الشريكان

محمد المنصور الحازمي*

الشريكان

سيّان أن تكون عاشق حرف أم حرف يعشقك، تجسد فيه ما تختزنه من مفردات، ومن الجميل أن تسخره ليس لمديح أجوف شُيِّدَ من سراب، ولا طُعم تبتغي منه استجرار عاطفةٍ، بل تعبير حقيقي عما لمسته من قيم ومثل، وما أنبأك به لُبِّك قبل قلبك وأحاسيسك .

فطريٌ هو الانسان؛ عاشق لكل جميل، رقيق الحسّ، ذكي في حواره، يمتلك ضميرًا لا غبّشَ تلظى به، لم يبخلْ بوقته، لم يكل فكرُه أو ينضب عطاؤه، يؤلمه الجحود تارة، ويبرر له حسن ظنه تارات، لا يشعر بارتياح بال، وهدوء خاطِر حين يعتقد أن أحدًا يحمل بنفسه أذىً توهَّمه بسوء فهْم، أو فشل بحسن نيَّة بميزانه، لا برؤية الآخَر؛ أن يوصل فِكرته، هذه الصفات لا يمتلكها إلا من صفى قلبه من الضغينة، ومن يبادر عقله بدق جرس إنذار لتصويب مساره؛ بيدَ أنه لا ينحو للتلذذ بمعاناة بشر.

سيدتي:
ما أروع أن استمتعت وأنا أتمعن سطورا، تفحصتها جملة جملة، وكلمة كلمة وحرفا حرفا، قرأتك بكل جملة وكلمة وحرف، لدرجة كنت أسمعها تنطق بصوت رسمته مخيلتي، وما اعتقدت أن حاستي خذلتني.

البداية والنهاية كانتا توأمان، لا أمواج عاتية، ولا بحر عميق مشاكس، وآخر وديع .. ترسو مراكب هناك، وتمخر أخرى إلى شخوص، وأشياء، لكن لم أجدك هناك، بل وجدتني حيث أنت؛ ففزعت إلى حيث شاطئك النائي.

يؤرقني حنينٌ استدعته بواكيرُ عشقي لجمال روحك فما خالجني يأس، وما أضنتي لواعج شك أنك لست أنت، فبقيت أنا لديك كما أنت لدي قاسمنا المشترك إبداع حرف، ونقاء قلب . وابتدأت حيث تنتهي حكايتي وأنت.

سأصرح لك، قرأتك لوحة رسمها تشكيلي بلا ألوان أو أصباغ، طرَّزها بذرات رمليَّة فضيِّة، التهمتها كفيَّ وصررتها بمنديل يشبه منديلا زّيَّنته خصلات مسافرة، وضعته في جبيي، وسربته لوسادتي .

كان جوابها: لقد أجهزت على ما اختزنه من مفردات، أثَمِنُ بها نقاء روحك، وعذبِ بيانِك، حرمتني من تصدير ما بات منتهي الصلاحية من كَلِمي ما يطاول صفاء لفؤادك، لقد أجدبت قريحتي، وغابت عني لحظة المبادرة، فأمسيتُ أفلي خصلات من شعري الآسِن، لعلِّي أظفر بما يكافئُ مِعشار ما أترفتني به من ثناء، وما اسهبت فيه من مترادفات واضداد.

سيَّدي؛ صرعتني؛ إذِ استعجمتُ أمام غزارة بحركرمك؛ وأمواج بطشك اللطيف بنياطِ قلبي؛ نضُب معينُ ذاكرتي أمام سحائب سخائك… عزائي أنك ستلتمس مبررات قصوري أن أفيَ بما يكافئ أصالتك.

انتفض معززًا صدق رهانه: فيك من الأسر البرجوازية العريقة نبلك، ومن الرِّيف عبق ريحانه وأريج فله، ومن الشطآن سحرها، ومن البحر كرمه … أنت رهان لم ولن تبدله السنون، وجبينٌ مشرق نضر لم يبطش به سهر، وروح لم تتخطفها هواجس الريبة، وقلب لا يصدأ..
إنها أنت .

قاص من السعودية*

almansouralhazm@

One thought on “الشريكان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *