مدارس الشعر

 

عبد الرحيم الماسخ*

المدرسة لا تنشا من فراغ، وهي تحتاج منا إلى عناصر تكاملية، و تلك العناصر مختلفة التكوين، مثالية الحضور، لا تتماهي في بعضها و لا تتجانس، منها الجماد كالبناء و الأثاث و الأدوات الصحية و الانارة، و منها الانسان كالمعلم و التلميذ، بعد كل ذلك تلعب المادة العلمية المتداولة ما بين المعلم و المتعلم دور الانطلاق ما بين الرمية و الهدف، فاذا اصابت الرمية الهدف بدرجة معينة كانت تلك الإصابة هي درجة النجاح الاكيدة، و كل ما عداها وهم، إذن المدرسة ليست بالونة تنفجر في الهواء و السلام، و يعود الحال إلى ما كان عليه، اذ أن المدرسة تحويل مسار حياة، و يجب أن يكون التغيير للأفضل دائما، و المدارس أنواع بغض النظر عن الشكليات فمنها التأسيسية كالمرحلة الابتدائية و الإعدادية، و منها التخصصية كالمدارس الجامعية، و بالطبع هناك تخصصات مختلفة باختلاف احتياجات البشر، فمن التخصصات ما هو عملي كتعليم الطب و الزراعة و الهندسة، و منها النظري كدراسة الآداب و القانون، المهم في النهاية وجوب حصول الطالب من خلال الدراسة على شحنة إيجابية تولد مزيدا من العون الدائم على مواصلة السعي إلى الامام في تخصصه، فاذا اجتمعت التخصصات المدروسة و تكاملت فيجب أن تغطي كل نواحي الحياة بنتاجها المتطور بلا شاردة أو واردة.
لكن الدارس في مدارس الادب على مدى التاريخ لا يجد دليلا كافيا لتصنيف النتاج النثري او الشعري يستطيع من خلاله تأسيس قاعدة انطلاق، و المعروف أن النثر سبق الشعر في كل اللغات لأنه المردود التلقائي للبشر في حركاتهم و سكناتهم، أما الشعر و هو الأعمق أثرا و الأشد تأثيرا لا يتبلور إلا من خلال معاناة تكوينية لا تعتمد جاهزية الألفاظ، لذلك كان امتداده المتناقل عبر الأجيال امتدادا للحاجات الإنسانية الاستثنائية كالحب و الحرب، و اعتمد قوة و صلابة لا تأتيها بكفاءة الا موهبة طارئة، و قد جاء شعراء المعلقات في الصدارة ذلك لفرادة الأداة الشعرية بالأعلام عن تاريخ و جغرافيا الحدث الهام، فقد كان الشعر أداة إعلامية تروج لما تشاء من أحداث، و استمر الحال على ما هو عليه، و في صدر الإسلامي زادت الأحداث الكبار، و ظهر حيالها شعراء كبار عبروا عن التوجهات العامة، و إلى ذلك الحين كانت القبائل تقيم الأفراح أربعين يوما لمجرد ميلاد شاعر، و بالطبع الميلاد بداية تجربة قد تكتمل أو لا تكتمل، و كانت القصيدة ملحمية الطابع تبدا بالتشبيب ثم تتفرع لتشمل أفراح و أتراح الوسط، لكن العصر العباسي النشط ثقافيا دفع حركة الترجمة إلى الأمام و شجع التأليف، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية، و فتح الأندلس استقى العرب الموشحات الأندلسية، و مع تسارع الحياة أصبح الشعر الغنائي المتوجه إلى الهدف مباشرة معبرا امنا للتجربة، و أصبح المتلقي لا يحفظ للقصيدة فروعا جذورا إنما يراها ومضة تعبيرية صافية الحضور، فكانت مدرسة جديدة لها معلموها و دارسوها، و لا بد للجميع من متذوقي المدرسة العباسية من دراسة التجارب السابقة للتعارف و المقارنة، حتى رسخت في الأذهان قوة المدرسة الجديدة و حقيقة تطورها.
عصور الظلام التي امتدت بعد ذلك حتي افتتاح مدرسة الأحياء لم تكن عصورا عقيمة لكنها ظلت تراوح مكانها، معتمدة على الكتاتيب التي يشغل معظمها بعض المتحذلقين، فكان الدارس يسلك طريقا تقليديا فيحفظ شيئا من القران و الحديث و الشعر على ذوق معلمه، فاختفت الابتكارات، و تقوقع الموهوبون في مهاوي الجهل، و اذ تولي محمد علي حكم مصر، و أراد الإصلاح الشامل فارسل البعثات إلى أوربا، و افتتح المدارس الحديثة و اعتني بالعلم، فبدا ظهور شعراء موهوبون لكنهم اذ حاولوا الانطلاق لم يجدوا امامهم الا القصيدة التقليدية الكلاسيكية فقلدوها مع فرض همهم الخاص على مواضيعها القديمة، و من اشهر شعراء الاحياء محمود سامي البارودي، و تبعه شوقي و حافظ و مطران، الخ تلك المدرسة التقليدية حاولت في معظم تجاربها التمسك بأصول القصيدة العربية فلم تضف اليها الكثير، لكن جماعة الديوان اللاحقة حاول شعراؤها الثورة التدريجية على تلك المدرسة فغيروا في القافية و استقلوا بجديد الفكرة، فصار لهم توجههم الخاص، و إن لم يخرج في النهاية بقالب مغاير، انما هي قوالب خليلية تبحث عن مواضيع متفردة، فلم تقتحم عليهم المعارضات بابا، و جاءت مدرسة ابولو مكملة لمدرسة الديوان و مهيمنة عليها في بعض التجارب الخاطفة، و يكاد المطالع لتجارب مدارس الاحياء و الديوان و ابولو و هو يبحث عن ميزات جوهرية أن يدمج تلك المدارس في مدرسة واحدة تبلورت و كبرت و اثمرت حركة أدبية احيائية استطاعت مجاورة المدرسة العباسية و إن لم تتفوق عليها .
بالطبع كانت هناك ارهاصات اثبتت وجود محاولات تقريب وجهات نظر بين القصيدة و النثر، استمرت طويلا فأنتجت فن المقامات، و الرواية فيما بعد، اعتمدت تلك المحاولات على الموسيقي الداخلية للكلام، و اتخذت امثلة ثابتة الحضور في وجدان الامة اول نصوصها القران الكريم، لكنها ظلت دوامات غائبة في هدير الأمواج حتى منتصف القرن 19 اذ تعاظمت ظاهرة الشعر الحديث مستفيدة من محاولات التجديد المتراكمة في إعادة بناء قصيدة تعتمد على قفلات تسع أكثر من سطر متعاونة مع تفعيلة خليلية مسترشدة في طريقها بالموسيقي الداخلية للغة فيما سمي بالتدوير، و جاء في حيثيات اعتمادها كقصيدة على ألسنة مبدعيها: إنها إرادة قادرة على تحويل الشعر الى خبز يومي ، لكن تلك القصيدة مع كل ما أعطت من دفق شعوري خصب مازالت تلقي جدلا في أوساط أدبية، و جامعات و مدارس لا تستسيغها، حتى شكلها لا يوحي بجدة القصيدة كما يوحي بتماهيها في فنون أخرى كانت اقل شأنا ، و يكفي الشعر الحر و من بعده قصيدة النثر ضعفا ارتداد بعض من اعتمدتهم حركتها أعضاء كبارا الى القصيدة العمودية و انضواءهم تحت لوائها بلا شعور معذب بالخيانة .
إذن الشعر العربي و هو فن العربية الأول و ديوان العرب لم يستفد كثيرا من مشاريع تطويره، لأنه يعتمد أساسا على الانجراف العاطفي، و العاطفة مستعجلة قلقة عكس النثر الذي اعتمد أساسا على الفكر، و الفكر يحتاج المزيد من المراجعة و التريث، فظلت قصائد عربية قديمة اكثر حداثة و تعبيرية عن واقعنا مهما تطور حياتيا و شعريا بالتبعية!

*كاتب من مصر

abdelrahem_1009@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *