فن الرواية والسرد في الفن التشكيلي المعاصر

فاطمة الشريف 

كتب الفيلسوف الفرنسي، والناقد الأدبي رولان بارت (Roland Barthes)  في كتابه “ An Introduction to the Structural Analysis of Narrative “بأن هنالك أشكال لا حصر لها من السرد في العالم، ومن تلك الأشكال اللغة، والصور، الثابتة أو المتحركة، والإيماءات، والأساطير، والخرافات، والحكايات، والقصص القصيرة، والملاحم، و المآسي، والكوميديا، واللوحات، والأفلام، والأخبار المحلية. مع هذا التنوع اللامتناهي من الأشكال، فالسرد موجود في جميع الأوقات، وفي جميع الأماكن، وفي جميع المجتمعات؛ بل إن السرد بدأ منذ بداية التاريخ البشري. فلا يوجد شعب بدون سرد … ” 

 

كما يؤكد الدكتور تشارلز إلدردج (Dr. Charles Eldredge) “أن السرد التشكيلي أو فن رواية القصة عبر اللوحة الفنية هو نمط فني عرف منذ القدم. وهو عادة قصص تم سردها عبر الطلاء، والرموز، والصور. إنه ببساطة حكاية مرسومة جيدا.” ولعل من أشهر سرديات التشكيل رسومات كهوف العصر الجليدي في فرنسا و اسبانيا.

 

 

 

بل يرى المعماري ليون باتيستا ألبيرتي (Leon Battista Alberti) أن “العمل العظيم للرسام هو السرد.” بمعنى أن اللوحة التي توثّق تاريخا عبر سرد قصة أو حكاية أو أسطورة هي الأكثر قيمة وأهمية.

يمكننا مشاهدة الفن السردي في رسم التاريخ الكلاسيكي والشعر والدين في لوحات الفنان والنّحات الإيطالي مايكل أنجلو في سقف كنيسة سستين (Sistine Chapel). بالتدقيق في اللوحات في مواقع الويب الأخرى ستتعرف عن شهرة بعض تلك اللوحات (خلق آدم وحواء) وصلتها الوثيقة برموز الشريعة النصرانية. الأمر الذي يجعلك تقتنع أن الرسم والنحت رسالة مصورة للمعاني والمعتقدات المحيطة بالمجتمع. 

 

نموذج توضيحي لرسم أنجلو السردي للسقف:

 

 

 

تأتي في المرتبة الثانية اللوحة السردية التي تصور مشهد من مشاهد الحياة اليومية، وتعكس جودة سردية وتثير وجهة نظر أخلاقية. تم استخدام هذا الموضوع لأول مرة من قبل فنانين هولنديين في القرن السابع عشر.

من أشهر رسامي السرد في تلك الفترة جان فيرمير.”لوحته الشهيرة فن الرسم أو سردية الفن (The Art of Painting)، التي تصور العلاقة المعقدة بين الفن والتاريخ وأهمية دور الفنان في المجتمع. في اللوحة يظهر حركة سحب ستارة كبيرة؛ ليظهر فنان شاباً جالسًا وظهره أمام المشاهد عند رسم إكليل الزهور للفتاة التي أمامه، وهي الحاملة لكتاب كبير للتاريخ، وبوق للمجد. تعكس هيئة الفتاة الشخصية الإغريقية كليو التي ترمز للتاريخ (Clio). تم التأكيد على العلاقة بين الفن والتاريخ في خريطة هولندا المعلقة على الجدار. كما تعكس الثريا المصممة بأناقة صورة لنسر مزدوج الرأس، الذي يرمز إلى الحكم الإمبراطوري لسلالة هابسبورغ السلطة القضائية لهولندا في القرن السادس عشر.”

 

 

منذ عام 1945 حتى الوقت الحاضر و مصطلح “الفن السردي” يتطور ويتجدد بما يناسب خصائص العصر؛ ليشمل جميع أشكال السرد البصري من الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي والفيديو والأداء والتركيب الوصيف. 

 

ولعل أعمال (Norman Rockwell ) نورمان روكول الأمريكي تعكس مشاهد “لحياة يومية مرغوبة، موجودة بين جميع أولئك الذين أحبوا وصنعوا لوحات من هذا النوع” التي هي محط إعجاب الكثير من محبي الفن. من لوحاته التي تعكس تلك المشاهد ومستجدات عصره لوحة ” أخر المستحيلات”  

 

 

 

ما جعلني أطرح هذه المقدمة الموجزة  عن السرد التشكيلي هو ما أثاره اللقاء الرقمي التعريفي عن السرد في الفن المعاصر بعنوان: 

Storytelling in Contemporary Art 

للفنانة التشكيلية الأمريكية (Heather Layton) هيثر لايتون 

بدعوة من جمعية الثقافة والفنون. 

كان اللقاء قصير و ممتع. تمحور حول ثلاث نقاط هي :

١- طرحت الفنانة ثلاث فرضيات لإنشاء عمل تشكيلي سردي جديد وهادف هي:

الفرضية 1 أن لكل شخص قصة يحكيها. 

الفرضية 2 أن هذه القصص مهمة. 

الفرضية 3 قصصنا هي تاريخنا.

٢- استعرضت نماذج لأعمال العديد من الفنانين المعاصرين الذين أنتجوا أعمالا سردية تعكس قصص هامة في تاريخ شعوبهم وثقافتهم، وهم:

  1. Rosemary Shojaie generational stories : bedtime stories 1-12 panels watercolor
  2. Matgorazata Mirga- Tas ethnic Stories  
  3. Ghada Al-Rabea Acceptance Stories (غادة الربيع)
  4. Melek Mokgosi stories of nationhood
  5. Terrance Guardipee indigenous stories
  6. Consuelo Jiminez immigration stories
  7. Heidi Hahn mental health stories
  8. Heather Layton stories of Empathy

٣- كان عرض أعمال التشكيلية السعودية غادة الربيع مثيرا للبهجة و دافعا للبحث عن إبداعاتها السردية التي حاكت فيها العديد من الأعمال العالمية. الأمر الذي يجعلك تستشعر قيمة الدور الريادي لفنان/ة في المساهمة الإبداعية لبناء المشهد الفني المعاصر في السعودية، متخذا من التجريب واكتشاف الأفكار الجديدة وسيلة لتعزيز دور الفنانين في العملية الإبداعية وتأثيرهم على المجتمعات عالمياً. 

إن قدرة غادة الربيع في المحاكاة للكثير من اللوحات العالمية في سلسلة لوحاتها في معرضها سيدي شاهين (٢٠١٧)، والتي تعكس تفاصيل الحياة اليومية السعودية اجتماعيا ونفسيا باستخدام أغلفة الحلوى بدلا من الألوان، كما مثّلت البساطة والتبسيط في مكونات اللوحة، وعمق المعنى والرسالة.

لوحة طلعات الكورنيش للربيع محاكاة للوحة العالمية مساء الأحد 

(A Sunday Afternoon on the Island of La Grande Jatte) للفنان العالمي  ( George Seurat)

ختاما الفن السردي هو فن مرئي يحكي قصة. يتجلى في كل نوع من الوسائط ، في كل ثقافة، في كل شكل يمكنك تخيله، فهو أعمال تثير العواطف والخيال، وتلتقط الحقائق والمعلومات، وتعكس التطلعات الثقافية العالمية. 

 

المصادر:

The Story of Art by E.H.Gombrich. ( كتاب قصة فن مترجم)

The Lucas Museum Website.

National Gallery of Art Website.

The meeting “Storytelling in Contemporary Art”  by Heather Layton 

7 thoughts on “فن الرواية والسرد في الفن التشكيلي المعاصر

  1. شكرا استاذي الفاضل محمد باخشوين لهذا المرور الكريم من إعلامي تشكيلي عشق الفن بروح وصدق… دام مرورك .

  2. موضوع شيق وهادف جداً .. ياريت الفنان المبدع في أي إتجاه من الإتجاهات الإبداعيه أعلاه . يقرأ هذا المقال المبسط جداً . حول السرد وماهيته وتشعب منابره وأدواته التعبيريه .. الف شكر . كاتبتنا المبدعه الرصينه :- فاطمه الشريف .. على هذا للطرح المترامي الاطراف وعلى هذه الإضاءت الجميله ..
    محمد باخشوين :- جده

  3. شكرا لإضافتكم الثرية الرائعة… حفظكم الباري أقلام وعقول منيرة أمنية… تحياتي لكل من تفضل بالمرور…

  4. موضوع جميل وجوهري لأهمية الفن في مجتمعاتنا وما ينقله من توثيق وسرد وتخليد بطابع وتقديم شيق وعميق ولغة يتكلمها جميع شعوب العالم وإذا كان الشاعر ينقل لك تصور وتخيل لموقف فإن الفنان يجعلك ترى هذا الموقف أو الموضوع ويجعلك تعيش الحدث بجميع جوارحك والعمل الفني له قراءات كثير ولكل متلقي قراءه فأنظر ما يمثله العمل الفني من مجلدات تحكي وتسرد وتجعلك تعيش الحدث والموضوع بما تراه بصيرتك وبصرك وهو الموثق الأول والأروع على مر العصور فما أجمل أن تكون فناناً أو متذوقاً أو محباً لهذا العالم الساحر الجميل
    أشكركم (فرقد ) على هذا الطرح الجميل الهادف الشيق لزوايا ذهبيه وعدسه لازوردية لكل ماهو مهم وله أثره وإلهامه .

  5. قراءة جميلة وانارة لمنطقة غير متوقعة تصطدم بحقيقة ان المعاصرة بنيت اساسا على تقويض التاريخ وافراغه من حيثياته عبر انتاج لاتاريخاني يؤسس لمتحف ذاكرة عمره صفر اعتبارا من الانجاز وبرغم الاستعانة بما طرحه بارت من مقولة تخص البحث السيسيولوجي فان وجود اعمال الكهف و مايكل انجلو وفيرمر الى جانب الاعمال المعاصرة يجعل الموضوع من مرتبة المعاصرة الى كليات النتاج التشكيلي ومن ثم يدفعنا الى عنوان باطني يؤطر المقال يشمل السرد في كلية التشكيل وهو ما تناولناه مفصلا في مؤلفنا – المكرس لذلك – تحية لهذا الجهد المعرفي الجمالي ولهذا الانتقاء المائز ويسرنا ويشرفنا ان نكون معكم

  6. قطعة فنية من الكتابة بسرد وتفصيل وتوثيق أكثر من رائع ..اسلوب الكتابة اعجبني كثير ..لبساطته وتعقيده وجماله في نفس الوقت ..الموضوع شيق جدا واشكر الكاتبة أستاذة فاطمة على هذا الطرح الأكثر من رائع للموضوع …ولكن تتسائل الآن وبعد توفر الكاميرا والفيديو هي سوف يكون تأثير اللوحه السردية أحقية أو قصة أو حادثة بمكانة الفلم أو الصورة ؟؟!!
    كان الفن التشكيلي له دور كبير في الماضي في نقل المثير من الصور التاريخية والدينية لا شك في ذلك ..لكن هذه المهمة قد خبت وضعفت قيمتها في عصر التكنلوجيا والسرعه … ولكن يبقى للوحة السردية جماليتها وأثرها وأسلوب الفنان تأثيره المتفرد على الساحة التشكيلية…
    اشكرك أستاذة فاطمة على الثقافة العالية والكتابة الأكثر من رائعه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *