شاي الغروب

نادية عصام فلاتة*

أو كما أسمته أمي.. في حديقة منزلنا الخلفية.

أصبحت تلك اللحظات تشكل أساسًا ليومي كما الحبل السري للجنين، ما إن نجلسُ كلتينا على الكرسيين الخشبيين أمام الطاولة الصغيرة، حتى تتعالى ضحكاتنا على أحداث يومنا التي نرويها لبعضنا، وإن كانت سيئة؛ فإننا نحولها إلى كوميديا ساخرة، فبالنهاية  كل أمر سيهون ما دمنا سويّةً.

اعتادت أمي على وضع ثلاث زهرات صغيرة في كوبَينا، كما أنها كانت حين تسكب الشاي ترفع الإبريق الأبيض ذا الزهور البنفسجية، والأطراف الذهبية عاليًا، ليصدر الشاي حين انصبابه صوتًا مغريًا على حد قولها.

وأحيانًا، تهُبُّ رياحٌ خفيفة تدفع بخيط الشاي المنسكب اللامع على ثوب إحدانا فتضحك عليها الأخرى في حين تمسح هي بالمنديل بدورها.

غالبًا ما كان يطل علينا أحد الجيران من خلف السور الأبيض ملقيًا التحية، أو كلمة لطيفة تجعلنا نبتسم لبعضنا وقد ملأنا السرور ..

وفي بعض الأحيان تمر جارتنا العجوز، فتقدم لنا كعكاتها الشهية التي تعلوها قطع التوت الطازج، أو ربما الكرز، إن لم تجد التوت في حديقتها.

 كنت أقفز فرحًا وأتحقق من كمية الشاي المتبقية في الإبريق، فهو أساسي مع الكعك طبعا.

 ثم أجري إلى داخل المنزل، إلىالمطبخ تحديدًا، فأُحضر لها كرسيًّا وكوبًا إضافياً لتشاركنا وقتنا.

أخبرتي أمي ذات يوم، و رأسي مُسندة على كتفها، في حين كنا مستلقيتين على سريرها، أنني أجمل شيء حصل لها في حياتها، و أنها لن تندم إطلاقًا على زواجها من أبي بالرغم مما حصل، لأنه كان السبب في وجودي .

اكتفيت بعناقها و بالابتسام وقتها، وربما قلت لهاأحبك” لأنني لم أجد ما يعبر عن فرحتي بكوني سعادتها .

لكنني وفي هذه اللحظة .. أتمنى أن أعود لأقول لها:وأنتِ كل الحياة بالنسبة إلي..”

هي لا تعلم أنني لا زلت أشاركها وحدها أحزاني  كما اعتدنا.

برسالة أدفنها أسفل وسادتها، ولكن الأمر اختلف تمامًا، لم نعد نضحك عليها سويّةً، بل أصبحت أبكي لوحدي.

كم أفتقدك يا أمي، ولتعلمي أنك لم تموتي وحدك ؛ فقد ماتت حياتي معك.

*قاصة من السعودية

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: