الأكثر مشاهدة

د. هدى بنت عبدالعزيز خلف يتردد على الأسماع أنّ عملية التفسير للنصوص الأدبية وأنو …

السلطة الرمزية في السياق الفني والأدبي

منذ سنتين

1018

0

د. هدى بنت عبدالعزيز خلف

يتردد على الأسماع أنّ عملية التفسير للنصوص الأدبية وأنواع الفنون خاضعة للذوق من جهة، والمرجعيات الثقافية خلال عملية التلقي من جهة أخرى، فينتج منهما اختلافات في فهم الدلالة للعروض المسرحية أو النصوص الأدبية أو الفنون عامة.
ولكن لا يُمكن أن تتبلورَ تلك الآراء النقدية بشكل كافٍ أو تُقدم من غير أن تمر بأنظمة سوسيولوجية معقدة في ذهن الرأي الجمعي، وهي أنظمة تتشكل بالتراكمات الثقافية التي تنتج من الشركات والمنظمات والهيئات والمؤسسات.
توجد آراء مشتركة تنفذ إلى الألباب، ولا يمكن معارضتها أمام التعسف الثقافي الذي صنعته سياقات اجتماعية للثقافة والفنون.
وهذه الإشكالية تحدّث عنها بإسهاب الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو (1930م ـ 2002م) حيث ذكر في كتابه “الرمز والسلطة” أن المجتمع عبارة عن حقول، مثل حقل الفن وحقل الأدب وحقل السياسة وحقل الاقتصاد وغير ذلك، وكل حقل فيه مجال تنافسي يخضع لمنظور الأقوى والأكثر سيطرة، محاولًا الغالب أن يفرض هيمنته على الآخرين المنافسين له في ذلك الحقل لأغراض نفعية رأسمالية غالبًا.

ويذكر بورديو أمثلة لذلك؛ منها “الهيمنة الذكورية” فيوضح أن التراكمات التاريخية لا الطبيعة هي التي أدت إلى تكثيف سلطة الذكر على الأنثى في العلاقات الاجتماعية؛ ما نتج عنه في “الجندرية” حركات نسويّة في الأدب والفن تثور على الفكر الذكوري وتهتم بنتاج المرأة ودورها وقراءة لغتها الخاصة بها.
وبورديو يعني بذلك أن الطبيعة الإنسانية ونوع الجنس طبيًّا لا علاقة لهما بالهيمنة الذكورية على المرأة عبر التاريخ، بل إن الرغبة الحثيثة في السلطة والنزوع إلى النفوذ هما السبب في ذلك.

وإن كنتُ أضيف إلى الطبيعة الإنسانية والطب ركنًا ثالثًا هو الدين، فإن الدين الإسلامي، على سبيل المثال، لا يجعل المرأة في سياقٍ أقلّ دونيّة من الرجل إلا بالمسؤولية والإنفاق، ومن هنا قد تكون المرأة رجلًا في قيادة المنزل عندما تكون ذات إحساس عال بالمسؤولية تجاه أسرتها، وتملك القدرة على الإنفاق أيضًا، في ظل عجز الرجل عن هذين الدورين الرئيسين.
وفي الفن لا يستطيع أن يطلق الباحث الفني العنان لأفكاره أو لغته من غير أن يضع حسابًا لقنوات ذهنية تخمرت في فِكره الخاص؛ بسبب الضغوط الاجتماعية ذات المصادر المختلفة، فيهذب الجملة النقدية حينًا، أو يعيد صياغتها أحيانًا أخرى، أو يحذف بعض المفردات في سياقات جديدة، أو يرفض بعض المعاني رفضًا باتًّا في ذاته، على الرغم من إيمانه بوجودها في العمل الفني، وذلك بسبب يقينه النفسي برفضها من جهةٍ عليا أو شخصية ذات نفوذ أعلى منه، وهو يفعل ذلك في النهاية؛ كي تقبل السلطة الرمزية تأويلاته، ولا تجعله مهمشًا أو منزويًا عن عالمه الثقافي أو الفني.

فعلى سبيل المثال يُلحظ أن الأدب العربي لم يحفظ مدونات نسائية كثيفة في الشعر والقصة والتأليف والرؤى الثقافية المختلفة في عصور ذهبية كانت المرأة فيها شاعرة وناقدة وكاتبة ومتذوقة رفيعة الثقافة.
لقد كانت المرأة مُهمّشة في التدوين التاريخي، فعدد الكتب التي أُلِفتْ عن المرأة ودورها الثقافي أو العلمي أو السياسي في عصور ذهبية مرّ بها العالم الإسلامي نادر جدًا على الرغم من قوة موقعها المتخفي أو المُغيب في ذلك العلم أو الدور، ولكن صوتها لم يستمر في الوصول؛ لأنه لم يدون حقيقة في التاريخ.
ويرجع الأمرَ بورديو في السلطة الرمزية إلى الطبقية الاجتماعية التي يعاني منها الفرد في الحياة، ولا يمكن الفكاك منها.

ويُطلق مصطلح “هابيتوس” على الاستعدادات الفردية التي تشكلتْ بفعل وضعه الاجتماعي المتعارف عليه في المجتمع فأصبح معتادًا له، وفي أحيان يرفض كسرها.

وتقبل الوضع المقيد أو المهمش أو النمطي من جانب الفرد في ظل السلطة الرمزية يساعد في تشكيل ثقافة تحد من حرية الرأي والتعبير وتطور المجتمع الفكري.

* كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود