مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

مراد ناجح عزيز* لو أنَّ الكهرباء انقطعت بفعل أو بآخر ولم تعد قادرًا على مواصلة ت …

بقع بيضاء في رداء أسـود

منذ 4 أسابيع

125

0

مراد ناجح عزيز*

لو أنَّ الكهرباء انقطعت بفعل أو بآخر ولم تعد قادرًا على مواصلة تتابع الأحداث من حولك أو أنّك كاتب محترف ولم يكن بإمكانك التعبير عن الأحداث رؤية بالعين، فأنا أقدم لك كل ما تحتاجه دون تعب، فقط عليك أن تُصبح أحد سكّان شارعنا.
يبدأ شارعنا من نهاية شارع المحطة، نزولًا بموقف عربات المدينة ثم قهوة حنفي ومطعم أبو العلا، مرورًا بمنزل النائب، تُحيطه حديقة يعلو سورها كثيرًا عن محاولة النظر بداخلها. ومن ثمّ يبدأ شارعنا المعمور وقد غادرته بهجة الألوان وكأنه قابع في زمن بعيد لم ينل حظّه من رخاء العيش، أبنية قديمة متهالكة، تتستّر بداخلها الشّقوق، تكتظ بأنفاس ووجوه تآمرت عليها خطوب الزّمان، فجعلتها بالكاد تنقل خطواتها ثقيلة في رحلة البحث عن لُقمة العيش.
في ثياب رثّة ووجه تملؤه الكراهية، وقف (أستيكة) كما هو مُلقّب لكونه لا يترك حقيبة لطفل إلّا ويفرغ محتوياتها تمامًا، أو يمزّق بمِطواة كرة لأطفال يلعبون بالقرب من منازلهم، أو يُحاول معاقبة الفتيات اللّاتي يمررن في طريق عودتهم بالتّحرش بهن بألفاظ نابية من مفردات تعوّدت عليها قلّة من هؤلاء الشرذمة من اللّصوص وقطّاع الطّرق، طالما لم يجد أحدهم من يرد أفعاله بليّن الكلام مُراعاة لحقوق الجار، أو زجره بقسوة إذا ما احتاج الأمر.
بدأ (أستيكة) التوسّع في النّشاط من شارع لآخر في الحدود التي تؤمّن له ذلك بالقُرب من دائرة أصدقائه من اللّصوص والذّئاب المنفردة، ضاربًا بعرض الحائط كل ما تعهد به أمام الجميع سلفًا، لا سيّما أنها الطريقة الوحيدة التي جعلته ومَن على شاكلته من متسكّعي النّواصي وأوكار الليل مركز اهتمام، حتّى أنّ وجوده أصبح يمثّل حدثًا في حد ذاته، فغيابه يُعني اتّساع مساحة الحرّيّة، أو هي لا قدّر الله استكانة حذرة، تجعلك غير آمن في رحلتك ليلًا إذا ما حاولت استثارته بخطوات مُتعجّلة دون أن يسمح لك بذلك.
يبدو انقضاء ساعات النّهار فُسحة من حصار يبدأ نفيره قُرب غروب الشّمس مباشرة، لا سيّما في مثل هذه الأوقات من الشّتاء، تنحصر حركة البيع والشّراء كثيرًا إلّا من تجمّعات داخل المقهى وعلى مسافات تبعُد كثيرًا حيث يتنفّس شارعنا هواء نقيًّا طالما غاب عنه.

ثمة رجل بصحبة أبنائه هزمته خفقات قلبه انتظارًا لعودتهم، فساورته الشّكوك تاركًا فنجان قهوته يُنازع برد الشّتاء وحيدًا، امتطى جواد همّته جسورًا، يبدو الشّارع رخوًا دون بشر بالرغم من خطواته التي تصدر صوت نغمات متألّمة في
إيقاع موسيقي باهت متمتمًا: لا بأس من ذلك ربّما اعترضهم احد الكلاب الضّالة، أو ربّما ساقهم في طريق (أستيكة) حظ عاثر (أستيكة) وهذا جل ما أخشاه.

هدوء تام، لا أعلم ما إذا كانت الحياة قد توقّفت لإعادة تشكيل وجهها أم هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، بالفعل هو كذلك قبل إعلان النفير العام وتعبئة الحناجر قبل أن تنطلق من فوّهاتها كبالوعة صرف صحي أبشع الألفاظ والشّتائم، تراشقًا ما بين جهتين، إحداهما مُدجّجة بالعصا وزجاجات المياه الغازيّة وأخرى لبعض الطّامعين من أشباه (استيكة) ممّن استباحوا العيش كطفيليّات دنيئة تعلو رؤوسهم الأسلحة البيضاء والجنازير تلوّح في الهواء بحثًا عن جسد تمزّقه، اشتد الشّجار كحرب حامية الوطيس، أغلقت المحال، استتر البعض داخل عرباتهم أو جريًا بعيدًا عن احتدام المعركة وتراشق زجاجات المياة الغازيّة محطّمة في طريقها ما تقابله، تحطّم زجاج النّوافذ وأبواب المحال التجارية.
ثمة طعنة غائرة أصابت أحدهم، كاميرات المحمول تحاول اقتناص اللحظة، ربّما رأى البعض فيها نهاية لتلك المستعمرة من اللصوص، إذا ما توافرت الظّروف ربّما نحتاجها كلّما حاولنا تفريغ الذّاكرة من بعض الحكايات القديمة أو للتسلية ببعض منها لأطفالنا الصّغار.
سنوات، استعاد شارعنا مكانته خلالها، ناله ما نال وجه الحياة من حداثة، كبقع بيضاء في رداء أسود، تداعب فيه النغمات أحلامًا سئمت زفرات ألم وضيق مَن يحملها كلّما تراءت له، ما زال سور الحديقة عاليًا، بينما تضاءلت أضواء منزل النائب كثيرًا، يبدو أنه أصبح خارج دائرة الضوء من رجال السّلطة والنّفوذ.
انتزعتني رنّات هاتفي المحمول من ردهة السّفر بعيدًا، مستغرقًا في قراءة مذكّراتي ليأتيني صوت خجول يذكّرني بموعد، أرخيت جسدي قليلًا للخلف في حين تشابكت أطراف أصابعي أعلى الرأس، انتفخت فتحتا أنفي كثيرًا لاستنشاق أكبر قدر من الهواء، أغلقت أجندتي هربًا لعالم أفضل، محاولًا إصلاح ما أفسدته تلك الليلة الغائمة.

*كاتب من جمهورية مصر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود