الأكثر مشاهدة

مفيد فهد نبزو* لدى الوقوف عند النزعة الوطنية المعبّرة بصدق الانتماء، والإيمان با …

الشاعرة السعودية نجاة الماجد.. نزعة وطنية بأبعاد وجدانية

منذ 4 أسابيع

146

0

مفيد فهد نبزو*

لدى الوقوف عند النزعة الوطنية المعبّرة بصدق الانتماء، والإيمان بالهوية التي عرفها شعرنا العربي منذ القديم؛ لا بد أن نتوقف عند الشاعرة نجاة الماجد التي تُعَدُّ شاعرة معاصرة، استطاعت التعبير عن عشقها للوطن والاعتزاز بتاريخه العربي المجيد.

من يتابع إبداعاتها في الإعلام الثقافي بشكليه المطبوع والمسموع من جهة، والإلكتروني من جهة أخرى، تتجلَّى له هذه النزعة التي صوّرتها بصور آسرة جذّابة حين مزجت مشاعرها بخيالها؛ لترسم لوحة الوطن بريشة الإبداع، والوطن في مفهومها عاشق جميل بقلبه الذي يخفق بالعطاء والوفاء؛ لذا يستحق منها أجمل القصائد، وأعذب ما تبوح به الحروف، وتحلّق بجناحيه الكلمات.

إنها الشاعرة نجاة الماجد، والكاتبة في جريدة الصباح الكويتية، والمعدّة والمقدّمة لبرنامج مجسّات حجازية عبر أثير الإذاعة السعودية، فهي -بلا شك- صوت متميِّز ثقافيًّا وإعلاميًّا، ومن يقرأ قصائدها يدرك مدى اتساع آفاقها عندما يتفاعل مع مضامينها التي تثير فيه القيم الوطنية المتجذّرة في عمق الوجدان، والمتوحّدة فيه هوية وانتماء لا يتغرّب بغربة الجسد، ولا يستطيع أن يغيّبه من ذاكرة العشق لا البعد ولا النسيان، كما في قولها:

              يسوقني الشوقُ كلّ الشوق يا وطني        

   فأصطفيكَ هوى في السرِّ والعلنِ

    يا قبلةَ الحبِّ يا محرابَ قافيتي   

    رتَّلتُ حُبَّكَ في صحوي وفي وَسَنِي

أنتَ الذي كلَّما أشتاقُ أنظمُهُ 

    يا موطنًا حيثما غادرتُ يسكنني

ولم تكتفِ الشاعرة بتصويرها عناصر الطبيعة الخلَّابة في أرض مباركة تنعم بالخير والسحر والعطاء؛ بل راحت تصوّر أبناء هذه الأرض الأوفياء المخلصين الذين غرسوا سنابل اللقاء محبَّة وعرفانًا، وها هم يحصدون مواسمها المباركة بالمودة والنور والفرح والهناء حين قالت:

هذي الطيورُ الشادياتُ تغرِّدُ

والروضُ مَسْرورٌ وبحرٌ مزبدُ

  والليلُ وضَّاءُ النجوم وساحلٌ

 أمواجهُ الخجلى فتاةٌ تنشدُ

             تزجي التحيةَ باقةً مزدانةً              

 الحبِّ في ليل ٍسنُاهُ العسجدُ

   لأحبَّةٍ غرسوا الوصالَ سنابلا

 واليومَ حبَّاتُ المودةِ تُحصدُ

في لقاء أجرته معها مجلة نواعم المغربية بتاريخ /١٥/ كانون الثاني/يناير/ عام 2019 سُئِلت:

عندما نتحدَّث عن شاعرة سعودية، نفكِّر قليلًا في أنّكن معدودات وقليلات جدًا، فكيف تقيّمين وضع المرأة السعودية في الشعر والإعلام؟

أجابت:

على العكس تمامًا، ثمة العديد من الأسماء الشعرية النسائية المتميّزة، لكن ارتباطاتها الشخصية أو عاداتها الاجتماعية تحول دونها ودون الظهور الإعلامي المكثّف الذي يجعلها في الواجهة دائمًا، ولك في ديوان الشاعرات في المملكة العربية السعودية الذي صدر مؤخرًا للمؤلفة سارة الأزوري أكبر دليل على ذلك، فالديوان يشتمل على سير ذاتية وقصائد شعرية لما يربو على ٢٠٠ شاعرة من شاعرات الفصيح السعوديات فقط، ولو تطرَّقت المؤلِّفة لشاعرات النبطي لكان العدد أكبر من ذلك بكثير، أما عن المواضيع التي تعالجها فتقول:

كتاباتي في جزء كبير منها تميل للوجدانيات والبوح الذاتي، فضلًا عن قصائد المشاركة الوجدانية في الهمِّ المجتمعي والإنساني إلى جانب قصائد الوصف والتصوير للطبيعة وجماليات الكون التي كانت هي نقطة انطلاقي في عالم الشعر، ولا أغفل كذلك اهتمامي بالقصائد الدينية والوطنية والمناسبات.

ومما يذكر أن للشاعرة نجاة الماجد مسيرة إبداعية توّجتها بجوائز عديدة، حازت عليها بكل جدارة إضافة لدواوينها المطبوعة، مثل:

 ((الجرح إذا تنفَّس) و((بخور الوجد)) و((أهازيج عربية)) الذي نالت فيه جائزة تازة الأدبية من شبكة تازة التنموية في المغرب بالتعاون مع شركة ماهي للنشر والتوزيع في الإسكندرية بجمهورية مصر العربية، ومجموعة مقالات بعنوان: ((بين قناعاتي وذكرياتي))، وأكثر من خمسة عشر ديوانًا شاركته مع غيرها من الشاعرات والشعراء.

وللتعريف بالشاعرة من الوجهة الأكاديمية، فالشاعرة نجاة الماجد تحمل شهادة بكالوريوس علوم المكتبات والمعلومات من كلية الآداب في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وبتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وقد نالت المركز الأول على الدفعة، وحازت وسام الأوائل، واتبعت دورات تدريبية عديدة، وكانت قد نالت العديد من الجوائز والشهادات والدروع والأوسمة، وأجري معها أكثر من لقاء، ولها مشاركات عديدة في أمسيات ومهرجانات وبرامج إذاعية، وقد كتب عنها وعن إبداعاتها الكثيرون، مثل: الناقد الدكتور يوسف عارف، والناقد التونسي نور الدين الخبثاني، والناقد الأكاديمي بجامعة الجوف الدكتور محمود عبد الحافظ وغيرهم من النُّقَّاد والباحثين، ومن جماليات شعرها الوطني قولها:

يا سائلًا عن موطني وإبائي

وطني يطاولُ قمَّةَ الجوزاء

لو تقرأُ الأمجاد يبدو موطني

موسوعةً للمجدِ والعلياءِ

وتؤكِّد أن وطنها منبع الإبداع، ومنه يستقي الشعراء الوحي والإلهام حين يحلّقون في فضاءات السحر والخيال بالفن والبيان، فتقول:

هوَ مصدرُ الإلهامِ كمْ منْ مبدعٍ

منه استقى هوَ فتنةُ الشعراءِ

وقد درس الدكتور إبراهيم الدهون هذه القصيدة دراسة تحليلية وافية تحت عنوان: ((المواطنة في الشعر السعودي))، ومما قاله فيها:

تهدف هذه الدراسة النقدية إلى تبيان مفردات ورموز المواطنة الحقيقية في قصيدة وطن الجمال، وأثرها في تنمية الحس الوطني، والدافع الانتمائي بين أفراد المجتمع، وقد أكَّد ذلك بشواهد عديدة من أبيات هذه القصيدة التي يجلو بها الشك باليقين، ومما قالته الشاعرة تَمجيدًا باليوم الوطني الذي بذكراه يتجدّد العهد بالولاء حين ترتبط جموعه بعرى المحبَّة والتلاحم بكل تحنان ووفاء:

غنَّى الفؤاد وضجّت الأركانُ

لما أناخ خيوله الميزانُ

وتعانقت روح الولاء قبائلا

وتهافتت بقصيدها الأوزانُ

ذكرى ليوم بالبطولة خالد

وبوحدة تزهو بها الأوطانُ

وتتابع الشاعرة قصيدتها المسبوكة بجزالة ألفاظها، وقوة معانيها، ومتانة تراكيبها التي يناسبها البحر الكامل وجوازاته، وقافيتها النون المضمومة بالوحدة الوطنية، والمرفوعة بالأنفة والكبرياء، والعزة والشموخ في غرضها الفخر القومي الذي يسمو بالوطن، وبسواعد فرسانه الميامين الذين ما زالوا يرفعون صروح أمجاده منذ عهد التأسيس حتى يومنا هذا كما في قولها:

تأبى المشاعرُ أنْ تظلَّ كوامنا

جاءتْ تسوقُ خيالها الفرسانُ

هاك المحبةَ من جموعٍ بايعت

يوم الولاءِ يسوقُها التحنانُ

جاءت تبثُّ الودَّ تنشدُ غنوة

هيَ للتلاحمِ والوفا عنوانُ

ولأنها تشعر بالفخر والاعتزاز؛ فقد بلغت في محبتها للوطن ذروة العظمة حين قالت:

وطني وما وطنٌ يضاهي موطني

وطني العظيم، وموطنُ العظماءِ

ولا تكتفي بذلك؛ بل تزهو بعروبتها التي تنتمي إليها، وذلك حين تعلن بإكبار أنها عربية الأصل، ونسبها الماجد راسخ كالجبال، وسلالتها سلالة الشرف الرفيع التي هي أكبر وأعلى من أن يهزَّها مدح ظاهر أو قدح خفي، كما في قولها:

عربيَّة إنِّي سليلةُ ماجدٍ

ما هزَّني مدحٌ ولا قدحٌ خفي

وهنا يبرز الفخر الذاتي المستمد مقوماته من تاريخ حضارة عربية، وانتماء حقيقي عريق، فلا عجب إن توحَّدت بالوطن بوحدة كاملة، ثم انتقلت لتحتفي بجمال الطبيعة والربوع والأهل في كل بقعة غنَّاء، تتمايز بما حباها الله من خصوصية متفرّدة، ولكنها تنسجم وتتجانس حين تكمل مع غيرها صورة الوطن كما برز ذلك، وهي تتغنَّى برغدان قائلة:

وهناكَ في رغدانَ طابَ لقاؤنا

في غابةٍ مبسوطةٍ الأركانِ

الفلُّ والكاذي أناخَ بأرضِها

فاستقبلتْهُ شقائقُ النعمانِ

وكذلك تغنَّت بنجران، وشدَّت من أشواقها أعذب الألحان حين قالت:

من الساحلِ الغربيِّ إلى صرحِ نجرانِ

دعاني الشوقُ كي أشدو بألحاني

دعاني الشوقُ يا نجرانُ فانطلقت

خيلُ القوافي بلا قيدٍ وميزانِ

هذي التي قد روى الأجدادُ قصّتَها

أن المسمَّى لنجران ابن زيدانِ

هذي التي خلَّد الأخدودُ سيرتَها

وظلَّ يتلو بآياتٍ وقرآنِ

هنا على الحدِّ فوقَ الطودِ شامخةٌ

حصنٌ منيعٌ على باغٍ وعدوانِ

وقد نشر لها في ملحق الأربعاء الثقافي لجريدة المدينة بتاريخ -٤- رجب عام- ١٤٢٨ هجري- الموافق- ٢٠٠٧م- قصيدة تخاطب فيها جدّة عروس البحر بعنوان: (قطر الندى)، قالت فيها:

يا عروسَ البحرِ يا قطرَ الندى

في هواكِ باتَ قلبي منشدا

أيُّ حسنٍ أيُّ فنٍّ ساحرٍ

قد تجلَّى فيك واجتازَ المدى؟!

يا عروسَ البحرِ طرفي سَاهرٌ

يرقبُ الليلَ وبحرًا مزبدا

آهٍ منْ نورٍ بجدّةَ هزَّني

كي يظلَّ الطرفُ فيَّ مُسهَّدا

يا عروسَ البحرِ يا حسنًا بدا

وضياءً لا ولن يتبدّدا

هذه بعض معالم الشاعرة نجاة الماجد التي تبدَّت من خلال النزعة الوطنية التي رسمت أبعادها بعفويّة وجدانية، تتسم بشفافية صدق العاطفة والسمو بغاية الإبداع.

في الأربعاء، ٢٩ تشرين الثاني، ٢٠٢٣ ٦:٤٤ م

*ناقد سوري

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود