الإبعاد الاجتماعي في عصر الإنترنت(3)

د. جهاد فيصل العمري*

تحدثت في المقالتين السابقتين عن أهمية المسافة الاجتماعية أو الإبعاد الاجتماعي (باللغة الإنجليزية Social distancing ) كإجراء لمكافحة الأمراض المعدية وإبطاء انتشارها عن طريق تقليل الاتصال بين الأشخاص المعرضين للعدوى خاصة في ظل وباء فيروس كرونا الجديد و دور وسائل التواصل الاجتماعي في تقليل أثر هذ الإبعاد من الناحية الاجتماعية. في هذه المقالة سيتم النظر في قضايا التعليم الإلكتروني في ظل الإبعاد الاجتماعي. في البداية دعونا نتعرف على مصطلح التعليم الإلكتروني وما الفرق بينه وبين التعليم التقليدي.
يقتصر التعلم التقليدي (باللغة الإنجليزية Traditional Learning ) في الغالب على التعليم في الفصول الدراسية في مواعيد محددة حيث يتم التقيد فيها بحد زمني وجغرافي معين يحتاج فيها الطالب إلى حضور الدروس والانضمام إلى المناقشات الجماعية و أداء الاختبارات المصممة لعملية تعليمه، بينما في التعلم الإلكتروني (باللغة الإنجليزية Electronic Learning ) يقوم المعلم باستخدام التقنيات الإلكترونية لتقديم المناهج التعليمية للطلبة خارج الفصول الدراسية التقليدية، سواء كانت دورة أو برنامج أو درجة علمية بحيث يتم تقديمها بالكامل عبر الإنترنت. خلال السنوات الماضية أصبحت معظم المدارس والمعاهد والجامعات تجمع بين استخدام الفصول الدراسية التقليدية (والتي تتم في بيئة تقليدية وجهاً لوجه) وأساليب التعليم الالكتروني (من أنشطة التعلم والتدريب التي تدعمها التكنولوجيا) على حد سواء في العملية التعليمية تحت ما يسمى بالتعلم المدمج (باللغة الإنجليزية Blended Learning ). كما ان بعض المدارس والمعاهد والجامعات قد تقدم مجموعة متنوعة من البرامج البعيدة عن الحرم الجامعي الرئيسي تستخدم فيها ما يسمى بأسلوب التعلم عن بعد (باللغة الإنجليزية Distance Learning ) وذلك عبر بث كاميرات تلفزيونية مغلقة عن بُعد، أو دورات بالمراسلة.
نموذج التعليم الإلكتروني يحوي ثمانية أبعاد، أولاً طريقة التعلم وهي إما عبر الإنترنت بالكامل ، أو بأكثر من 50٪ عبر الإنترنت، أو بين 25-50٪ عبر الإنترنت ، ثانياً طريقة التفاعل وقد تكون ذاتية يتم فيها الدخول إلى المادة العلمية بأي وقت، أو مرتبطة فقط بوقت المحاضرة الافتراضية عبر الإنترنت، ثالثاً نسبة الطالب إلى المعلم والتي تتراوح بين معلم واحد لكل 35 طالب إلى معلم واحد لكل 1000 طالب بحسب نوع التخصص و المادة العلمية وطرق التدريس ، رابعاً طريقة التدريس سواء كانت نظري أو تجريبي أو استكشافي أو تعاوني، خامساَ دور المدرب والذي يتراوح بين حضور نشط على الإنترنت من محاضرات وحلقات نقاش و جلسات تقييم أو حضور محدود لعدد من الأنشطة أو الاكتفاء بتسجيل المحاضرات ورفعها على موقع المادة، سادساً دور الطالب والذي يشمل حضور المحاضرات الافتراضية أو متابعة المحاضرات المسجلة أو قراءه المادة العلمية المكتوبة أو الإجابة عن الأسئلة أو القيام بالتجارب عبر برامج المحاكاة أو استخدام الموارد المختلفة ، سابعاَ طرق تفاعل الطلاب مع بعضهم البعض وهل هو تفاعل متزامن أو غير متزامن أو مزيج من كليهما. ثامناً طرق تقييم الطلاب وتحديد ما إذا كان الطالب جاهزًا للمحتوى الجديد و تحديد كيفية دعمه إن لزم الأمر.
في ظل حالة الإبعاد الاجتماعي المعمول به الأن لمقاومة عدوى فيروس كرونا الجديد والذي فرض تعليق الدراسة بطريقة التعليم التقليدي بجميع مدن المملكة العربية السعودية و معظم دول العالم اتجهت المدراس والمعاهد والجامعات للتدريس عبر الإنترنت، ولكن هل يعني ذلك أننا انتقلنا من التعليم التقليدي أو المدمج إلى التعليم الإلكتروني؟ في الواقع يصعب الجزم بذلك لأنه و على النقيض من التعليم الإلكتروني والذي تم التخطيط له منذ البداية والمصمم بأبعاده الثمانية آنفة الذكر للتدريس إلكترونياً، فإن ما تقوم به الأن مدارس ومعاهد وجامعات العالم يعد تدريس عن بعد عبر الإنترنت في حالات الطوارئ وهو بمثابة تحول مؤقت لطرق التعليم التقليدية والمدمجة إلى طرق تعليم بديله عبر الإنترنت بسبب ظروف الأزمات. حيث ينطوي التدريس عن بعد عبر الإنترنت، وليس التعليم الالكتروني، على استخدام حلول التدريس عن بعد للتعليم الذي كان يقدم وجهاً لوجه بشكل تقليدي أو كتعليم مدمج، مع الاستعداد إلى العودة إلى الشكل التقليدي أو المدمج بمجرد انتهاء الأزمة أو الحالة الطارئة. وعليه يمكن القول بأن الهدف الأساسي في هذه الظروف ليس إعادة إنشاء نظام تعليمي الكتروني متكامل ، بل توفير الوسائل الممكنة بالوصول المؤقت إلى أدوات التعليم التقليدي بطريقة سريعة الإعداد ومتاحة بشكل موثوق أثناء الطوارئ أو الأزمات. فهمنا للتعليم القائم في حالة الإبعاد الاجتماعي المعمول بها حالياَ سيمكننا من الفصل بين التعليم الإلكتروني و التعلم عبر الإنترنت والتعامل مع الظرف الحالي بواقعية وبطريقة علمية خاصة في مما يتوقعه أطراف العملية التعلمية من المعلم والطالب والمؤسسة التعليمية على حد سواء، كما أنه فرصة لاختيار إمكانيات أنظمة التعلم الإلكتروني والمشاكل المصاحبة لاستخدامه لنكون أكثر جاهزية لتعليم إلكتروني متكامل.
شرح المتخصصون أهم المشاكل التقنية التي تواجه أطراف العملية التعلمية خلال عمليات التعليم عبر الإنترنت والتعليم الإلكتروني على حد سواء والتي قد تسبب في بعض التجاوزات لمبادئ الأخلاق الاكاديمية من بعض أطراف العملية التعليمية والمتعلقة بشكل أساسي في الأمانة العلمية والمصداقية والتي قد تحدث خلال الأنشطة الافتراضية أو عمليات التقييم عبر الانترنت.
يمكن تلخيص الإشكاليات التقنية والتي قد تصاحب الأنشطة الافتراضية من محاضرات وحلقات نقاش واختبارات في ثلاث صعوبات رئيسية أولاَ مشاكل الاتصال بالإنترنت وبالتالي عدم التمكن من التسجيل في النشاط الافتراضي ، ثانياً صعوبة التعرف على شخصية المسجل في الأنشطة الافتراضية ثالثاً صعوبة متابعة المسجلين في تلك الأنشطة. وجود هذه القصور التقني ساهم في خلق بعض التجاوزات الأخلاقي من البعض منها الادعاء بعدم القدرة على الدخول على المحاضرة أو أداء الاختبار، أو الاستعانة بالغير للتسجيل في النشاط أو تسلم التكليفات أو أداء الاختبار، أو الاستعانة بالغير في معرفة الإجابات الصحيحة لأسئلة الاختبار. الباحثون ارجعوا أسباب التجاوزات المتعلقة بالأخلاق الأكاديمية بالتعليم الإلكتروني إلى ثلاث أسباب رئيسية، أولاً بيئة التعليم الإلكتروني والتي تفتقر للتعامل المباشر وجهاً لوجه من ناحية وللتقنيات المناسبة لمراقبة أنشطة التعلم من ناحية أخرى، ثانياَ ضعف مستوى الوعي حول النزاهة الأكاديمية في التعليم الإلكتروني و غياب تحفيز المدرسين والأهل والمؤسسة التعليمية للطلاب على الأمانة العلمية، ثالثاً غياب المبادئ التوجيهية للتعليم الإلكتروني والمفترض تقديمها للطلاب عن التعليم الإلكتروني و الأخلاقيات المصاحبة لعمليات التعليم الإلكتروني بشكل خاص والتعليم بشكل عام.

ختاماً من التوصيات المقترحة عبر المتخصصين لأجل دعم الأخلاق الأكاديمية في التعليم الإلكترونية إدراج موضوع القيم الأخلاقية كدورة دراسية في الخطة الأكاديمية للطالب، وقيام المؤسسات التعليمية ببناء قواعد وضوابط لتنظيم مشاركات أطراف العملية التعليمية مع وضع التعليمات اللازمة للاستخدام الأمثل لنظام التعلم الإلكتروني لتجنب أي سلوك غير أخلاقي ورصد العقوبات في حالة التورط في تلك السلوكيات، و اعتماد هذه المؤسسات أدوات تقنية للمساعد في مراقبة بيئة التعليم الإلكتروني لمنع التجاوزات في المقام الأول، كما أنه يوصى بعقد ورش عمل لتعريف بهده القضايا الأخلاقية وكيفية مقاومتها، وأخيراً ينبغي أن تعتمد المؤسسات الأكاديمية مدونة “أخلاقيات التعليم الإلكتروني” ليتبعها جميع أطراف العملية التعليمية بنظام التعلم الإلكتروني.

كاتب سعودي*
حساب تويتر:GH574_1  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *