الشعراء في قصيدة “أبناء الحقيقة” للشاعر حبيب علي (2 من2)

بقلم: د. مصطفى الضبع*

 

ولا يتوقف الشاعر عن طرح رؤيته وفق الصور المجردة، وإنما يجمع بينها وبين الصور الحسية، معتمدا مجموعة من العناصر المشاركة في تشكيل الصور وفق نظام حسي يقوم على مفردة الماء التي تنداح في المقطع الأخير ولا تتوقف عند تشكيل صورة جزئية ضيقة المجال، والشاعر يشكل المقطع من أربع صور شعرية متناغمة:

“للماء طعمٌ في فم الشعراء،

لونٌ في بصيرتهم،

والعمرُ كل العمر عند سواهمُ من غير لونِ.

معتمدا على مفردة الماء في إنتاج الصورة، مخبرا عنه ربطا مع الشعراء، حيث الماء طعم في فم الشعراء، ومقدما عنصرين دالين على عمل الحواس: التذوق (طعم)، البصر (لون)، والعنصران يرجحان كفة الماء كونهما ينتميان إليه، مما يعمل على توسيع المعنى الشعري للماء تمهيدا فتوسيع دائرة الرمز وانتقال الماء من صورته التقليدية إلى صورة فنية يؤسسها الشاعر حين يدعوا الناس إلى الوعي بفعل الشاعر، جامعا بين الشاعر ومتلقيه، مؤكدا على قيمة التلقي لما ينتجه الشاعر:

“روحوا افتحوا يد شاعرٍ للحب؛

تنبت من أصابعه القصائدُ،

والمعاني أعجبُ الأشجار،

تمتدُّ المعاني في أصابع كفه جناتِ عدنٍ.”  

حيث الشاعر يقيم الصورة على خمس علامات أساسية يجمع بينها في تسلسل دال: الأصابع – القصائد – المعاني – الأشجار – جنات، معتمدا سردية تترابط فيها الجموع وتتوالد منها الصور المفضية من المادي (الأصابع) في دلالتها المجازية، منتهيا بالمتخيل (جنات عدن) والنظام التخييلي يعمل على تجسيم الصورة فالأصابع تنتج القصائد والقصائد تنتج المعاني والمعاني أشجار تفضي إلى الجنة التي يكون للحب دوره في إنتاجها لمتلقيها، شريطة الوعي بها فالقصيدة/ الجنة لا يتأتى للمتلقي الوصول إليها إلا عبر نشاط من شأنه أن يصل إليها أو يجتهد في إدراك مضامينها ومكتنزاتها، وفي مقابل صورة الإنتاج يرسم الشاعر صورة النفي، نفي ارتكاب الشاعر للإثم ولكنه نفي يهدف للإثبات ومدح بما يشبه الذم، وعبر صيغة الاستثناء الدال على التأكيد، تتدفق الصورة التي يبدو ظاهرها خلاف باطنها، ومبتدأها خلاف منتهاها، معتمدا بلاغة التفصيل بعد الإجمال:

لم تقترف يد شاعرٍ إلا الجنايات الشهية،

جذبةٌ في أضلعٍ ولْهى،

ودمعة عاشق مسفوحةٌ، والرعشة الخجْلى،

وباقي ما يخيّل من جنايته تَجنّي. 

حيث تظل الجملة الأولى معلقة بالمستثنى (الجنايات) الذي يؤكد المعنى ويكاد يرسخه قبل حلول الصفة (الشهية) التي تهدم المستقر مبتدئة معنى جديدا يعمل على تشكيل صورة مغايرة تماما حين يعد الشاعر الجنايات: جذبة في أضلع ولهى – دمعة عاشق – رعشة خجلى …..، والشاعر حين يفكك الجنايات ضاربا سلطة التوكيد المستقرة في الاستثناء بمعناه التقليدي، فإنه يؤكد الفعل الإيجابي عبر سلطة الاستثناء بناء على المعنى الجديد، وعبر مجموعة التفاصيل التي فكك بها الجنايات جاعلا منها سلطة أكبر.

وما إن ينتهي الشاعر إلى الصورة الأخيرة، حتى يلملم شتات الصور السابقة، معتمدا لعامة أساسية في المقطع الأول جاعلا منها رابطا يعمد إلى إنتاج التماسك النصي بين المقاطع، حيث طعم الماء في الجملة الشعرية الأولى يأتي خبرا للشعر/ الماء، معتمدا صيغة أفعل مرتين: أعجب الأشجار في الجملة الشعرية الثانية، أعذب في الجملة الرابعة، فإذا كانت الأولى تكتسب حسيتها من الأشجار ، فإن الثانية تكتسب حسيتها من ذاتها، فالعذوبة صفة ملموسة في الطعم، ومستحضرا – إلى حين – صورة الماء عبر اسم الفاعل (غارق)، مراهنا على التمني في لحظة الوعي بالصورة، جاعلا من الوعي سلطة تمنحك القدرة على الحلم واستكشاف طاقة الشعر وسلطته، لذا تأتي الصورة الأخيرة مجالا حيويا مختوما بجملتين تقران معناهما، الأولى تبدأ من المبتدأ (الشعر)، والثانية تبدأ من سبيكة المضاف والمضاف إليه (آفة الموتات)، أن تنسى التمني بوصفه حالة لفعل إنساني لا يتحقق إلا بالوعي ذلك الذي يبثه الشعر روحا في البشر.

الشعر أعذب ما يباغت غارق في وجدهِ

فتمنّ شيئًا قبل أن تلقى القصائد حملها،

شيئا أخيرًا؛

آفةُ الموتاتِ أن تنسى التمني.”

قصيدة أبناء الحقيقة (2-2)

*أستاذ البلاغة والنقد بجامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

تويتر: @eldab32

فيسبوك:https://www.facebook.com/profile.php?id=100002926924943

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *