراء والمستويات في الحكم، وقد يُحكم على نص بأنه ” رائع ” وهو في الحقيقة نص عادي أو أقل من عادي، لا يملك أية مقومات ليعد نصاً أدبياً

حالياً هناك مشكلة المجموعات الفيسبوكية الكثيرة  التي تتيح لأيٍّ كان أن يكتب شعراً ونثراً وقصصاً قصيرة وقصيرة جداً، ويأتي التعليق على النصوص أحياناً مخاتلاً للحقيقة؛ لأنه مرتبط بمن يقيِّم النص، بثقافته، وموضوعيته، وتأتي المجاملات التي لا تعد ولا تحصى وتفتقر إلى الحد الأدنى من التخصصية أو الخبرة النقدية، لا شك أن تقييماً من هذا النوع هو تقييم زائف، أًصبح مضراً بالأدب نفسه وبالأدباء الحقيقيين،  فقد اختلط الحابل بالنابل، وأصبح لقب “شاعر” أو أديب أو قاص  ُيمنح لمن يمتلك كمَّاًهائلاً من المعجبين ومن اللايكات، ولا نستطيع أن نعمم هذا الكلام، لأن الساحة الأدبية الالكترونية تعج بالأدباء والشعراء والقاصين الذين يستحقون الألقاب بجدارة وترفع لهم القبعات، لكننا نلحظ وبرغم وفرة المؤلفات النثرية تراجعاً في الإقبال على اقتنائها وعدم ثقة من قبل الجمهور، فما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك التراجع وفقدان الثقة ؟
قد يكون أحد الأسباب هو اختلاط الغث بالسمين في الأسواق، لذا أصبح المقبل على شراء عمل أدبي يتريث كثيراً قبل أن يشتري .
ومن الممكن أحيانا وفي بعض الدول أن غلاء المعيشة وغلاء اقتناء كتاب أدبي أو رواية أو ديوان شعر يقف عائقاً أمام طالب الثقافة الحقيقية، وهذا سبب يحسب له حساب، ولا ننسى أن الإنسان العربي لا يقرأ وهذا معروف لذا أيضاً تكسد أعمالٌ أدبية رائعة وروايات عالمية تعرض في دور النشر ولا يقبل على شرائها الناس، ويتبادر إلى أذهاننا أن نسأل : وهل هناك علاقة بين جودة المنتَج و كثافة الإنتاج ؟
أميل إلى القول أن لا علاقة بينهما بشكل مباشر،
هذه العلاقة هي علاقة بين مسمَّيين من نوعين مختلفين، فجودة إنتاج ما تتعلق بمن أوجد أو أبدع أو ابتكر العمل، وهناك أعمال رائعة بينما توجد إنتاجات رديئة، أما كثافة الإنتاج فتتعلق بالظروف التي تتيسر لكمية ما يُنتج، وعلينا أن نذكر أن هناك أعمالاً نثرية ورقية وأعمالاً الكترونية، وكلنا يعلم أن النشر الالكتروني أصبح متيسراً جداً، بينما تراجع النشر الورقي ولم تعد معظم دور النشر تجد من يشتري ما ُينتج حتى لو كان عملاً روائياً حائزاً على جائزة إبداعية !!
من هنا يحصل الخلل فيما َيقدَم إلى المتلقي :
كمٌّ هائل من المنشورات الالكترونية ( من قصص وخواطر وققج. وروايات..)
وغير ذلك من منشورات أدبية ونقدية، والرقابة متروكة للمقيمين على الصفحات الالكترونية، لذا نجد صفحات تقدم أدباً قيماً مختاراً بدقة وعناية وأخرى تقدم أدباً هابطاً لا يصح أن ننعته أدباً
_ من الملح والحالة هذه  أن نبحث كمهتمين بالأدب الراقي، عن سبل لتقنين كثرة المنتجات وتحديداً المنتجات الهابطة، هنا تبرز أهمية النقاد والنقد الموضوعي الإيجابي، وذلك بطرح نماذج نقدية لنصوص مختارة فيها الجيد وفيها الرديء وتبيان مواضع الضعف او الخلل فيها أكان خللاً من ناحية الشكل أو المضمون أم كان خللاً بنيوياً لنصوص تكتب ضعيفة، لا تصنف في خانة النصوص الأدبية لا من ناحية التجنيس ولا من حيث المضمون، وهذه مسألة صعبة، طريقها شاق طويل يتعلق بمؤسسات ثقافية لا بأفراد،  ومن المؤكد أن الثقافة المتنوعة وإتقان قواعد اللغة البليغة المرصعة بالمجازات والانزياحات والإيحاءات وشتى صروف وأشكال التعبير اللغوي المنمق، يؤثر إيجاباً بكتابة إبداعية في أي نوع من أنواع الأدب، كما أن المعاناة التي نعانيها كأفراد وشعوب عربية كفيلة أن تخلق مبدعين فيما لو تسلحوا بالوعي وإرادة الإلمام بشروط الكتابة الأدبية الحقيقية وصولاً إلى إبداع حقيقي.
أخيراً أتمنى أن أكون في هذه العجالة وهذه الظروف الصعبة قد طرقت موضوعاً أدبياً بحثياً مرشحاً للجدل والحوار؛ خدمة لأدب جوهري إبداعي يخلِّد سجل صاحبه ويشيِّد صورة مستقبليةً لمجتمعات أفضل .

     المشاغل وضعف المحتوى أثرت سلباً على المنتج  

وتجيب الكاتبة شذا الجاسر من السعودية على محاور فرقد مختصرة الأسباب :

– كيف نقيم العمل الأدبي عالي الجودة عن الأخرى التي لا تعدو كونها خواطر خاصة ؟

برأيي أن تكون لغته تحمل الجمال والإبداع الأدبي، وسليم من الأخطاء الإملائية والنحوية.

– ما الأسباب التي أدت إلى تراجع الثقة والإقبال على المؤلفات الخاصة بالكتابات النثرية ؟

اهتمام البعض بأمور أخرى غير القراءة، فكثرة المشاغل لها دور كبير، وربما بسبب الرسائل المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يكون ضعف المحتوى النثري سببًا.

– هل ترين أن كثافة إنتاج مؤلفات النثر قد أدى إلى انخفاض جودة المنتج ؟

لا أرى ذلك.

– هل أثرت سهولة الإنتاج على الارتفاع المهول لهذه المولفات النثرية وكيف يتم تقنين ذلك؟

السهولة ليست سببًا بقدر قبول عمل ليس له فكرة وهدف، فمن وجهة نظري تقنين الإنتاج على الأعمال النقدية والأعمال التي تحمل فكرة وهدفاً ورسالة للمجتمع بلغة أدبية جميلة سواء كان النثر مقالة أم خاطرة أم قصة بكل أنواعها.

2 thoughts on “المؤلفات النثرية سهولة انتاج وإصدارات متشابهة

  1. تحياتي وتقديري لهذا البحث الأدبي الإستقصائي.
    ولكن لي تعليق صغير حول المنتج الأدبي وتأثير الوسائط المتعددة عليه، وهذا يجعل من المتعذر تقييمه حيث أصبح الأدب ساعة تخضع لذائقة المتلقي. ولكن دور الأدب الأصيل إضافة الي إبداع الكاتب أو الشاعر أو القاص، هو رفع الذائقة الأدبية لدي المتلقي؛ وليس تقديم مايرضي ذائقته.

    ولن نعيد اختراع العجلة، وعندنا من المتخصصين في الأدب وعلومه مايفوق الحصر. وحقيقة تأخرت الوسائل الأكاديمية العربية كثيرا في ملاحقة التطور التكنولوجي.

    وأقترح أن تقوم كل كلية متخصصة في أقسامها لإنشاء دوريات أدبية يشرف علي تقييمها أكاديميين متخصصين في النقد الأدبي ؛ودراسة الظواهر الشعرية والأدبية المختلفة. وتقوم تلك الدوريات بنشر الأبحاث ورقيا والكترونيا، عبر المواقع التفاعلية المختلفة مثل Linked in, Facebook, Twitter. هذا يقدم العملة الجيدة والتي تطرد العملة الزائفة؛ وهذا سيجذب المبدعين ليقوموا بالنشر بها.
    ويمكن عمل دورات تدريبية للأدباء الجدد لصقل مهاراتهم الأدبية مما يرفع من مستوي المبدع ذو الموهبة الحقيقية. تلك خطوة من خطوات نرفع بها وهي المتلقي وننشر بها العلم، ونحافظ علي اللغة العربية وفي الوقت ذاته نكتشف المواهب وننميها.

    ويمكن عمل حلقات إذاعية وتليفيزيونية علي قنوات ذائعة الصيت وواسعة الإنتشار لتلك المواهب والأساتذة المعلمين لهم.

    تحياتي وتقديري لجهدكم المشكور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *