مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

وفاء عمر بن صديق* وقفت (رهف) أمام بوابة منزلها، تهلّل وجهها فرحًا كناجٍ من معركة …

المفكرة الزرقاء

منذ 5 أشهر

173

0

وفاء عمر بن صديق*

وقفت (رهف) أمام بوابة منزلها، تهلّل وجهها فرحًا كناجٍ من معركة طاحنة وقالت: “الحمد لله وصلت إلى البيت. آهٍ! يوم عمل شاق، شعرتُ بأنه لن ينتهي، وسأبقى عالقة فيه إلى الأبد، منذ زمن لم أعش مثل هذا الكابوس”. 
قرعت الجرس؛ لم يجبها أحد: “يا الله لا بد أن أفتش عن المفتاح”، وضعت ملفاتها على العتبة وفتحت حقيبتها سماوية اللون وبحثت عنه بلهفة…” أخيرًا وجدته”، أدخلته في قفل الباب وأدارته حتى فُتح، حملت أغراضها، وتوجهت مسرعة إلى السلّم المؤدي لغرفتها بالطابق العلوي. انتصبت عند الدرجة الأولى، ونظرت بإعياء إلى الأعلى وقالت: “كم كنتُ أتمنى أن أمتلك بساطًا سحريًّا يحملني إلى حجرتي”، أحاطت مقدمة رأسها بإبهامها وسبابتها في محاولة يائسة منها لحصار الصداع الذي لازمها في الساعات الأخيرة من الدوام، وبَّخت نفسها قائلة: “كفي عن هذا الخيال السخيف”، تسابقت قدماها في صعود الدرج حتى وصلت إلى غرفتها. فتحت الدولاب، وقفت على أطراف أصابعها، وضعت حقيبتها على الرف، اختل توازنها، أسقطت الصندوق المزين بالزهور، طار الغطاء وتناثرت أشياؤه كفراشات ربيعية حالمة حلقت في الأجواء تبعث معها لحظات على وشك الاحتضار. وقع بصرها على تلك المذكرة الزرقاء، التقطتها بيدها ورمقتها بعينيها، مررت أناملها على ذلك الاسم المحفور في الزاوية اليمنى من الغلاف.
ظهرت البشاشة على محياها وقالت: “طيلة حياته لم يستخدمها كمفكرة لم يكتب فيها مواعيده، أو خططه إنما دوّن فيها أهم الأحداث، وكأنها سجل مصغّر لما شَهِدَه في حياته.
قلبت (رهف) الصفحات على عجل متتبعة الأعوام المكتوبة في الحاشية: (١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ١٩٨١) ثم دققت النظر في العام الذي يليه (١٩٨٢) وشرعت في القراءة:
أحداث (١٩٨٢):
_ حرب فوكلاند بين الأرجنتين والمملكة المتحدة حول جزر المالوفين جنوب المحيط الأطلسي.
_ حصار بيروت وقصفها من قبل القوات الإسرائيلية برًا وبحرًا وجوًّا.
_ وفاة الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود ملك السعودية “رحمه الله”. 
_ تولية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود مقاليد الحكم في المملكة.
_ زواج ابن جارنا (عبدالله) في تاريخ ٣ من شهر أكتوبر.
_ مسك الختام ولادة حفيدتي الثانية (رهف) في تاريخ ١٥ من شهر ديسمبر. ضاء وجهها وقالت: “هذه أنا، هذا تاريخ مولدي”. 
استمرت في تصفح الأوراق حتى وقع بصرها على سنة (١٩٩١):
_أعلن الديوان الملكي السعودي أن يوم الإثنين: ١٥ /إبريل أول أيام عيد الفطر المبارك.
اعتصر فؤادها الحنين وقفزت الذكريات من رأسها، وتراءت أمام ناظريها. أطبقت جفنيها وكأنها تعيد ترميم ما بهِت من ذكرياتها معه؛ مسترجعة صورته المعلقة على جدار قلبها؛ ثوبه المكوي بعناية، غترته المنسدلة على كتفيه، حاجبيه المرتبين، شاربه المشذب، لحيته المصبوغة بدقة؛ أسنانه اللامعة الملتصقة بها رائحة السواك، وعطر المسك الممزوج بنسيج لباسه. ترحيبه الدائم بها، وثناءه المستمر عليها.
أطلقت تنهيدة حارة وقالت: أتذكر جيدًا هذا اليوم، فقد بالغ في الإطراء على ثوبي حتى كدتُ أذوب خجلًا: ناداني قائلًا:
يا حلوتي ما هذا الفستان الزهريّ الرائع؟! من اختاره لكِ؟
أجبته: أنا من اخترته؟
علق قائلًا: توقعتُ ذلك فهو أجمل ملابسك على الإطلاق. إنكِ تتمتعين بذوقٍ رفيع مثلي. تعالي اجلسي بجواري حتى أراه عن قرب، جلست ملتصقة بجانبه الأيسر مسح على رأسي مداعبًا خصلات شعري المنسدل على جبيني وسألني: كيف حالكِ مع أخيكِ (أحمد)، أطرقتُ حزنًا ناداه: أحمد أحمد، لا يصح ما تفعله… توقف عن مضايقة أختك فهي تكبرك بثلاث سنوات، إن الرجال لا يتصرفون هكذا، عدني بألا تكرر تصرفاتك المقيتة معها.
رد أخي ممتعضًا: أعدك ألا أزعج رهف مرة أخرى.
أمره بأن يعتذر مني على ما بدر منه تجاهي.
تأسف أخي على مضض ثم ركض بعيدًا؛ لإكمال لعبه مع بقية الأولاد.
مال إليّ وطبع قبلة حنونة على خدي الأيمن، ثم طرح عليّ سؤالًا آخر: أما زلت تحفظين سورة الرحمن التي فزتِ بها في مسابقة القرآن الكريم في مدرستكِ العام الماضي؟
ظهر عليّ الارتباك، فلفني بذراعه اليسرى، متفحّصًا قرطي اللؤلؤي؛ ليتأكد من ملاءمته لأذني وهمس بصوته الحنون: لا بأس إن نسيتِها، سنرددها سويًّا حتى تحفظيها من جديد.
ثم أخرج من جيبه ساعة تقليد (رولكس) ألبسني إياها، لاحظ شرودي، فاستفسر عن ذلك قائلًا: بمَ تفكرين؟ اعترفت له قائلة: جدي أتمنى أن تكون عيناي عسليتين مثلك، قال: إذن لا بد أن تكسوكِ التجاعيد. تعجبتُ قائلة: لماذا؟ إنني أريد أن أصبح شابة؟ أجابني: هذا هو الشرط، فأنا لم أكتسب هذا اللون إلا عندما أصبحتُ شيخًا كبيرًا، قلتُ مغتاظة: لا يروقني ذلك، أفضّل أن أبقى بحدقتين سوداوين على أن أصبح عجوزًا بمقلتين تشعان بهذا اللون من ثنايا جفنين مترهلين.
أعطاني كيسًا مليئًا بالحلوى القطنية المميزة عندي، مطلقًا ضحكته التي واست قلبي الصغير، والتي ما زال صداها عالقًا في مسامعي بعد كل هذه السنين.
أغلقت (رهف) المفكرة، نهضت من مكانها متوجهة إلى المرآة، ونزعت عدستيها اللاصقتين عسليتي اللون! 

*كاتبة من اليمن

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود