الأكثر مشاهدة

مروة بصير* الزمان: السبت ٩/٢٣ الخامسة عصرًا.  أخرج من منزلي الذي يقع في نقطة الت …

الكتابة سيرًا على الأقدام

منذ 4 أسابيع

44

0

مروة بصير*

الزمان: السبت ٩/٢٣ الخامسة عصرًا. 
أخرج من منزلي الذي يقع في نقطة التقاء وهمية نسجها إدراكي العاطفي فقط، بين حي المثناة الذي أحببته وسكنته ٢٣ عامًا خلت، وحي السلامة الحيوي هو أحد الأحياء القديمة في الطائف. الوجهة سوق البلد أو ما اعتدنا تسميته (برحة القزاز). النية الذهاب سيرًا لأني أحبُ المشي وكي ألتقط ترددات الاحتفالات بالعيد الوطني من الشوارع.

أقتربُ من دوار السلامة، الدوار بحد ذاته جديد أما المنطقة فقد كان فيها قبل سنواتٍ مركز “أبو محمود، السلامة” للتسوق، السوبرماركت الأشهر في الطائف لسنوات، قبل أن تأتي الشركات القابضة لتحتل الصدارة، لكن من سكن الطائف قديمًا لا بد له ذكريات في مركز أبو محمود. المركز الآن عبارة عن “ذكرى بعد عين”، فقد هُدمت العمارة التي كانت تحويه، لأعمال تطوير وتوسعة الشارع “تم هدمه بهدف الإعمار”.

أترك الدوار يساري وانعطف يمينًا، على يساري الآن مكتبة الطائف العامة المغلقة تمامًا؛ لأنها لم تجد بعد الاهتمام الذي تستحقه.

أكمل سيري نحو منطقة باب الريع بدوارها الشهير بمحلات الورد، حيث كان سابقًا محل المطهر، المقابل لقصر الكعكي، القصر الذي كان مهجورًا ومهملًا لسنوات طويلة، لا نعرف فيها تاريخه أو حتى اسمه، حتى جاءت رؤية “شاب” أحيت التراث وجعلت له شأنًا. القصر اليوم حوله كاشفات ليزر ضخمة وأمامه آلات لبث العروض الحية استعدادًا لاحتفالات المساء باليوم الوطني.

أنعطف يسارًا حتى أصل إلى بوابة الريع، حيث محلات السمك برائحتها المزعجة للأنف. ولكنها بطريقة ما لا تثير بنفسك القرف، فهناك داخلك طفلٌ صغير لا بد قد زار المكان قديمًا رفقة والده لشراء السمك المقلي بعد صلاة الجمعة.

أمر سريعًا وأسلك الشارع المنحدر نحو سوق البلد الذي قد بدأت الأمانة الاهتمام بهويته منذ سنوات، فتم رصف طرقاته وإنشاء أعمدة الإنارة الرخامية فيه، وكُسيت نوافذه بالروشنات الجميلة. تغيرت بعض محلاته وبعضها ما زال يرن بالقلب بصدى الأعياد والتبضع لها زمن الطفولة.

أتجول قليلًا وأخرج منه نحو مسجد العباس العتيق بحجارته ومآذنه وازدحامه القديم الذي لم تغيره السنوات.

أعبر ساحة المسجد قاصدة محطة حافلات الطائف المشروع الجديد الذي بدأ بالعمل منذ مدة، وتتجول حافلاته بشوارعنا وهي فارغة تقريبًا، حتى يعتاد الناس وجودها وأهميتها.

يخطر لي أن أركب إحدى الحافلات لأتجول في الطائف، أقرأ في الشاشات أعلى كل حافلة الوجهات المختلفة:
*محطة العباس – الردف. 
*محطة العباس – المثانة. 
*محطة العباس – جبرا. 
*محطة العباس – سوق الخضار. 
*محطة العباس – المطار. 
أختار باص الردف وأتجه إليه لكنه ممتلئ بالركاب، فحديقة الردف اليوم تحتضن أحد أكبر الاحتفالات باليوم الوطني في الطائف. أتركه وأعود لقراءة الوجهات. ولسبب لا أعرفه أختار حافلة “جبرا”.

أدخل إلى الباص الفارغ تقريبًا، أدفع الأجرة عبر التطبيق، أختار مقعدًا بجوار نافذة بالطبع! ينطلق الباص وينعطف يمينًا نحو شارع أبو بكر الصديق حيث نعلق بأول زحام لهذه الرحلة، حولنا سيارات تحمل الأعلام، وأطفال يطلون من النوافذ، لا يدركون أهمية اليوم ولا معناه لكنهم في أمان طفولي وفرحة ساذجة خالية من ثقل المعنى، تعرفون تلك الفرحة التي نفتقدها جميعًا الآن؛ لأننا تركناها أرضًا عند الباب حين غادرنا عتبات الطفولة.

يتهادى الباص، يجتاز الزحام بمهارة ثم يعود أدراجه من تحت كوبري شهار؛ لينعطف يمينا نحو شارع حسان بن ثابت، هذا الشارع الذي يحمل ذكريات غالبًا مختلطة بالألم لأبناء الطائف؛ فعن يساري كان موقع مشفى الملك فيصل القديم.
أذكر أروقة المشفى تمامًا وأذكر أيام أُجريت لي عملية إزالة اللوز حين كنتُ بالصف الثالث الابتدائي. أما الآن فهو عبارة عن أرض خالية بسور. وبعده بقليل يأتي “بروست الريان” وهو بالنسبة لي يعني ذكريات خاصة جدًّا مع والدي رحمه الله.

يتابع الباص سيره ويقف عند محطات مختلفة بطول الشارع نمر بشارع الزينة، نقترب من سوق النخيل وبندة حتى نصل لإشارة المرور التي تفصلنا عن خط الجنوب، يظهر اللون الأخضر، تنعطف الحافلة يسارًا تجاه طريق الملك خالد.

نمر بحي النسيم وألحظ عن يميني مربعًا جديدًا على وشك أن يصبح وجهة جديدة نشطة، لرواد المقاهي الكسالى الذين يفضلون أن يحصلوا على كوب قهوتهم من خلال نافذة السيارة.

تكمل الحافلة سيرها، حتى يتوقف عند محطة حديقة الملك عبدالله، تفتح أبواب الحافلة لتنزل أسرة مكونة من 5 نسوة، إحداهن تحمل سلة للنزهات تصطك داخلها حافظات القهوة والشاي، والأخرى تحمل عربة طفل تثقل عليها، والثالثة بيدها حصيرة، يرافقهن أطفالٌ يرتدون الأخضر والأبيض، فهذه ثاني الحدائق بعد الردف في إقامة الاحتفالات اليوم.

يكمل الباص طريقه حتى يحاذي جوري وتيرا مول، وهنا نعلق في زحمة السيارات المحملة بالأعلام وتصدح منها الأغاني الوطنية والتي تزحف زحفًا.

أشعر بنفاذ صبر السائق وهو يحاول أن يسير بنا لينفذ من الزحام، الذي لا بد فاجأه ولم يصادفه في سيره اليومي منذ أن بدأ وظيفته.

بعد أن نفذنا ومررنا بدوار الوردة الذي لا يشبه الوردة، وحاذينا حي السحيلي والحافلة تكمل سيرها في طريق الملك خالد، حتى تنعطف يمينًا نحو تفرع وادي وج لتعود أدراجها من دوار جبرا لنحاذي مركز اليعلا بلازا، الذي تنعكس الأضواء الخضراء حوله وتكتظ مقاهيه بالرواد المحتفلين.

جميع ما ذكرت هنا من أماكن هي أماكن جديدة نتجت لتوسع الطائف القديم الذي أعرفه. هذه الأماكن لا ترتبط عندي بذكريات، وأحبها لأنها تحت سماء الطائف الذي أحب ابتداءً، لكنها محبة خالية من الحنين، محبة عارضة وسطحية بعض الشيء. ومع ذلك هي أماكن لازمة لتواكب الحداثة والتطور الذي يجعل من طائفنا مدينة حيوية تناسب الشباب وتطلعاتهم.

أدرك أننا الآن قد وصلنا إلى المحطة الأخيرة وأن الحافلة ستعود في ذات المسار إلى محطة مسجد العباس؛ فأصاب بفزع مؤقت؛ لأن رحلة العودة ستكون أشد ازدحامًا، فصلاة العشاء انتهت، وهو ما كان فعلًا، فرحلة العودة وحدها استغرقت أكثر من ساعتين! 

ألتقط فيديو عشوائي لسيارة تحمل علمًا كبيرًا، أتذكر اقتباسًا يقول (مكاني كل أرض رحبت بي وناسي كل من واسوا جروحي). 
أكتب الاقتباس بعد أن أحذف منه كلمتي “كل” ليصبح (مكاني أرضٌ رحبت بي وناسي من واسوا جروحي) فهي أرض واحدة ما عرفت غيرها منذ أن خُلقت.

أصل إلى محطة مسجد العباس، محملة بتأملات وذكريات وكلمات، تريد الانسكاب على الورق، أقرر العودة سيرًا لأزيل التيبس الناتج عن الجلوس في الحافلة لثلاث ساعات. وهكذا أعكس أنا الأخرى مسار سيري؛ فأمر بالمسجد ثم السوق ثم باب الريع لأقف أمام قصر الكعكي حيث بدأت العروض التقط صورًا ومقاطع للذكرى. تنطلق في ختام العرض موسيقى النشيد الوطني، يخفق قلبي مرددًا النشيد الذي ما رددت غيره منذ الصف الأول الابتدائي.

أعود إلى المنزل، آخذ حمامًا باردًا، أدخل إلى وثير فراشي، أنام فورًا كطفلة قضت يومًا حافلًا باللعب.

أنام سعيدة هانئة مطمئنة بوطن الأمن والأمان.

 

*كاتبة من المملكة العربية السعودية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود