الطريق التعب_قصة مترجمة

الطريق التعب ،،، 

قصة للكاتبة الأمريكية: – يدورا ويلتي_Eudora Welty

ترجمة / خلف سرحان القرشي

كان ذلك في ديسمبر، صبيحة يومٍ متجمدٍ مشرقٍ، في أقاصي الريف، ثمَّة عجوزٌ زنجيَّةٌ، لفت رأسها في قطعة قماش حمراء، تمشي على الطريق عبر غابة الصنوبر، اسمها فينيكس جاكسون، كانت طاعنةً في السن، ضئيلة الحجم، تجر خطاها ببطءٍ تحت ظلال أشجار الصنوبر الممتدة، تتحرك قليلًا من جانبٍ إلى جانبٍ بثقلٍ متوازٍ، وبخفة رقاص ساعة الحائط. تحمل في يدها عصا نحيفةً صغيرةً؛ عبارة عن عمود مظلَّةٍ من شجر القصب، تنقر بها الأرض المتجمدة أمامها محدثةً صوتا موحشًا ومستمرًا في ذلك الجو الساكن، بدا وكأنَّه تأمل يشبه صداح عصفورٍ صغيرٍ في عزلته.

 ترتدي العجوز لباسًا مخططًا داكن اللون يمتد إلى أعلى حذائها، ومئزرًا مساوٍ له في الطول؛ مصنوعًا من أكياس السكر المبيضَّة، له جيبٌ كاملٌ، أنيقٌ ومنظمٌ، ولكنها تكاد تتعثر برباط حذائها مع كلِّ خطوةٍ تخطوها، ذلك الرباط الذي انسحب من الحذاء لأنَّه غير مربوطٍ تمامًا. تنظر العجوز إلى الأمام، أحالت السنون عينيها إلى اللون الأزرق. أمَّا جلدها ففيه أنماطٌ لا تعدُّ من التجاعيد المتفرعة في ومن كلِّ مكانٍ، وكأنَّ شجرةً صغيرةً تقف في منتصف جبهتها، غير أنَّ لونًا ذهبيًا كان يجري تحتها، أمَّا وجنتاها فتشعان بوهجٍ أصفر تحت الظلال، وتحت عصابة رأسها الحمراء؛ ينسدل شعرها على عنقها بجعداته الهشَّة التي مازالت تحتفظ ببعض سوادها، كما تحتفظ برائحتها التي تشبه رائحة النحاس.

بين الفينة والفينة، تسمع العجوز فينيكس حركةً في دغل الغابة وتقول: –

“أيُّها الثعالب والبوم … أيُّها الخنافس والأرانب… أيَّتها الراكونات (1) … يَا كُل الحيوانات البرية: ابتعدوا عن طريقي… ابتعدوا من تحت هاتين القدمين. أيها الحجل الصغير… ابعد عني الخنازير الوحشيَّة… لا تدعها تعترض مساري، فلدي طريق طويل”.

 تحت يدها الصغيرة السوداء المتجعدة، هناك عصاتها، رشيقةٌ مثل سوط العربة، تجول بين الغصون الملقاة على قارعة الطريق، وكأنها توقظ كلَّ الكائنات المختفية.

 واصلت سيرها، حيث الغابة كثيفةٌ وساكنةٌ. أرواق الصنوبر الأبريَّة الشكل عندما تهز الرياح أعاليها، تبدو شديدة اللمعان بسبب الشمس الساطعة. أما مخاريطها (2) فكانت تتساقط خفيفةً كالريش، وأسفل الوادي ثمَّة إحدى الحمائم التي لم يكن الوقت متأخرًا بالنسبة لها لكي تعود، ويستمر الطريق صاعدًا نحو التّل، وبصوتٍ فيه شيء من الجدال، اعتاد كبار السنِّ الحديث به مع أنفسهم قالت: ” يبدو وكأن هناك قيدًا على قدميَّ منذ أن وصلت إلى هنا، شيءٌ ما يمسك بي في هذا التّل، ولكن يجب أن أواصل”.

وبعد أن وصلت إلى أعلى التل، التفتت إلى الوراء لتلقي نظرةً كاملةً حادَّةً خلفها، وترى مقدار المسافة التي قطعتها وأخيرًا قالت بإسهابٍ: –

“عاليًا عبر الصنوبر، والآن أسفل عبر البلوط”.

عيناها مفتوحتان على اتساعهما، وبدأت الهبوط بتؤدةٍ وتأنٍ، ولكن قبل أن تصل أسفل التّل أمسك أحد الأغصان بلباسها.

أصابعها متصلةُ الحركة، ومنكبةُ على عملها، غير أن سترتها طويلةٌ فما إن تسمح لها بحرِّية الحركة في مكان ما تلبث أن تمسك في مكانٍ آخر. ومن غير الممكن ترك ملابسها تتمزق، وعندما حدث ذلك قالت:

” لقد وقعت على غصنٍ شوكيٍّ، أيُّها الشوك…. إنَّك تؤدي عملك المحتوم في منع الناس من المرور، ولكن أيُّها السيد إنَّ عينيَّ العتيقتان ظنتاك مجردَ غصنٍ أخضر جميلٍ”.

أخيرًا وبعد أن ارتجف كلُّ جسدها؛ تحرَّرت واقفةً. وبعد برهةٍ انحنت لتأخذ عصاتها، وأجهشت بالبكاء، وهي تنظر منحنيةً إلى الوراء، ودموعٌ كثيفةٌ تسيل من عينيها:

“الشمس مرتفعةٌ جدًا، إن هذا المكان يأخذ مني في كلِّ مرَّةٍ وقتًا أطول من المرَّة السابقة”.

وعند سفح هذا التِّلِّ، ثمَّة مكانٌ به جذعُ شجرةٍ؛ ممدودٌ فوق أحد الجداول؛ بمثابة عَبَارَةٍ للمرور من فوقه، وهنا قالت فينيكس

“والآن جاء وقت الامتحان”.

وضعت قدمها اليمنى، ارتقت الجذع، أغمضت عينيها، رفعت إزارها، سوّت عصاتها أمامها بقوةٍ – مثل ما يفعل بعض شخصيات المهرجانات -، وبدأت تتقدم، وما إن فتحت عينيها حتى وجدت نفسها على الجانب الآخر منه وقالت:

“لست طاعنةٌ في السنِّ مثلما ظننت”.

جلست قليلًا لترتاح. نشرت إزارها على الضفَّة المجاورة، طوت يديها فوق ركبتيها، تظللها شجرةٌ من الهدال (3)، ذات ثمارٍ لؤلؤيةٍ. لم تجرؤ على إغماض عينيها، ولكنَّها تكلمت إلى ذلك الصبي الذي أحضر لها شريحةً من الكعك المجزَّع في طبقٍ قائلةً:

” سأقبل هذا منك”.

ولكن ما إن مدَّت يدها لتتناوله، لم تجد شيئًا غير يدِّها في الهواء!

وهكذا غادرت تلك الشجرة، وعليها الآن أن تمر عبر سياجٍ من الأسلاك الشائكة، عليها أن تزحف وتتقدم ببطءٍ باسطةً ركبتيها، ناشرةً أصابعها – مثل طفلٍ يحاول صعود درج السلَّم – وشرعت تتحدث بصوت عالٍ إلى نفسها، كان من غير الممكن أيضًا أن تدع لباسها يتمزق. وفي وقتٍ متأخرٍ من اليوم يصبح من الصعب عليها – لا سمح الله– تحمل ضريبةَ قطع ذراعها أو ساقها، لذا عليها ألا تتحرك بسرعةٍ.

 أخيرا هاهي الآن مطمئنةٌ بعد تجاوز السياج، نهضت، وَجَدَّت نفسها في مكانٍ خالٍ من الأشجار. هناك أشجارٌ كبيرةٌ ميتةٌ، كأنَّها رجالٌ سودٌ؛ بأذرعٍ وحيدةٍ مطروحةٍ عند السيقان الأرجوانيَّة لحقل القطن الذابل، وغير بعيدٍ مكث أحد الصقور، وقالت فينيكس موجهةً له الحديث:

من تراقب؟

وفي الفلج نفسه أكملت طريقها، نظرت من جانبيه وقالت:

” كم أنا مسرورةٌ! إنَّه موسم الثيران. لقد جعل الله – الرحيم – الأفاعي تتجعد، وتنام في الشتاء ومما يزيد من سروري أنَّني لم أرى أياً من الثعابين ذات الرأسين يحوم حول الشجرة مثل ما كان يفعل في الماضي. إنه يحتاج وقتًا طويلًا ليعود مرَّةً أخرى في الصيف.

    مرَّت عبر حقول القطن القديمة، وهي الآن تعبر أحد حقول القمح القاحلة؛ شجيراته تهمس وتهتز؛ وطول كلِّ شجيرةٍ من شجيراته يبز طول العجوز فينيكس.

وهنا قالت محدثةً نفسها:

–   “والآن عبر المتاهة”.

لم يكن لديها أيٌّ معبرٍ.

لفت نظرها شيءٌ ما؛ طويلٌ أسود جلديٌّ يرقص في الحقل. وقفت ساكنةً تصغي إليه. لم يصدر عنه أيَّ صوتٍ. إنَّه صامتٌ مثله مثل شبحٍ، وقالت بحدَّةٍ: –

” أيُّها الشبح: قل لي بربك من تكون؟ فأنا لم أسمع بعد أن الموت غدا قريبًا مني لهذا الحدِّ”.

لم يصافح أذنيها أيُّ صوتٍ سوى صوت ملابس مهترئةٍ تهتز في الهواء. وهنا أغمضت العجوز عينيها، ولمست بيدها أحد أكمام ذلك الشيء، وجدته معطفًا ليس بداخله شيءٌ، كان باردًا مثل الثلج. قالت ضاحكةً وقد أشرق وجهها:

– ” فزاعةٌ (4)! كان يجب أن أسكت للأبد”. وأردفت:

– ” لم يبق من حواسي شيئاً. كم أنا طاعنةٌ في السن. إنني أكبر الناس الذين عرفتهم. ارقصي أيَّتها الفزاعة، وسأرقص معك”.

    وأخذت تضرب برجلها في الأخدود، ……..، هزت رأسها مرَّةً أو مرتين بطريقةٍ فيها شيءٌ من الخيَّلاء. الريح تهب ببعض قشور الثمار التي تلتف حول مئزرها.

   واصلت سيرها؛ موزعةً خطاها من جانبٍ إلى آخر، مستعينةً بعصاتها عبر ذلك الحقل الهامس. أخيرًا وصلت إلى مبتغاها؛ إلى مسارٍ للعربات حيث العشب الفضيُّ يتمايل بفعل الرياح بين الأخاديد الحمراء. صغار طيور السمان تتمشى بالجوار، تبدو لطيفةً وبالكاد ترى.

وقالت:

– ” هنا سأمشي بهدوءٍ. إنَّه مكانٌ سهلٌ لا يحتاج إلى مشيٍ جادٍ”.

واصلت مسيرها متتبعةً آثار الطريق عبر تلك الحقول الجدباء؛ الخيوط الصغيرة للأشجار الفضيَّةِ ذات الأوراق الميِّتة، بمحاذاة تلك الأكواخ التي أحالها الطقس إلى اللون الفضيِّ. الأبواب والنوافذ مغلقةٌ. كلُّ العجائز اللواتي مثلها يكنَّ الآن تحت تأثير تعويذة الجلوس.

” إنني أسير بينما هن يَغُطَنَ في نومٍ عميقٍ”.

قالت ذلك، وهي تؤمي برأسها بقوةٍ.

إنَّها تمشي الآن في الوهد حيث ينساب الجدول بصمتٍ خلال ساق شجرة مجوف. انحنت العجوز لتشرب، عاودت الشرب وهي تقول:

“لقد جعل الصمغ الحالي الماء أكثر عذوبةً. لا أحد يعرف من عمل هذا الينبوع. إنَّه هنا منذ أن وُلِدْتُ”.

آثار العربة عبرت الجزء المغرق دائمًا بالماء حيث الطحلب معلقًا مثله مثل شريطٍ

مزركشٍ في شجرةٍ. وقالت فينيكس:

“نامي أيَّتُها التماسيح، وهبِّي بفقاقيعك في الماء”، ومن ثمّ بدأ الأثر يصل حيث أشجار السرو.

وبعمقٍ، بعمقٍ شديدٍ بدأ الطريق ينزل بين الضفتين العالتين الخضراوين الساطعتين، ومن أعلاه كان يلاقي أشجار البلوط الحيَّة. كان الطريق مظلمًا مثله مثل كهف.

         وبينما فينيكس مستغرقةٌ في التأمل، وليست مستعدةً لشيءٍ، أتى فجأةً كلبٌ أسودٌ يدلي لسانه، من الجهة التي بها عشب ضار بجانب الخندق. وعندما أصبح قريبا منها ضربته ضربةً خفيفةً بعصاتها، وصعدت الخندق مثل هبَّة العشب الَّلبني. وبعد ذلك أبحرت حواسها بعيدًا، وزارها حلمٌ، مدَّت يدها إلى أعلى، لم يصلها شيء، ولم تُعْطَ شيئا. استلقت هناك وشرعت تحدث نفسها:

– “أيُّها العجوز، لقد جاء ذلك الكلب الأسود من جهة العشب ليماطلك. إنَّه هناك الآن مقعٍ على ذيله الرفيع يبتسم لك.

    أخيرا جاء إليها رجلٌ أبيض، إنَّه صيادٌ شابٌ معه كلبٌ مربوطٌ في سلسلةٍ، وقال لها وهو يضحك:

حسنا أيُّتها الجدة، ماذا تفعلين هنا!

أجابته، وهي تمدُّ يدها له ليساعدها على الوقوف:

مقعيةٌ على ظهري مثل بَقَةِ حزيران تنتظر من يعيدها سيرتها الأولى.

رفعها الرجل إلى أعلى، وهزَّها في الهواء وأجلسها وسألها:

هل أُصِبْتِ؟

لا. سيدي. لقد حَمَتنِي الحشائش المَيِّتةِ بكثافتها.

قالت هذا وهي بالكاد تلتقط النفس، وأضافت:

أشكرك.

وبينما الكلبان ينهر كلَّا منهما الآخر، ويتشاجران، سألها الرجل:

أين تعيشين يا جدة؟

بعيدًا هناك أيُّها السيد، خلف تلك التِّلال. إنَّك لن تستطيع من هنا رؤية المكان الذي أعيش فيه،

وهل أنت في طريقك للمنزل الآن؟

لا. ياسيدي. إنَّني ذاهبةٌ إلى المدينة.

ماذا؟ إنها بعيدةٌ جدًّا، نفس بُعْدِ المسافة التي قطعتها عندما أتيت منها بعد أن قضيت غرضي!

وضرب بيده على الكيس المحشو الذي يحمله وفيه مخلبٌ صغيرٌ عُلِقَتْ فيه واحدةٌ من الحجل كان قد اصطادها. استطرد قائلًا لها:

والآن اذهبي إلى منزلك أيُّها الجدَّة.

إنِّي ملزمةٌ بالذهاب إلى المدينة أيها السيد. لقد حان الوقت.

وهنا أطلق الشاب ضحكةً مُدَوِّيَةً ملأ صداها الفضاء، وقال:

أعرفكن جَيِّدًا معشر العجائز الزنجيَّات! لا تريدين تفويت الذهاب إلى المدينة لتشاهدي سانتا كلوز. (5)

    شيءٌ ما جعل العجوز تمسك أعصابها، وتحولت تلك التجاعيد العميقة في وجهها إلى إشعاعات قاسيَّةٍ ومختلفةٍ. ودون سابق إنذار رأت نيكلاً (6) يتلألأ ساقطًا من جيب الرجل على الأرض، دون أن يشعر به، وواصل حديثه معها:

– كم عمرك أيها العجوز؟

– لن أقول لك. لا. لن أقل لك.

أعطت صيحةً صغيرةً، وصَفَقَتْ بيدِّها، وقالت:

– اذهب من هنا أيها الكلب.

وأضافت وهي تضحك كما لو أنَّها تبدي إعجابًا:

انظر. انظر إلى ذلك الكلب، إنه لا يخاف من أحدٍ، ياله من كلبٍ أسود كبيرٍ. اطرده بعيدا من هنا.

الآن ترين كيف أتخلص من هذا الوغد، وصاح موجها الأمر لكلبه:

– اطرده يا بيتي!

سمعت العجوز الكلبين يقتتلان، وسمعت أيضا الرجل يجري ويرمي ببعض العصيِّ، كما سمعت صوت طلقٍ ناريِّ. ورغم ذلك انحنت لتنثني إلى الأمام، وبقدر ما كانت تنثني، كانت الأغطية تنزل على عينيها؛ وكأنَّها تعمدت فعل ذلك مثلما يحدث أثناء النوم. عنقها يكاد يلامس ركبتيها، ومن طيَّة مريلتها ظهر مرفق يدِّها الأصفر، وانزلقت أصابعها إلى الأسفل لتلقط من على الأرض، وبكلِّ رشاقةٍ وحرصٍ ذلك النيكل الذي سقط للتو من جيب الرجل. التقطته بعنايةٍ فائقةٍ كما تُلْتَقَطُ البيضة من تحت الدجاجةِ الراقدةِ. نهضت ببطءٍ. وقفت منتصبةً بعد أن وضعت النيكل في جيب مريلتها لترى طائرًا يحلق حولها، وهنا تمتمت قائلةً:

” الله يراقبني طيلة الوقت. لقد سرقت”.

عاد الشاب وكلبه يلهث حوله، وقال للعجوز:

أرأيت؟ لقد أخفته هذه المرَّة!

ضحك ورفع بندقيته وصوَّبها باتجاه العجوز التي وقفت منتصبةً ومواجهةً له وقال لها:

ألا تُخِفْكِ البندقية؟

أجابته بكلِّ ثباتٍ ورباطةِ جأشٍ وهي تظنُّ أنَّه رآها وهي تسرق النيكل:

لا. أيُّها السيد. لقد رأيت الكثيرين يذهبون من حولي طيلة أيام عمري ولأقل ممَّا فعلت!

ابتسم الرجل، ووضع بندقيته على كتفه وقال:

حسنًا أيُّها الجدَّة. لا بدَّ أنَّ عمرك مائة عامٍ، ولم يعد يُخِفْكِ أيُّ شيءٍ..، ولو معي نقودًا لأعطيتك، ولكن خذي بنصيحتي وأبقِ في بيتك، ولن يُصِبْكِ شيئا.

– إنَّني مصممةٌ على مواصلة طريقي أيُّها السيد.

 أمالت رأسها في عصابتها الحمراء، وذهبا في طريقين مختلفين، بيد أنَّها سمعت طلقات البندقية

مرارًا أعلى التل.

   واصلت السير، أشجار البلوط ممتدةٌ على الطريق وكأنَّها ستائر، بعد ذلك بدأت رائحة دخان خشبٍ تصافح أنفها، وكذلك رائحة النهر لترى بعد ذلك برج الكنيسة، والأبراج العالية في المدينة والأكواخ، عشرات الأطفال السود ينطلقون بسرعةٍ من حولها. وغير بعيدٍ هناك المدينة تشع أنوارها، وأجراسها تدق. المدينة – ذات الشوارع المعبَّدة – تعيش – عن بكرة أبيها – أفراح العيد. هناك أضواءٌ الكرتونيةٌ خضراء وحمراء معلقةٌ ومتقاطعةٌ مع بعضها البعض في كلِّ مكانٍ، جميعها مضاءةٌ رغم أنَّ الوقت نهاراً. ولو اعتمدت العجوز فينيكس على نظرها، فستضل الطريق لا محالة، لذا عليها أن تعتمد على قدميها لتعلم إلى أين تأخذهما!

   هاهي الآن تقف بهدوءٍ على جانب طريق المشاة حيث يمر الناس من حولها. ومن بين الجموع هناك سيدةٌ تحمل على ذراعها هدايا ملفوفةً بألوانٍ فضيّةٍ وخضراء وحمراء، تفوح منها رائحة عطر زكيَّةٍ كرائحة الورود الحمراء في الصيف الحار، أوقفتها فينيكس:

– أرجوك سيدتي. اربطي لي الحذاء.

ورفعت حذاءها، وهنا سألتها السيِّدة:

– ما الذي تريدينه بالضبط يا جَدَّة؟

– أنظري إلى حذائيِّ. إنَّهما ملائمين للسير في الريف، ولكنَّهما ليسا ملائمين للدخول في عمارة كبيرة.

إذن. قفي ثابتةً.  

وضعت السيدة كل ما تحمله على الأرض بجانبها، وربطت بإحكامٍ حذائي العجوز التي شكرتها قائلة:

– شكرا سيدتي، لم أتمكن من ربطهما بالعصا، ولم أرى مانعًا من أن أطلب من سيِّدة لطيفةٍ مثلك ربطهما.

بدأت تتحرك ببطءٍ من جهةٍ إلى أخرى. دخلت في عمارةٍ كبيرة. صعدت عددًا من السلالم. وواصلت الصعود حتى عرفت قدماها أين تقفان بها.

 دخلت من أحد الأبواب، وهناك أبصرت شهادةً معلقةً على جدارٍ؛ خُتِمَتْ بختمٍ ذهبيٍّ، ووُضِعَتْ في برواز ذي إطارٍ ذهبيٍّ أيضًا تناغم مع إيقاع الحلم العالق برأسها.

“إنني هنا الآن”! هذا ما قالته لنفسها، بينما كست جسمها صلابةٌ احتفاليةٌ. قال أحد الموجودين الجالسين على مكتبٍ قبالتها: –

حالةٌ خيريةٌ فيما ما أظن.

لكن فينيكس ظلَّت تنظر فقط إلى أعلى رأسها. العرق باديًّا على وجهها – الواضحة تجاعيده جدًا – وكأنَّها شبكةٌ ساطعةٌ.

قالت لها امرأةٌ هناك:

تحدثي يا جدَّة. ما اسمك؟ لا بد وأن يكون لك سجلٌ كما تعلمين. هل أتيت إلى هنا قبل هذه المرَّة؟

لم تبدر عن العجوز فينيكس سوى ارتعاشةً من وجهها كما لو أنَّ ذبابةً قد أزعجتها، وهنا قالت لها المرأة:

هل أنت صماء؟

دخلت ممرضةٌ وقالت:

أهـ. هذه هي العمَّة فينيكس. إنَّها لا تأتي من أجل نفسها، بل من أجل حفيدها الصغير. إنِّها تقوم بكلِّ هذه الرحلات بشكلٍ منتظمٍ وكأنَّها الساعة. إنَّها تسكن بعيدًا هناك خلف طريق ناتشيز تريس (7) القديم. انحنت عليها الممرضة قائلةً لها:

– حسنًا عمَّة فينيكس. لماذا لا تجلسين؟ لا نريدك أن تبقي واقفة بعد كل هذه الرحلة الطويلة.

أشارت الممرضة بيدها إلى أحد الكراسي. جلست العجوز مسندةً ظهرها إلى الكر سي. سألتها الممرضة:

-والآن كيف حال الولد؟

لم تجب العجوز. أعادت الممرضة السؤال:

-أقول لك: كيف حال الولد؟

ظلت فينيكس تنتظر، محملقةً بنظراتها إلى الأمام. بدا وجهها مهيبًا ومستعيدًا صلابته. واصلت الممرضة القول:

-هل حنجرته على ما يرام؟ ألا تسمعيني ياعمَّة؟ هل تحسنت حنجرة حفيدك منذ آخر مرَّةٍ جئت إلى هنا لأخذ علاج له؟

تواصل انتظار العجوز وصمتها، بينما هي واضعةٌ يديها على ركبتيها. بقيت منتصبةً في جلستها بلا حراك، كما لو أنَّها في عربةٍ مُدَرَعَةٍ. عادت الممرضة لسؤالها:

-عمَّة فينيكس … يجب ألَّا تضيعي وقتنا بهذه الطريقة. أخبرينا بسرعةٍ عن حفيدك، وأنجزي مهمتك. إنَّه ما زال على قيد الحياة. أليس كذلك؟

أخيرًا أتت إلى العجوز ومضةٌ متبوعةٌ ببعض وهجٍ عبر قسمات وجهها، وقالت:

– حفيدي، آه، لقد غادرتني الذاكرة عندما جلست لدرجة أنِّي نسيت لماذا قمت برحلتي الطويلة هذه!

قالت لها الممرضة باستغرابٍ ودهشةٍ:

-نسيت! بعد كل هذا السفر؟

فينيكس الآن مثلها مثل عجوزٍ تستجدي العذر لإفزاعها شخصًا كان يغط في سباتٍ عميقٍ في الليل، وقالت:

-لم أذهب قط للمدرسة. كنت كبيرةً جدًا في سررندر. وأضافت في صوتٍ ناعمٍ:

-إنَّني عجوزٌ أُمِيَةٌ. خذلتني ذاكرتي. إنَّ حفيدي على حاله، ولقد نسيت ذلك أثناء مجيئي.

سألتها الممرضة:

-لم تشف حنجرته بعد؟ أليس كذلك؟

وأضافت الممرضة، وهي تحمل بطاقةً كُتِبَ عليها شيءٌ ما، قائمةٌ صغيرةٌ:

-نعم. حالة بلع محلول القلى (8). متى؟ في شهر يناير منذ عامين أو ثلاثةٍ.

وهنا تكلمت العجوز دون أن تسأل:

– لا. يا سيدتي. لم يمت. إنَّه على حاله. ما إن يغلق حلقه يصبح غير قادرٍ على البلع، ولا حتى على التنفس. إنَّه لا يستطيع مساعدة نفسه. لقد جئت في رحلةٍ أخرى من أجل العلاج المُلَطِفِ له.

قالت لها الممرضة:

– حسنًا. قال الطبيب بأنَّك ستحصلين على علاجٍ ما دام أنَّك قطعت كلَّ هذه المسافة من أجله.

وأردفت الممرضة:

ولكنَّها حالةٌ مستعصيةٌ.

وقالت العجوز:

– إنَّ حفيدي الصغير هناك جالسًا في المنزل بمفرده ينتظر، وقد غُطِيَّ كامل جسمه.

وواصلت الكلام قائلة:

– أنا وهو الاثنان الباقيان فقط في هذه الدنيا. إنَّه يعاني، ولا يبدو أنَّ معاناته ستتركه أبدًا. له طلعةٌ بهيَّةٌ. سأفتقده إلى الأبد. إنَّه يرتدي قطعة لحافٍ صغيرةٍ مرقَّعةٍ لها ثقبٌ يُبْقِي فمه مفتوحًا مثله مثل طائرٍ صغيرٍ. إنني أتذكره بوضوحٍ الآن. لن أنساه مرةً أخرى. لا. لن يحدث هذا ما حييت. بوسعي أن أتذكره جيدًا من بين كلِّ الخلائق، وفي أصعب الأوقات.

وقالت لها الممرضة، وهي تحاول إيقافها عن الحديث:

– حسنا.

وناولتها قارورة دواءٍ، وقالت وهي تضع إشارةً في سجلٍ لديها:

“حالةٌ خيريَّةٌ”.

أمسكت العجوز القارورة قريبًا من عينيها، ومن ثمَّ وضعتها في جيبها، وهي تقول:

-أشكرك.

قال أحد الحضور للعجوز:

-إنَّنا في العيد يا جدَّة. هل لي أن أعطيك من محفظتي بضع بنسات؟

أجابته بثقةٍ:

-النيكل خمس بنسات.

فردّ عليها:

-وهذا نيكلٌ أيُّها السيدة.

رفعت العجوز يدها وفتحتها، وتناولت النيكل، وجذبت بعد ذلك قطعة النيكل الأخرى من جيبها، ووضعتها بجانب الجديدة، وحدَّقت النظر في راحة يدها – التي كانت قريبا من عينيها – ومن ثم طرقت أرضيَّة المكان بعصاتها، وهي تتمتم:

“نعم. هذا ما يجب أن أفعله. سأذهب إلى السوق لأشتري لطفلي طاحونة هوائيَّةٍ صغيرةٍ من تلك التي يبيعونها هناك، والمصنوعة من الورق. إنَّه لن يصدق وجود مثل هذه الأشياء في العالم. سأسحب نفسي إلى الوراء، إليه حيث ينتظرني، وأنا ممسكةٌ باللعبة مستقيمةً في هذه اليد.

رفعت يدها الفارغة، وأومأت برأسها، واستدارت قليلا، ومشت مغادرةً عيادة الطبيب، وبدأت خطواتها البطيئة نازلةً السلَّم.

 

 

_____________________

(1) الراكونات جمع (راكون). وحسب موسوعة ويكيبيديا: فالرَاكُون (حيوان ثديي من أكلات اللحوم يستوطن أنحاء متفرقةً من الولايات المتحدة وجنوب كندا Kوتعني كلمة “الراكون” في لغة سكان أمريكا الشمالية الأصليين الحيوان الذي يدلك بيديه. (المترجم).

(2) مخاريط شجرة الصنوبر بيضاويةٌ أسطوانيّةٌ، طولها 5 إلى 10 سم، وعرضها 3 إلى 4 سم، لونها قبل النضوج أخضر أو بنفسجيٌّ، وبعد النضوج بنيٌّ برتقاليٌّ، وتفتح المخاريط عندما تنضج لتطلق البذور مباشرةً بعد الفتح، حيث تندفع البذور بواسطة الرياح. (موسوعة ويكيبيديا) (المترجم).

(3)الهدال: نباتٌ له ثمرٌ أبيضٌ زاهٍ يستخدم للزينة في المناسبات والأعياد. (المترجم).

(4)الفزاعة: كل ما ينصب في المزرعة على هيئة إنسانٍ لإخافة الطيور أو بعض الحيوانات. (المترجم).

(5)سانتا كلوز: شخصيةٌ ترتبط بعيد الميلاد عند المسيحيين، معروفةٌ غالباً بأنَّها تتمثل في رجلٍ عجوزٍ سعيدٍ دائمًا، وبدينٌ جداً وضحوكٌ يرتدي بزَّةً يطغى عليها اللون الأحمر، ولها أطرافٌ بيضاء، وتغطي وجهه لحيَّةٌ  ناصعة البياض، وكما هو مشهور في قصص الأطفال فإن بابا نويل يعيش في القطب الشمالي مع زوجته السيدة كلوز، وبعض الأقزام الذين يصنعون له هدايا الميلاد، والأيائل التي تجر له مزلاجته السحريَّة، ومن خلفها الهدايا ليوزعها على الأطفال أثناء هبوطه من مداخن مدافئ المنازل، أو دخوله من النوافذ المفتوحة وشقوق الأبواب الصغيرة . (نقلا عن موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية). (المترجم)

(6)النيكل: عملة معدنية قيمتها خمس بنسات تستخدم في الولايات المتحدة الأمريكية. (المترجم).

(7)(ناتشز تريس) Natchez Trace: طريق كان يستخدم في أوائل القرن التاسع عشر ويتجه من (ناتشز) مرورا بـ (مسيسيبي) حتى يصل إلى (ناتشفلي تنسي). (المترجم).

(8)محلول القلى: – مادة تستخدم في الغسيل ولصنع الصابون.(المترجم).
__________________________________________________________________

نبذة عن كاتبة القصة:

Eudora Welty

يدورا ويلتي

يدورا ويلتي كاتبةٌ متميزةٌ من كتَّاب الولايات المتحدة الأمريكية، ولدت في جاكسون بولاية ميسيسيبي عام 1909م. لها عدَّة رواياتٍ منها Delta Wedding عرس الدلتا، وصدرت عام 1946م، ورواية Losing Battles المعارك الخاسرة. أما روايتها التي فازت بجائزة بوليتزرفهي  Optimist’s Daughter (ابنة المتفائل)وصدرت عام 1972م.

نشرت عددًا من المجموعات القصَّصية من أشهرها Golden Apples التفاح الذهبي،وصدرت عام 1949م. عُرِفَ عنها اهتمامها بالتفاصيل الدقيقة لشخصياتها وللزمان والمكان. تجمع بين شخصيات سردها أفكارٌوظروفٌ معيشيَّةٌ شبه موحدَّةٍ قاسمها المشترك هو البؤس والمعاناة.

  ورغم اهتمامها بالهمِّ الجماعي لأبطالها، ألا إنّها لا تغفل محاولة الغور في أعماق وذوات كل منهم على حدة.

لاقت أعمالها نجاحًا كبيرًا في بلدها وخارجه. لها اهتمامٌ بالتصوير الفوتوغرافي، وأصدرت عدَّة البومات ومن أشهرها ذلك المعنون بـ One Time, One Place: Mississippi in the Depression).

لها كتاباتٌ نقدية ومن أبرزها كتابها: عين القصة   The Eye of the Story

وصدر في أوائل الثمانينات الميلادية.
توفيت في عام 2001.

https://www.theatlantic.com/magazine/archive/1941/02/a-worn-path/376236/

رابط للنص الأصلي للقصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *