حسن الرّبيح : الكتابة تنتشل الفرح من بئر الكآبة

 

 

 

حوار/جوهرة يوسف

في قصائده سمعنا صوت الطفل، يصل بشكل شعري مستقل، ببساطة يجلس جنبًا إلى جنب، ويرتكز على البراءة…و ( كأن ) أفضل لقاء بين طرفين هو الشعر..
فيه سكينة، فيه هدوء، ويترك جميع الجماليات مفتوحة، وبكل الأنماط..

** ** **

السيرة:
حسن مبارك الربيح
مواليد الأحساء 1973م
بكالوريوس لغة عربية 1996م
معلم للغة العربية حتى اليوم
الإصدارات الشعرية:
1- احتواء بامتداد السراب 2010م.
2- قبضة من ضباب 2018م.
مجموعات شعرية للأطفال:
1- اسمه أحمد 2015م
2- أصدقاء مريم 2016م
3- أنا موهوب 2019م
4- العصفورة تتكلَّم 2020م

** ** **

*وَرَقٌ وأرَقٌ.

أَنا شاعِرٌ يَتَعدَّدُ في كُلِّ نَصٍّ،
فكُن قارِئًا قابِلًا للتَّعَدُّدِ..
كُن ضِفَّةً
تَترُكُ الماءَ يَبنِي جَداوِلَهُ
كَيفَما شاءَتِ اللَّحظَةُ الجارِفَةْ

أَنا شاعِرٌ يَكتَشِفْ
فكُن قارِئًا مُختَلِفْ
يُراقِبُ ظِلَّ القَصِيدَةِ
حتَّى إِذا ما اختَفَى
كانَ شَمسًا
يُلاحِقُ مُتعتَهُ في ابتِكارِ الظِّلالِ،
فيخرُجُ بالنَّشوَةِ العاصِفَةْ

أَنا شاعِرٌ قَتَلَتْهُ الغَزالةُ،
وهيَ تُطِلُّ، وتَنأَى
فكُن قاتِلًا لسُكُونيَ؛
كي تَتَحوَّلَ مُديَتُكَ الآنَ
غُصنًا تَحُطُّ عَلَيهِ
الحَمامَةُ طَيِّعَةً لاهِفَةْ

أَنا شاعِرٌ وَرَقٌ
بَعثَرَتْهُ الرِّياحُ
فكُن أَرَقًا
يَتبَعُ اللَّيلَ حَتَّى مَداهُ
ففي اللَّيلِ
خَبَّأْتُ خَمرَتيَ النَّازِفَةْ

أَنا شاعِرٌ يَتَرَحَّلُ
صَوبَ التِماعِ البُرُوقِ
فكُن عارِفًا بالخَرائِطِ، والنَّوءِ؛
كي لا أَضِيعَ – كَما تَتَصَوَّرُ –
يا أَيُّها الجَبَلُ المُستَرِيحُ،
أَنا غَيمَةٌ عَبَرَتْ
فَوقَ غَفلَتِكَ المُستَطِيلَةِ،
وانهَمَرَتْ في سُفُوحِكَ
أَشجارُها الوارِفَةْ

** ** **

*ينتشل الفرح

فرقد: حسن الربيح، وأشياء لا يعرفها الكثير من معجبيك!

حسن الرّبيح: أحبُّ السِّباحة، وكثيرًا ما أرى في المنام أنِّي أسبح في الفضاء.

 

فرقد: قصائد، ونصوص شعرية للطفل فكرة مدهشة، تعتنق الفكرة، ثم تبدأ بالخطة، والتنفيذ، ثم الإنتاج.. بين الطفل، والمراهق، والبالغ. كيف ترى نتاجك؟

حسن الرّبيح: أميل إلى استنطاق الطفل في المخيّلة؛ ذلك لأنَّ الدُّخول إلى عالم المراهق والبالغ، يتطلَّب جهدًا أكبر، وقصيدة الطفل تبدأ بفكرة كما تفضلتِ، ثم بجملة راقصة، أنسى معها فارق العمر بيني، وبينه.

 

فرقد:
فإِن جَحَدُوا نُعماكَ، فالنَّبعُ سائِرٌ
وإن ضيَّعُوا مَجراكَ، فالحَقلُ مُفعَمُ

ويَكفيكَ لو أَسدَى لكَ الطَّيرُ شَدوَهُ
بكلِّ صَباحٍ، حيثُ يَحلُو التَّرنُّمُ

فيَستَلُّ من أَنفاسِكَ الآهَ، والضَّنَى
وتُلقِي التِفاتًا للطُّيورِ، وتَبسُمُ

– لو دسست في دولاب اللغة بعض الأماكن، والحالات؛ التي تصاحبك دوما، وطلبت منك أن تبرم عجلة الدولاب. توقع لنا ما سيتوقف عليه من الحال، والمكان؟

حسن الرّبيح: المزاج، والهدوء، والعزلة، حيث القراءة على العادة، وعلى غير المعتاد، تأخذني إلى معارجها، وحيث الكتابة؛ تنتشل الفرح من بئر الكآبة.

 

*معجم إحساس

فرقد: هل لديك ذاك الهاجس اللغوي في شروط كتابة القصيدة؟ فكل قصيدة لها قسم معجم خاص بها، هل هو انتساب خصوبة الشاعر الموهوب؟

حسن الرّبيح: سؤال جميل جدًّا.. في الكتابة لا أهجس باللَّغة؛ لأنَّ لغة الشِّعر تأتي متماهية مع اللحظة كيفما كانت، دون تفكير في المقادير الشعرية، فليس للغة مقدار معين، أو معجم تستقي منه أثناء الكتابة، للغة وظيفة خلق الدَّهشة من معجم الإحساس.

 

فرقد: صف لنا الحس الواعي؛ الذي يتجسس على المغارات الحياتية، ليأتي بالقصائد. وهل متعة التلصص ضرورية لشهريار؟

حسن الرّبيح: شهريار الشعر لا يحتاج إلى تجسس، أو تلصص، يكفي أن يقوده إحساسه، وخياله إلى تلك المغارات عبر خيوط الواقع.

 

*(شقادة)

– تعُدُّ التِفاتَتَها وَطَنًا للرَّدَى
ضَريرٌ هُو القَلبُ حِينَ تُفاجِئُهُ نَسمَةٌ عاطِشَةْ

فرقد: كيف تبصر أبعد مما يظن المدى في قصائدك عامة؟

حسن الرّبيح: إنها اللحظة الشعرية، حين تأخذني بلا حدود، وبلا مدى من فرط النشوة.

 

فرقد: هل شعرت يوما أن القصيدة وباء؟

حسن الرّبيح: وباء، ووبال أيضًا، لكنها في الوقت نفسه بلسم وانتشاء، وهذا سر القصيدة، أن تمزج السعادة بالشقاء، فلا هي شقاء، ولا هي سعادة، وإذا جاز لنا أن ننحت نسمِّيها (شقادة).

 

فرقد: ما رأيك بالشعارات الطائفية غير المنضبطة؟

حسن الرّبيح: رشَّاشات قد تتحوَّل إلى أيادي أطفال.

 

*غربة وقت

فرقد: هل ترى أن الشعر قلعة الشاعر؛ الذي يحتمي به من عواصف الحزن، وقصف الأوجاع؟ وكيف يكون علاجه؟

حسن الرّبيح: هو قلعة نعم، وهو ساحة حرب أيضًا، لا علاج للشعر إلَّا بالشعر نفسه.

حُلوَةٌ هذِهِ اللُّغةْ!
ما اسمُ هذا حبيبتي؟
أَفِراشٌ لنَومِنا
أم فَراشٌ لطِفلِنا؟

فرقد: كيف تكبر قصائدك؟ وهل حين ترضعها ما بداخلك، تكون من البارين؟ وهل عصتك قصيدة يوما؟

حسن الرّبيح: هذه أسئلة بها من العمق ما يصلح أن يكون دراسة موسعة، ولكن بالنسبة لي، فأرى أن القصيدة تترعرع في الأزمنة، بعد أن تنفصل عن شاعرها، فمتى ما احتاجها زمن، قامت من نومها طفلة تركض، فصبية ترقص، أو فتاة تغري. هناك من القصائد عمرها ألف، وأكثر، وما زالت تعيش بيننا فتيَّة، لا نملُّ من بهجتها، ودهشتها، أمَّا لماذا؟ فهذا حديث آخر.
وأكون بارًّا مع القصيدة أثناء الكتابة، وما بعد ذلك أتركها لغربة الوقت، والقصيدة المتمرِّدة على الظُّهور، اتركها وعصيانها، ولا عقاب لها إلا النِّسيان.

 

فرقد: فراشات هي قصائدك للأطفال. ما هي القصيدة المقربة لديك؟

عُصفُورَتي الصَّغيرةْ
في ثَغرِها
قَصائِدٌ مُثيرَةْ
تَراقصَتْ مِن حَولها الأَشجارْ
لما شَدَتْ بأَجملِ الأَشعارْ

*مبثوثة

حطَّت على الأرضِ
كما تحطُّ قطرةُ النَّدى
ثمَّ اختلفنا حولها
حين الصَّباحُ جفَّفَ السُّطوعْ
فبعضُنا يؤوِّلُ السُّطوعَ في الأَعشابْ
وبعضُنا يقولُ: في الأَعنابْ
وبعضنا يشيرُ للتُّرابْ

فرقد: لو قسَّمت قصائدك لأوقات، كتقسيم اليوم لساعات. كيف تستشعرها؟

حسن الرّبيح: حركة القصيدة غير منضبطة، ولا تشبه حركة السَّاعة، لذلك كلُّ وقتٍ فيه هدوء وصمت، قد تكون معه فرصة أكبر، لاستشعار نصٍّ ما، وهمهمته.

 

فرقد: الدين، الحب، فروقات العلاقة، المشاهير، العنف، المراهقة، الحرية، النظرة والإعجاب، الأشواق… هل تحدثت عنها في قصائد الأطفال؟ وأخبرنا لماذا جوابك هذا؟

حسن الرّبيح: عادة مثل هذه الموضوعات تكون مبثوثة، وممتزجة بالقصيدة، من الصَّعب جدًّا إفراد موضوع معين في قصيدة الطفل، فالقصيدة -بطبيعتها- تقوم على فنِّيَّات، ويقود مسيرتها التدفق الشعري، وحين ينتهي، تكتشف بعد ذلك، طبيعة الموضوع كيف نما، وتشجَّر؟
أمَّا لماذا هذا الجواب؟ فهو عائد إلى طبيعة الشعر، حين يراوح بين الوعي واللاوعي.

 

ما بينَنا عَشرةٌ مِن عُمرِ كَبَّادِ
قالَتْ، وتعني بها: تاريخَ مِيلادِي!
شَهادةٌ لم تكُنْ في طَيِّ ذاكرتي
لولا الوَثيقَةُ مِن مِيلادِها البادِي
وأَحسُبُ العمرَ، لكن في دَمي عَدَدٌ
دونَ الحِسابِ، وأَعني: رملَنا الشَّادي

فرقد: من الذي يتغلب على الآخر القصيدة أم الشاعر؟

حسن الرّبيح: لا يمكن تحديد ذلك، ولكن لو ذهبنا إلى عمق السؤال فلسفيًّا، فإنَّ الاثنين منتصران، بمعنى أن الانتصار للإبداع وحدَه، فهو الذي يتجاوز لحظة الكتابة إلى الأبد.

 

*مجاهيل الكون

وَفي لحَظةٍ مِن مَتاهاتِ رُوحِي
يُوحِّدُني الكَونُ فِيهِ شَتاتا،
وَأَشرُدُ كَالوَهمِ
نايًا، وَهَمهَمَةً، وَصَلاتا
أُحِسُّ بكُلِّ المَواجِعِ..

 

فرقد: ما هو الفرق بين الغرور والتواضع؟ وكيف نستطيع أن نراه من زاويتك؟

حسن الرّبيح: الغرور أن تكون كوكبًا مضيئًا، ولكن بلا سكَّان، والتواضع أن تضيء بمن تحبُّ، حتى لو كانت نملة، فما فوقها.

 

*الشِّعر

مَخلُوقٌ لُغَويٌّ،
لا يَعرِفُ مَعنَى التَّحنِيطْ
وَجهٌ ممتَنِعٌ ذاتًا،
في أَن تَكشِفَهُ مِرآةٌ
أَو أَن نَتخيَّلَهُ في بَعضِ خُطُوطْ

فرقد: من الذي يصنع لك وضعًا اعتباريًّا الشعر، أو القصة؟

حسن الرّبيح: بالتأكيد الشَّعر، فيه اكتشفت الآبار المخفيَّة في نفسي، وبه تتفتَّح مجاهيل الكون.

 

فرقد: الأحجار الكريمة، تحتاج ليد تعرف كيف تخرجها، اختر حجرًا كريمًا ترى به شعرك، وصفه لنا؟

حسن الرّبيح: أشكرك أوَّلا على تشبيه القصائد بالأحجار الكريمة، الَّتي لا يعرف قيمتها إلا من افتُتِن بها. هناك قصائد لي تمثِّل اللَّحظة تمامًا، وتمثِّل الحالة الشعورية دون أن تصاب بالفتور، وهي القصائد؛ التي انسكبت دفعة واحدة، هكذا دون أن أشعر، على سبيل المثال قصيدة (بيان متأخِّر)؛ التي في ديوان (قبضة من ضباب)، ففي هذه القصيدة شيء من صراعي الفكري والشعري، وهناك قصائد أيضًا سيضمُّها الديوان الجديد (حرائق معلَّقة) معظمها ابنة اللحظة.

 

*يستهويني العبث

فرقد: هل تعلّم الأطفال مواعيد البراءة؟

حسن الرّبيح: هم من يعلّمونني كل شيء.

 

فرقد: هاك ورقة بيضاء مغوية، ماذا ستكتب فيها، وما هي خربشات الزوايا؟

حسن الرّبيح: أشخبط فيها كطفل، يستهويه العبث بكلِّ أشكاله.

 

فرقد: كيف تتصالح مع الطفل، مع الصديق، مع المرأة، مع حسن الربيح؟

حسن الرّبيح: التصالح لا يكون إلا بين طرفين، فأنا هنا أمثِّل طرفًا واحدًا، فالطفل أتصالح معه بكلِّهِ، بمعنى أنَّني أتقبَّله بأسئلته، وأفكاره، وأحاسيسه، ومقاصده البيضاء، أمَّا الصديق، فالتصالح معه يعتمد على نقاط الالتقاء، والافتراق، ومساحة الذكريات. أمَّا المرأة فالتصالح معها من خلال المشاعر، ومساحة البهجة؛ التي تخلقها الابتسامة، أمَّا مع نفسي، فأنا متصالح مع ما تختاره قناعاتي لولا بعض المزعجات؛ التي تفضِّل الاختباء في الدَّاخل.

 

*هنا فرقد

فرقد: وحانت لحظة السلام، والنقش لفرقد بسطرين بين الشعر وإبداعاتك.

حسن الرّبيح:

إلى الَّتي خبَّأتني في سرائرِها
قصيدةً حيثُ كان الصَّدرُ ديواني

إيقاعُها في تصابي النَّهدِ، لو رَقَصتْ
وسرُّها من شُعاعِ الوَجهِ يَغشاني

في نهاية هذا الحوار، أتقدم بالشكر الجزيل للإعلامية جوهرة يوسف على هذه الأسئلة؛ التي أثارت كوامن لحظات، وأفكار ما كانت تظهر لولا هذا الاستجواب الأدبي والفكري.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *