الصلهبي.. خائن الشبه!

بقلم: صالحة علي معوضة حكمي*

 

لعل في اختيار الصلهبي عنوان ديوانه «خائنة الشبه» خروجًا أوليًّا، من ضيق الألفاظ النمطية إلى فضاء التراكيب المثقلة بالمعاني المختزنة بها، مما يشي بشاعر ذي قدم راسخة، لا يعمل على عناوين جاذبة ولا تراكيب موحية قدر اعتماده على المعاني المجمّدة في تركيب مبسط (مضاف ومضاف إليه).

في محاولة للبحث عن خائنة الشبه هذه مررنا بأبيات لا يفصح أولها عن آخرها، وهضاب تصويرية، وتلال تعبيرية، وأساليب بين الإنشاء والخبر، بما يجعل اللوحة الأدبية منفتحة على آفاق بيئة أدبية متكاملة من صنع يديه، غير أننا حين وصلنا إلى قصيدة (خائنة الشبه) التي جعل الشاعر الديوان طبقًا لها، ومسمًّى باسمها، إذا بنا نتنسَّم ريحًا من نوع آخر، وخليطًا من «طبخة» أدبيَّة جدّ مختلفة.. تقوم على استدراج الألفاظ وإقامة جسر من العلائق بينها، يبدو للوهلة الأولى مهتزًا وغير ثابت، وما إن يستخدمه قارئ للعبور، حتى تهدأ حركته التي كانت تتأرجح مع حركة الرياح حولها، وينفتح على مجهولات متعددة، وإذ بالجسر الذي بدا غير ثابت طريق ممهد لمن حلحل مفرداته، ودَرْب إلى القبض على ذاكرة الشاعر وروحه، من دون إهانة أو استجداء أو محاولة للتزلّف إلى القارئ بإيراد المعاني البسيطة المباشرة التي تصنع حالة طربية تشبه فقاعة تنفقئ بعد قراءتها.. لا.. لم يفعل ذلك الشاعر، وإنما فضل أن تكون بندقيته عامرة، وجعبته زاخرة، وأن يلقي بالأسهم لتدل على الطريق، لا لتصيب هدفًا، ويحمل طريدته ويرحل، فإذا بقصيدته تلك وردة ديوانه كله، لكنها في الوقت ذاته مفتاح فهم باقي الديوان.

على ذلك فقد اضطررنا إلى أن نتخذ مسارًا مختلفًا في نقد الديوان، يبدأ من الخاص إلى العام، ويتشعَّب من القصيدة المفتاح ليُسمع صداه في بقية جنبات الديوان.. على النحو التالي:

 

أولًا: الاضطراب المقصود

أغوتك خائنة الشبه *** ينأى.. أتدرك أقربه

يترك الشاعر القارئ يتساءل عن حركة الضمائر، وما الذي أعاد على المؤنث ضمائر المذكر، أم أن المقصود هو الحديث عن (الشبه) الذي هو مضاف لـ(خائنة)، ولماذا يرشِّح الشاعر المضاف إليه في وجود المضاف.. ثم – الأهم من ذلك – لماذا (الشبه) وليس (التشبيه)؟

متى عرف شاعرُنا، الأديبَ خليل مطران، الذي ثار على القصيدة الهزيلة، وأراد أن يجعل من القصيدة تجربة شعورية تجمع بين مشاعر القائلين والسامعين معًا، وشعاره في ذلك أنه (ما دام الشاعر أجهد نفسه في الكتابة، فعلى المتلقي أن يتعب بالدرجة ذاتها)..! هكذا من المبرر أن نرى اضطرابًا للوهلة الأولى سرعان ما ينجلي عن مقاصد شعرية خاصة.

الشاعر يريد أن خائنة التشبيه أغوت، وأدوات الغواية غير مدركة، فكأنها مثل القاتل الذي لا يعرف مدى سلاحه ولا قدرته التصويبية، فلربما أذى من حيث أراد المعالجة، أو قتل وهو يرمي إلى التهديد.

أهذا كله في كلمات ستٍّ؟!

نعم، ويبدو أن ذلك دأب الشاعر، من حيث يقول في موضع آخر بالقصيدة ذاتها (وصحوك مثلبةْ)، وهو تركيب جديد على البيئة العربية التي عنيت بالتشبيهات المطابقة، والخيال المفسَّر.. يحار القارئ في تفسير ذلك، ولربما ردّه إلى اضطراب، لا يلبث أن ينقشع، فإذا ما ظنه المسافر سرابًا دوحة ومياهًا.

يبني الشاعر صورته تلك على أن ثمة علاقة بين النوم الذي يسلب من الإنسان وعيه، وينتقص من إدراكه، ويغيب قدرته على التحكم؛ فكيف تكون المفارقة إذا كان الصحو هو المثلبة، ألا تشتدّ الأزمة وتتعقّد، وتزيد من هوة التناقض؟!

على هذا الدرب يمضي الديوان كله ما بين تصور أولي باهتزاز ما، أو اضطراب حركة، أو صورة غير واضحة، فما إن يتأملها القارئ ويبذل عندها بعض جهده حتى تنحل عقدته، وتتضح الصورة المغبّشة، ويَبينُ عن رؤية شاعر محقق، وأديب يعرف أن للكلمة سلطانًا؛ فلا تنفلت من بين يديه!

يقول في قصيدة (ثرثرات الغبار)

دثار المساء على جبهتي *** يئنّ وأجهل ماذا عنى؟

ولربما جهلنا نحن بالفعل ماذا عنى، وأشعلنا ذهننا باحثين عن علاقة دثار السماء بالأنين، وكيف يقع على مقدمة رأسه، وعن سبب جهل الشاعر بذلك كله.

لا بد أن نأخذ نفسًا عميقًا، وأن نعود إلى استكشاف الصورة.. نعم.. فهمنا، قصد الشاعر أن ظلال المساء وحركة الكائنات وما تثيره من أوجاع ومضاعفات الألم، تتسع لتملأ كل جوانحه، فيصير الألم هو الشاعر، أو الشاعر هو الوجع، فلا تدري أيهما يئن، وتصبح الصورة معقدة، والالتباس حقيقيًّا، لذلك جاء البيت الثاني:

بقربي يمر السؤال العقيم *** ويخفي بطياته: من أنا؟

ليؤكد على الالتباس، ويحيل المتلقي إلى حيز المعاناة التي من رحمها كانت هذه الأبيات.

في قصيدة (عنق الزجاجة) أيضًا يقول:

متشبث بالمد

أفرغ شقوتي

لكنما تغتالني أفراحي

أشدو

أهدهد نقمة الناعي بأندائي

وأشرع في الفضاء جراحي

وعلى جمال هذه المقطوعة الرشيقة، يتبدّى جمال آخر في جعل جِراحِه شراعًا يعبر به أوجاع العمر غير الورديّ.. فالاغتيال والنقمة والتشبث والشقوة مفردات حقل الألم والأوجاع، والشاعر يستبدلها بشراع سفينة مخرق، ويعبر بها حيز الفضاء المنتشر، فإذا الفراغ مياه يعبر عليها، وإذا الفلك يجري إلى متسع الفرح وفرط الجمال!

ثانيًا: أقنعة الشاعر

للشاعر شخصيات متعددة ووجوه كثيرة في القصيدة، فلا تكاد تلمح له شخصية واحدة ولا وجهة يصر عليها، إنه في كل قصيدة ذو صورة، وفي كل مجموعة أبيات خيال شاعر يختلف عن خيال ما بعده.. كيف ذلك؟

إن الشاعر امتداد لبشر ابن المعتمر الذي أصرّ على المباينة الشخصية للأغراض، فلا يكون الغزل كالافتخار!

يقول في قصيدة (انتحال القصيدة):

لا تلمني إذا انتحلتُ القصيدةْ *** أين وجهي؟ أرى وجوهًا عديدةْ

هو نفسه لم يعد يرى وجهه المتفرّد، عازيًا أثر ذلك إلى تأثريته بما يطلع عليه، وسعيه لملاءمة ما يكتبه حقيقة الغرض ذاته، لا مناسبة من حوله، أو إطرابهم الفارغ.. وأي عظمة أكثر من أن يلبس أقنعة متعددة، وأن يدخل في فضاءات تلائم ميله الآني، لا أن يكون (كالبناء في الأفعال الماضية) لازمًا وجهًا واحدًا مهما تعددت العوامل النفسية الداخلة عليه!

وليس ثمة دليل أكثر نصوعًا من أن نضع بعض مقطوعاته إلى جوار بعضها، ونسأل أنفسنا: أهذه كلها قالها الشخص نفسه؟!

هل من قال:

(أتى دون وعد

ففيمَ أصب له قهوة البنّ

ليس لدي سوى قدح واحد)

بهذا النفس الاستطالي الممتدّ، هو من قال:

(لستُ أبكي.. لم التباكي، ولكن *** هي ذكرى بعد افتراق الجماعة)؟

 وهل من قال:

(لماذا تغذيني مذهب الشك

إني كما تعلمين

ابتليت بهذا الهوى

وبهذي العيون.) هو نفسه من قال:

(أول البدء آخرُهْ *** أي ظل يغادِرُهْ)؟

أليس في هذا دليل على أن الشاعر يدخل في قالب كل قصيدة، ويغير من جلده كلما احتاجت شاعريته إلى ذلك؟!

ثالثًا: تجديد المضمون في تجديد الشكل

للشاعر طريقة مميَّزة في صياغة تراكيبه ومفرداته، لا سيما على جانب الوظائف النحوية، أو التراكيب الدلالية أو معجم الشاعر الخاص:

أنكرتني رغم التداني المرايا *** رغم أنفاسها الـ(يقال) جديدةْ

وكيف لا، ونحن لم نرَ إلا دخول (أل) التعريفية على مضارع، من زمن الأخطل والفرزدق وجرير؟! وكان شاهدًا نحويًّا وحيدًا في بابه، وأزعم أنه لم يكن موفقًا، ولم يعطِ هذا الجلاء الذي أعطته الـ(يقال)، وما أشعرت به من إهمال هذا القول وضعفه، وضياع الحقيقة البيِّنة فيه!

يقول في (نشوة اللاءات):

ألا تدري بأن الـ…

لم تزلْ طفلًا

وهو نسق خاص في حذف اسم (أن) لدلالة النقاط عليه، أو لكي يوسِّع الشاعر من دلالته، ويسقطه على كل ممكن، ويشعِّب – بناء عليه – صنوف الرؤى حوله.

ومن هذا الباب كثير من التغيرات التي تردّ إلى تحريك المضمون بما يضمن أن التجديد لا يلزم عنده هيئة واحدة، ولا له شكل محدد.

وبالجملة، فإن الشاعر حسن الصلهبي حالة، لا نبالغ إن قلنا متفرِّدة، ثقافته لا يخفيها، ولا يجاهر بها، وإنما يجعل المتلقي الحاذق دومًا على تماس معه، مراداته قريبة منك حتى يخيل إليك أنك تقبض عليها، لكنك ما إن تُمسِكُ بالوهم حتى تضحك، وأنت ترى صورة في العمق تتشكل، وبنية أبعد تحل محل اللمعة الخادعة القريبة.

إنه شاعر مصقول في حواري بغداد القديمة، وميازيب الأندلس، وبنايات دمشق، وخيام الصحاري المنفتحة على كل احتمال. مجدِّدًا في الشكل صنع بطاقة هوية جديدة للكلمات، ومزلزلًا القصيدة أعطى للثبات صفة التجدد والاهتزاز، حتى لتكاد أول الأمر تطيش بك التوجهات، ولا تدري على أي أرض تقف منه.

حسبنا بأنه شاعر سعودي أصيل، يستحق أن يُدرَس!

*ماجستير أدب ونقد، جامعة جازان، عضو في منتدى أبعاد أدبية.

الصلهبي

br.0001@hotmail.com :الايميل

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *