قراءة في ديواني: (بسملة، أولئك) للشاعر معبر النهاري  

 

 

 معبر النهاري ما بين ضفتين (بسملة، أولئك)

محمد علي كاتبي*

 

في واحدةٍ من الليالي الأدبية الشعرية الرائعة التي يقيمها نادي المدينة المنورة الأدبي المبارك، استمعت لثلة كريمة من الشعراء الشباب، وقد أبدعوا وأمتعوا وشنفوا آذاننا، وملؤوها شعرًا جميلاً، فقد أحسنوا أيما إحسانٍ، وتألقوا كل التألق؛ أحدهم تألق ببيانه المشرق، وبأسلوبه الرصين، وعباراته البديعة، وصورة الشعرية الأدبية الرفيعة، و ألفاظه المنتقاة، ولعلي كنت من أكثر الحاضرين إعجابًا بإبداعه الشعري، ذلكم هو الشاعر (معبر النهاري)، الذي سعدت بمعرفته منذ تلك الليلة الشعرية الراقية بشعرها وشعرائها. الأستاذ معبر النهاري شاعر وأديب ومثقف واسع الآفاق، مطلعًا على ثقافات الشعوب وآدابها وفنونها، وفضلاً عن تمكنه من تراث أمته الخالدة، ولا غرو فهو ابن العروبة العريقة.

عرفت الشاعر النهاري الذي مثّلَ المدينة في أكثر من مناسبةٍ وطنيةٍ وأدبيةٍ، وكان جديرًا بذلك، وكان أحق بها وأهل لها.

و قد رحت مذ ذلك الحين أتتبع شعره قارئاً فيه، معجبًا بتجربته الشعرية، وقد أشدت بها في أكثر من مناسبة في نادي المدينة المنورة، وغيره من الأماكن الثقافية.

أصدر مجموعته الشعرية الأولى (بسملة) ؛ فسارت بين الشعراء والأدباء مسرى الشمس والنجوم، فقد حوت- بحق – ما يمكن أن يُعد من عيون الشعر العربي الحديث ؛ فمنذ القصيدة الأولى حتى الأخيرة وهي تجري على وتيرةٍ واحدةٍ من الاتقان والإبداع.

و لعل أجمل ما يشد في شعر النهاري تلك الصور الشعرية الفنية الخلابة، التي قلما يخلو منها بيت أو شطر بيت، حتى ليحار الباحث أو الناقد في اختيار ما يستجاد منها، فكلها بديعة، رائعة، مختارة، مستجادة، وشعره  يشهد على إبداع الشاعر فأية صفحة تفتحها في ديوانه يصح دليلاً على تميزه الشعري وشاهدًا عليه.

أتيت و الحُسن تسقيني أنامله

ثغر العذاب الذي كم أشعل القبلا

ما عدت أدرك.. ذاك الحسن يخذلني

و ما أشاح بذكرى تصطلي خجلا

لا تعجب اليوم إن خانتك ساجية

فالثلج يلبس وجه الليل مشتعلا

بل هاك روحي بدد صمت وحشتها

الروح ملكك فاسكب بينها الأسلا

وانظر أيضا إلى تلك التحفة الفنية (قصيدة وهم)

سامر لظاك إذا خان الكرى مقلك

توسد لهم حاشا الهم ما خذلك

وحينما تخرج من النص الوجداني إلى النص السياسي نجد قصيدة (صنعاء)، التي يترسّم فيها الشاعر معبر النهاري صراط الشاعر العربي العملاق عبد الله البردوني

ماذا أغنيك يا صنعاء قافيتي

يندى بها الضر في أقصى معاناتي

يا أم ( بلقيس ) يا صنعاء معذرةً

إذا نبا الحرف و اسودت عباراتي

صنعاء جئتك في روحي مصائبها

فهل بظلك أنسى وقد مأساتي

ولو أن هذه القصيدة بائية القافية لكانت أجمل معارضة لقصيدة البردوني (أبو تمام وعروبة اليوم)، ولا يزال النهاري على تألقه وابداعه وإحسانه، حتى توج ذلك الإبداع بديوان آخر بعنوان: (أولئك)، وهو كسابقه لطيف ظريف شكلاً وصورةً، جميل مضمونًا وقصائداً، حلق بها في سموات أولئك النفر الذين

قد أطعموا الليل من وجدان حنطتهم

خبز السماء التي من ملحها انبجسوا

وقد قرأت الديوان فإذا هو يخرج كسابقه من مشكاةٍ واحدةٍ من الروعةِ والابداعِ، وربما ناف عليه التمرس والتمكن والاتقان والتجويد، مع شيءٍ كثيرٍ من الرمزية، التي ربما تقترب من الغموض كقصيدة بروميثوس:

غَادَرَ السَّهْمُ مُنْحَنَى

فَانْحَنَى

ثَــمَّ أَثْخَنَا

صَهْوَةً مِنْ تَـنَدُّمِ

صَاغَتِ الْعُمْرَ رَوْضَةً

كَالْعَذَابَاتِ مُزْهِرَهْ

هَدْهَدَ الطِّيْنَ لـَحْنُهَا

وَ الـْقَوَافِي تَسَاكَبَتْ

بَيْنَ أَشْطَانِ أَيْكِهَا

حَمْحَمَاتٌ لِبَرْزَخٍ

أَيْقَظَتْ

أَلْفَ (دَاحِسٍ)

وَ تَسَلَّتْ

بِـ(عَنْتَرَهْ)……………الخ

وكذلك قوله:

وَ رَأى ثَمَّ رَحـْمَةً

حِيْنَ أَلْقَتْ بِجَمْرِهَا

بَيْنَ جَعْدٍ

تَصَوَّرَهْ

ذَهَباً

فَـرَّ ذَاهِلَاً

شَفَـقاً

لَوَّنَ الـْمَدَى

كَاحْتِرَاقَات ِعُمْرِهِ

إِذْ تُصَلِّيْهِ مَغْفِرَهْ

إلخ ….

وربما تكون تلك القصيدة من شعر التفعيلة، التي قد لا يستسيغها البعض إذا تبدو موسيقاها باهتةً فتأبى على الأذواق والأفهام.

وحينما تدخل بروية إلى أعماق النص تجد النص الخليلي النمطي الذي يتحدث فيه الشاعر عن كينونة الشعر ومعاناة النص الشعري منذ الأزل:

كَمـَا الْبَوْحِ تَأْتِي تـُمِـيْـطُ اللِّـثَـامْ       عَـنِ الصَّمْتِ عَمـَّا وَرَاءَ الْكَلَامْ

سَافِرُ خَلْفَ شَغَافِ الأَسَى              لِتَنْثَالَ نَبْضاً طَوَاهُ الْغَرَامْ

وَتُلْبِسُ لَيْلَ الرُّبَا جُبَّةً                  وَتـَخْـلَعُ لِلشَّمْـسِ ثَوْبَ الظَّلَامْ

تـُخَاصِرُ فِي الـْحَقْلِ قَطْرَ الـنـَّدَى      تُـفَـلْسِفُ لِلْعُشْبِ مَعْنَى الصِّيَامْ

وَتَأْتِي إِلَى الْعَيْنِ فِي وَمْضَةٍ          تُؤَثِّثُ (لِلْعَيْنِ) حُلْمـاً (بِلَامْ)

وَتَنْهَلُّ فِي النَّايِّ مِنْ جُرْحِهِ          غِنَاءً وَنَزْفاً يَصُوْغُ الـْمَقَامْ

وَتَرْسُمُ لِلطَّيْرِ تَسْبِيْحَةً                تـَجَلَّتْ صَلَاةً بِثـَغْرِ الْيَمـَامْ

تُلَمْلِمُ فِي الْكَوْنِ كَيْنُوْنـَةً             وَتَنْسِجُ عِـيْـدَاً لِـيَـفْـنَى الـْخِصَامْ

 

 وإذا كان معبر النهاري شاعر الصورة الفنية المركبة – ولا أقول المعقدة-، وشاعر البديع والابداع، و شاعر الجرس الموسيقي المتسق، وشاعر النفس الطيبة الأصيلة، وشاعر المعنى العميق، فإنه كذلك شاعر اللفظ المجلجل واللفظ الجهير، الذي يأسرك جرسه المتوثب وهديره الصاخب؛ فترى ذلك ماثلاً في نص (امبجيده) ص 14-15، وامبجيده كما وظفها هي الاسم الجنوبي لسنابل الذرة الرفيعة حينما تنحي نظرًا لامتلائها بالذرة حيث يقول:

رَأَيْتُكَ فِي غَيْمِهَا قَامَةً              تُطِلُّ كَبَرْقٍ شَهِيِّ الْغَضَبْ

تـَجِيءُ كَمـَا الـْبَـوْحِ أُسْطُوْرةً     تَلَاهَا النَّبِيْذُ بِجَوْفِ الْعِنَبْ

وَتَبْدُو انْثِيَالاً كَزَغْرُوْدَةٍ            تُتَرْجِمُ لِلرُّوْحِ سِرَّ الْعَجَبْ

تُـفَلْسِفُ لِلْصَّمْتِ جُوْعَ الصَّدَى   تـُجَـلِّي الـْهُدُوْءَ وَتـَجْلُوْ الصَّخَبْ

وَتَسْكُبُ فِي بُؤْسِنَا حِنْطَةً         وَتَضْنَى لأَ نَّكَ تَدْرِي الْسَّبَبْ


أما حينما تدلف إلى نص: (صنعنه)، الذي خلاله يطوف بك الشاعر في فسيفساء صنعانيه الهوى، بل تكتد تشم بين حروفها وترى بعيون قلبك (القضاض) الجص الذي يزين رواشين صنعاء القديمة، أو يخطف قلبك لمعٌ على هامة غيمان، أو تعثُر في عباءة صنعانية في شارع التحرير، كل ذلك في نص خليلي التركيب، عال في سبكه وفي لغته الشعرية فأنت حينما تقرأ:

تُعَرِّشُ فِي نَبْضِ الْكُرُوْم ِكَغَيْمَةٍ               بـِمِخْصَابِهَا جَدْبُ  الصَّبَابَاتِ يَنْتَفِي

أو تقرأ:

وَتَكْحَلُ أَحْدَاقَ (الْقَضَاضِ) غِوَايـَةً           تُعَنْقِدُنِي فِي دَنـِّهَا الـْمُتَصَوِّفِ

أو تقرأ:

فَتَسْجُـدُ فِي (الـتَّـحْرِيْرِ) أَنْـخَابُ شَـهْـقَـةٍ   تُرَتِّـلُ آيَـاتِ  الـْجَـمَـال ِالـْمُقَـرِقِفِ

تجد الصور في كل بيت شعري تتماهى مع الأبيات التي قبله أو بعده، لتشكل صورة متدفقة بالحياة والنضج الشعري والصور، إنك حينما تقرأ صنعنه فأنت لا تذهب إلى صنعاء بل تتجول في شوارعها، وتغرق في أمطارها، فتأخذك الدهشة حينما يختتم النص بشلال من عتب على الوطن ليس اليمن ولكنه ينسحب على كل الوطن العربي حيث يقول:

أَلَوْذُ بَأَكْنَافِ (السَّعِيْدَةِ) كُلَّمـَا   

 تَشَظَّيْتُ مِنْ غَدْرِ الشَّقَاءِ الـْمُرَجِّـفِ 

 فَـتَـخْـضَـرُّ أَغْـصَانٌ مِنَ الْغَبْنِ 

 أَجْدَبَتْ حَدَائِقُهَا فِي مَهْمَهٍ مِنْ تَأَسُّفِ       

عَلىَ جَـذْوَةِ الـشِّعْـرِ الـْمُـقَـدَّسِ تَـصْطَـلِي

جَفَافَ وُعُوْدٍ فِي سَوَافِي التَّعَفُّفِ 

 تُـقَـزِّمُـنَـا أَرْضٌ شَقِـيْـنَـا بِـعِـشْـقِـهَا

وَنَـحـْنُ عَـمـَالِـيْـقٌ بِـنَـا الـْمَـجْدُ يـَحْـتَـفـِي


وما أجمله حينما اشتق فعلاً مضارعًا فقال: “تزريب” من الاسم الأعجمي للمغني زرياب،
أو تجده يعنقدنا في بيت من الأبيات ويشتق من عنقود، وكذلك تصنعن من اسم صنعاء، ومعظم قصائد ديوان أولئك جاءت على النهج الخليلي وإن رُسمت على الشكل التفعيلي. وقد يلاحظ القارئ لديوان (أولئك) وجود كم هائل من توظيف غاية في الاتقان للكثير من الرموز الأسطورية والتاريخية مثل: “الكمان، اليسع، نيسان، سيزيف، بروميثيوس، فيداس، باخوس، زرياب، زليخا، يوسف، يعقوب”، وهو هنا يؤطرها بكل اقتدار وتفنن؛ كما أنك تجد أيضًا بعض الرموز الحياتية مثل: “الجدار، الغراب، سيجارة، كرنفال”، وكل رمز يستدعيه من ذاكرة مثقفة ورؤية شعرية ناضجة، يرفدها قدرة على الرسم بالكلمات-على رأي نزار قباني-، ومن سمات النص النهاري هو ذلك الاشتقاق من بعض الجوامد فمثلاً تجد الفعل “أموسق، وتموسق، ويتموسق” من كلمة جامدة هي موسيقا، وكذلك “يزمزمها” المشتقة من زمزم.

تلكم كانت شذرات عن الشاعر معبر النهاري ما بين “بسملة” ديوانه الأول و”أولئك ” ديوانه الثاني، عرضت لها باقتضاب وإيجاز، والديوان يستحق الدراسة والبحث، فنحن أمام ديوان استكمل كل مقامات الدهشة وجمال اللغة، وحداثة الأسلوب وعدته فمارسه حتى ذاب فيه مرددًا:

لَقَدْ ذُبْتَ حَتَّى حُدُوْدِ الأَسَى

فَكُنْتَ اكْتِمَـالَ ا لـْهَـوَى وَالأَدَبْ

ولعله يعذرني إذا قلت:

لَقَدْ ذَابَ حَتَّى حُدُوْدِ الأَسَى

فَكَانَ اكْتِمَـالَ الـْهَـوَى وَالأَدَبْ

 

* أديب و كاتب سوري

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: