مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

فاطمة الجباري وأدارت وجهها وكأنها تقول: أرجوك اصمتي! لا أرغب بالحديث.. لكن فضولي …

لا تنكأ الجراح

منذ 4 أشهر

274

1

فاطمة الجباري

وأدارت وجهها وكأنها تقول: أرجوك اصمتي!

لا أرغب بالحديث.. لكن فضولي دفعني لمعرفة سر حزنها وصمتها.. بادرتها بالأسئلة وكأني محقق يريد معرفة الدليل ويبحث عن الحقيقة أيِّا كانت وبأي طريقة.. قالت وهي تنظر إليَّ: ماذا تريدين معرفته؟

زواجي وأنا طفلة! أم حياتي مع زوجي وأهله أم تسلطه وظلمه لي على مرأى ومسمع الجميع؟! أحدثك عن طفلة لم تتجاوز ١٣ عامًا تزف إلى رجل يكبرها ب ١٠ سنوات! طفلة لا تعرف من أمر الزواج غير فستان أبيض وزفة وزغاريد وسط لمة من الأهل والجيران والمعارف.. تترك حلمها في مواصلة الدراسة وتبدأ في رحلة حياة جديدة بكل ما فيها من تفاصيل الحمل والغربة والوحدة! فالزوج مشغول بعمله وتحقيق طلبات عائلته الكريمة؛ أمه، إخوانه أخواته، فهو بالنسبة لهم الكنز الثمين وهي بالنسبة لهم البنت الصغيرة الفقيرة التي يجب أن تحمد الله ليل نهار على زواجها من ابنهم.. فهم يقيسون تلك العلاقة على أنها علاقة بائع ومشترٍ! يعتبرون هذا الزواج صفقة رابحة بالنسبة لها.. سكنت في بيت إيجار وأحضر لي عفش والدته الذي لا تريده، لم يكن لي قرار أو خيار في أي أمر في حياتي، زوجي ينفذ ما يطلب منه دون تردد.. الحسنة الوحيدة في هذا الزواج أني سكنت بمنطقة أخرى بعيدًا عن أهله، ومع ذلك كانت تصله التعليمات والاستشارات والطلبات وعليه تنفيذها.. رزقت بالمولود الأول وكرست وقتي كله لأجله فأنا الأم والممرضة والخادمة والزوجة.. حين يأتي أهله لزيارتنا أستيقظ من الصباح الباكر أجهز الفطور وأغسل الملابس وأنظف المنزل وأعتني بطفلي من صلاة الفجر إلى المساء في دوامة من الأعمال التي لا تنتهي.. الزوج يريد أن يكرمهم ويتباهى أمامهم بزوجته وطاعتها العمياء له.. وأنا كنت أعتقد أن ذلك واجب عليه وأنه يجب عليه القيام به.. ومع كل ذلك لم أسلم من النقد والتجريح والغيرة والحسد!

لقد كانوا يرونني بأعينهم.. يرون أن ابنهم كثير عليّ وأن زواجي منه نعمة يجب أن أحمد الله عليها.. وتوالت السنوات وأنجبت أبني الثاني وأصبح لدي طفلان يحتاجان للرعاية والاهتمام أقضي وقتي في خدمتهم، عمرهما متقارب واحتياجاتهما متشابهة، إلا أن الصغير كان يحتاج إلى رعاية أكثر؛ كونه مرض مرضًا شديدًا فاحتاج لدخول المستشفى في أوقات كثيرة؛ مما جعلني بالقرب من أهلي فهم أقرب لي ولأبنائي، حين أذهب للمستشفى يكون ابني الكبير في رعاية والدتي وأخواتي.

عشت حياة طويلة بين التضحية بكل رغباتي وبين الحفاظ على بيتي وأبنائي.. ربما لصغر سني لم أكن أستوعب أن قلوب بعض البشر عبارة عن مساحة سوداء لا يوجد للبياض فيها مكان.. قاومت كل ما أشعر به وتحملت الكثير من تقديم فروض الولاء والطاعة للزوج النرجسي والأم المتسلطة والأخوات الغيورات، كنت أعمل كل شيء برغبة مني لاعتقادي أن زوجي وأهله سيقدرون ذلك لي.. إلا أن الواقع صدمني فلم يكن أحد يرى أن ذلك مني خلق ورقي، بل يرونه واجبًا يجب عليَّ عمله.. تتوالى على هذا القلب الصغير الغض الابتلاءات وتفقد ابنها البكر في حادث سير مروع بعد أن كانت تقترب من حلمها بأن تراه رجلًا تعتمد بعد الله عليه.. شاب في عمر الزهور تخرج للتو من الثانوية العامة يحلم كما تحلم أمه بحياة مختلفة.. إلا أن الله اختاره إلى جواره وكل من جاور الله سعد في حياته، تلقت الخبر صابرة محتسبة.. قاست وقاسى معها أهلها وأحبابها ألم الفقد وغصص الفراق.. ولأن المواقف مصفاة العلاقات كان موت ابنها رسالة لها مفادها من هذه اللحظة؛ لم يبق لديك شيء تخافين عليه ولن يكون هناك حزن أشد عليك من حزنك على ابنك ولن يشعر بما في قلبك أحد لم يجرب معنى فقد الابن.. لا تهتمي لأحد ولا تبحثي عن سعادة أحد ولا تكترثي بحزن أحد؛ لأن لا أحد يستحق ذلك.. أنا الآن إنسانة مكسورة ضعيفة لم أستطع تجاوز أزمتي، لكن لدي قناعة تامة بأن كل من سقاني كأسًا من الذل والهوان والحرمان سيسقى من نفس الكأس يومًا ما.. أنا الآن أقارع بالدعاء أبواب السماء، فالله وحده من يعرف معاناتي وكل ما مر بي.

اعتذرت منها وأنا أغالب دموعي وشعرت بحرقة في قلبي.. يا الله كم ظلمتك وظلمك من حولك، نحن نتغير ونصبح أشخاصًا لا نعرف حتى أنفسنا.. ليس لأننا سيئون بل لأننا تأذينا كثيرًا ومن أقرب الناس.. لقد كانت قصتها قصة مليئة بالوجع والألم.. قبل الرحيل جسد الشاعر في هذه الأبيات أنواعًا من الألم لا تترجمها الكلمات ولا تكتبها الأقلام، ألم يحاكي الواقع المر الذي لا تمثله غير جلمة “لا تنكأ الجراح”.

يا عازف الناي صوت الناي أبكاني‏

كأنك تعزف على أوجاع حرماني

‏يا ناي مهلًا فإن الدمع أحرقني

كأنه جمر يسكن بين أجفاني

يا صاحب الناي خذ من أضلعي نايًا

لعل غائبي يسمع صوت أشجاني

‏واعزف على الأضلاع بكل مهارةٍ

وامسح على الأوجاع برقةٍ وحنان

‏يا ناي مهلًا فإن الحزن يسكنني

وصوتك المجروح أوجعني فأبكاني

يا ناي رفقًا لا تستبح مدامعي

ولا تنسج بصوتك المجروح أكفاني.

 

* كاتبة سعودية

التعليقات

  1. يقول نوره بنت احمد الزهراني:

    الله الله الله مبدعة ياصديقتي والله لفعلت بقلمك ما فعله الناي في بيت الشاعر نعم كلمات مؤثرة جدا جدا ابكتني بالفعل وان كنت ادرك وراء كل شخص قصة اما ان تجعل منه انسان ناجح او فاشل او و او

    وراء كل مشهد قصة لها أبطالها وصناعها ياريت نتعلم فنون التعامل مع الآخرين لنعيش بسلام وسعادة وراحة بال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود