مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

مهدية دحماني* هم قلّة من الجيران الذين مكثوا في الحي القديم بالمدينة إثر نزوح جم …

آمال الأزقة الخلفية

منذ 4 أسابيع

28

0

مهدية دحماني*

هم قلّة من الجيران الذين مكثوا في الحي القديم بالمدينة إثر نزوح جماعي؛ نزوح أولئك الذين شغفهم ميلاد أحياء عصرية في مدينة (أبها).
إصرارها على المكوث في البناية القديمة نبع من حلم الطفلة المتجذر في وجدانها. 
مُتيّمة بالبيت القصْباوي العتيق في المدينة العتيدة هناك، وتعتّق ذاكرة ذلك الحلم الذي يسكنها.. حلم بعمر مدينتها المفقودة.. حلم في أن تقيم يومًا ما في بيت قصْباوي أعلى هضبة مدينة (مزغنّة) القديمة.
صباحًا مع أفول هلال شوال خلال إجازة العيد، تُطل من الشرفة الغربية للعمارة لتشهد انسحاب الحياة!
نوافذ تكتسي ستائر مخملية.. نوافذ الجيران المترفين تستعد للنوم.. تستعير ليلًا حثيثًا لنهارها.. تطل من الواجهة الغربية للعمارة على الشارع العام حيث تتوقف آخر أفخم مركبة إلى جوار المركبات الفخمة الأخرى التي رُصّت في فوضى على حافة الرصيف، معلنة استعدادًا جماعيًّا لنوم المترفين دون حلم. 
عند الشروق يجرون أعقاب السمرات والسهر وإلى جوارهم يخلد الشارع العام لسلطان النوم أيضا يصنعون ليلًا لنهار العيد. 
تغادر الجهة الغربية للبيت نحو الوجهة الشرقية، حيث يولد نهارها عند إطلالة أول شعاع للشمس، 
سيدة تَوسّطها العمر تعتقد أنها بتقاعدها المبكر أدّت رسالتها وحققت الحياة الكريمة والستر. 
تطل من خلال الستارة.. توارب نافذة الحجرة الشرقية التي تطل على الزقاق الخلفي. 
تُصغي إلى الحياة.. تستفيق قبل الشروق.. تُنصت إلى الحياة، تنتشي من الحجرات المتواضعة للبنايات القديمة.
ملاحم إنسانية تخطو نحو كل زاوية بالرصيف.
العامل الأسيوي يُحدث طفله عبر الجوال:
ستنجح وأشتري لك شنطة جديدة ولباس رياضة.. ستصبح شابًّا قويًّا وتعمل، حينها أعود إلى الديار وأرتاح. 
هناك السباك المصري:
يا ستّ راجعْ لك بالمهر والشَبْكة نتزوج ونكوّنْ أسرتنا ونعيش في سعادة.
وذاك الدّهان اليمني تحت نافذتها:
سأرسل لك مبلغًا بسيطًا ادفعيه عربونًا لقطعة الأرض التي سأزرعها عند عودتي عند نهاية الحرب.
هناك في حوش البيت المقابل العاملة الأفريقية تحدث والدها:
سأرسل مبلغًا لك للعملية وستشفى وتطيب وسأعود لبرّك.
أحلام وأمانٍ تعرج كصلوات نورانية محاذاة نافذة حجرتها الشرقية نحو السماوات! 
أحلام مشروعة بسيطة قُدسية تصنع هيبة الأزقة الخلفية للحي.. الحي القديم يزف في موكب مهيب حلم العامل.. حلم المغترب من أجل الرزق الحلال.. أحلام وأمانٍ تعبر من خلال أول شعاع عند الشروق إليها.. أحلام العمالة الوافدة تُوقظ المنية التي حَنّطت روح السيدة المكافحة حين اعتقدت أنها بلغت هدفها بتقاعد وأمن مالي متواضع فمات الحلم وفقدت الهدف. 
تتساءل: من أين يستمد هؤلاء العمال البسطاء المغتربون كل هذه السعادة التي تترسخ على ملامحهم؟! من أين يستمدون حماسهم؟! فرحتهم بكل يوم جديد؟! 
إنها فقدت كل ذلك.. تعتقد أنها بلغت كل شيء، فهي تحيا دون هدف!
مع شروق صباحات الأزقة الخلفية من البنايات المتهالكة، حيث تقطن العمالة الوافدة من تلك البنايات المُنهَكة، في حضن الأزقة القديمة في حي (شمسان) في مدينة (أبْها) تتوالد آلاف الأحلام.. ترتقي ظلالها إلى السيدة التي فقدت الطموح عند توسُّط العمر حين تقاعدت مبكرًا.. عند شرفات جباه العمالة الوافدة اللجينية بنثرات العرق اقتبست السيدة المترفة بالراحة مغزى كينونتها، وفَقِهت ماهية هذه السعادة من قلب المشقة والجهد والعزيمة.. سعادة تُصنَع بأمانيهم، وأحلامهم.. بهدف نبيل يكدحون من أجل بلوغه.. فهمتْ وقطفت من الأزقة الخلفية حلمًا جديدًا هدفًا للبقية من عمرها؛ كيلا تحيا عبثًا على الأرض، وراحت تواربُ النافذة مرة أخرى لتأذن للربيع أن يحلّ بتباشيره في قلبها.. في عقلها، لتحيا دومًا بآمال جديدة نحو هدف نبيل تحققه طالما تحيا.
آمال وأماني الأزقة الخلفية.. الأزقة الخلفية تطل السيدة الأطلسية عليها من الجهة الشرقية لبيتها.. تطل على كل المصطلحات المقيتة التي قُذِفت بها هذه الأزقة حين لُقّبت بـ (قاع المدينة)، فلم يكن قاع المدينة دلالة قذف وشتم.. كانت هذه السبّة (قاع المدينة) مهدًا تشكّل من هلامية وموائع نسغها من عرق جباهِ وزنود العمالة التي تَقطنها الآن.. تعطِّرها من طهرها المهيب وحلمها الفسيح في الحياة الكريمة.. تخطو أقدام العمال على قاع المدينة، فترسم عليها دروبًا منيرة نحو هدف العامل البسيط في الأرض الطيبة، أمنا وأمانًا وكرامة إنسان، ومن شرفات نافذة بيتها تجني حلمًا جديدًا ممتدًّا.. تصوغ لها هدفًا نبيلًا كيلا تموت من الترف! 

 

*كاتبة سعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود