مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عائشة عبد الرحمن* مع ظلام الليل الدامس سكن شارع السوق في سبات عميق، وذلك بعد انق …

رائحة الجوافة

منذ 4 أسابيع

161

0

عائشة عبد الرحمن*

مع ظلام الليل الدامس سكن شارع السوق في سبات عميق، وذلك بعد انقضاء نهار شاق أمتلأ بحركة متبادلة بين الباعة والمشترين مصحوبًا بأصوات عالية بين نداء ومشاحنات، ذهبوا جميعًا إلى الراحة والسكون، بعد أن أغلقت المحال أبوابها، كان مساء شتوي قارص البرودة مصحوبًا بالأمطار التي هطلت بعد ريح عاصف، جمعت نفيسة ردائها حول جسدها النحيل متحدية البرد والظلام حاملة رسلتها، خارجة من منزلها متجهة للسوق بهدف التسوق.
اتجهت نفيسة إلى أول كومة قمامة قابلتها لتصارع القطط والكلاب والفئران على بقايا الخضروات الفاسدة أو نصف الفاسدة -إن حالفها الحظ- تحسست أصابعها النحيلة والخبيرة أيضًا إلى تحسس بعض ثمار البطاطس والطماطم وبعض ثمار البرتقال واليوسفي أيضًا، كانت أمها الأرملة خبيرة في طهي تلك الثمار بعد التخلص من الجزء الفاسد منها؛ لتسد بها جوع أولادها الخمس بعد أن عجز ما أسموه “المعاش” على سد رمقهم، حتى بمساعدة عملها كخادمة في بيوت أغنياء أماكن المدينة البعيدة -حتى لا يفتضح أمرها- لم يكن يكفيهم لتنفق عليهم في مدارسهم التي حرصت على تعليمهم فيها. تحسست نفيسة غنيمتها في تلك الليلة وكادت أن تنهي مهمتها وتعود لبيتها لولا تلك الرائحة التي زكمت أنفها؛ إنها ثمار الجوافة التي تعشقها وتحبها كثيرًا، اتجهت بعينيها إلى مصدر الرائحة فإذا بأقفاص الجوافة تقف شامخة متحدية لعابها المسال عليها داخل دكان البائع الذي تدثر في بطانيته ممددًا على أريكة داخل محله الذي لم يغلقه تمامًا منتظرًا صبيه أن يعود إليه بالعشاء، وبجانب أقفاص الجوافة التي يحرسها من اللصوص ويتمكن من بيعها في الصباح، بحثت نفيسة في كل أكوام القمامة داخل السوق ربما عثرت على ثمرة جوافة عطبة ملقاة هنا أو هناك، وخاب رجاؤها حين لم تجد؛ فقد كان اليوم الأول التي يحضرها الباعة إلى السوق، وكانت في بداية طرحها أو ما يسمونه بالبشائر. 
اقتربت من أقفاص الجوافة وفكرت أن توقظ البائع وتسأله واحدة منها وكادت أن تفعل؛ إلا أنها فوجئت بشبح صغير في الظلام دققت فيه ولم تتبين ملامحه، لكنها أحست بحركته وهو يسرق بعض ثمار الجوافة من أقفاصها وكان لحركتها اللا إرادية أثرها في إيقاظ البائع وتنبيهه، فما كان منه إلا أن اندفع خارجًا من المحل وهي خلفه يجريان خوفًا من البائع، الذي ذهب مطاردًا إياهما حاملًا عصا غليظة يسبقه غضبه الذي ترجمه على شكل سيل من الشتائم، اندفعت تجري مثلما فعل الصبي وهي لا تدري مم تجري ولكنهما وجدا بيتًا مفتوح الأبواب فدخلاه ملتمسين الهرب من البائع الذي عاد لمحله بعد أن يأس من العثور عليهما. 
بعد أن هدأت أنفاسهما راحت تتأمل ذلك السارق الصغير في هذا الضوء الخافت، كان تقريبًا في مثل سنها يحمل سلة تشبه سلتها ملأها بذات الثمار نصف العطبة، زادت عليها تلك الثمار المسروقة من بائع الجوافة، تأملته قليلًا، إنها تعرفه؛ إنه أحد الجيران ولكن لماذا يبحث عن طعامه مثلها؟! فأبوه يعمل موظفًا بالحكومة وأمه ترتدي ثيابًا فخمة وتزين يديها بالكثير من الأساور الذهبية، اندفعت تسأله أأنت ابن الأستاذ… وقبل أن تكمل رد عليها في غضب: نعم أنا ابنه وجاي أجيب خضار مثلك، تساءلت في نفسها: لكن لماذا؟!
تذكرت حديث جيرانهم عن بخل أبيه وأمه على نفسيهما وحتى على ولدهما الوحيد، عادت رائحة ثمار الجوافة تزكم أنفها من جديد فمد يده في سلته ليعطيها أحد الثمار، فرحت بها كثيرًا وكادت أن تقضمها حتى سمعت صوتًا يأتي من داخل المنزل صارخًا محذرًا متسائلًا عمن اقتحم المنزل؛ فاندفعا يواصلان جريهما من جديد، ولم تتنبه أن ثمرة الجوافة سقطت منها لتجد طريقها إلى الوحل الناجم عن تساقط الأمطار! 

* كاتبة من جمهورية مصر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود